الحرب على السودان في عامها الرابع: المراجعة الشجاعة طريق النصر وحماية الدولة وكرامة إنسانها!؟

بقلم/ السفير د.معاوية البخاري

بعد أربع سنوات.. أين نقف؟

مع دخول الحرب المفروضة على السودان عامها الرابع، بكل رصيدها على كافة المستويات، لم يعد كافياً الاكتفاء بتسجيل المواقف أو استدعاء الشعارات. فالحروب الطويلة تُقاس بنتائجها ومآلاتها استدامة الامان والاستقرار ، وتُدار بالمراجعة المستمرة بقدر ما تُدار بالصمود والتضحيات. الوقوف والمراجعة المستمرة ليست تشكيكاً في المعركة بل شرطاً للانتصار. ومن واجب الدولة والقوى الوطنية المساندة والمجتمع بكل مكوناته أن تتوقف أمام حصاد السنوات الماضية لتقييم ما تحقق، وما تعثر، وما يزال مهدداً للمشروع الوطني برمته، وسط هذه التحديات المستمرة والجبهات التي تفتح.

فالمراجعة اليوم ليست ترفاً فكرياً، ولا مدخلاً للتشكيك أو الإحباط واليأس ، بل هي واجب وطني وأخلاقي جمعي تجاه آلاف الشهداء والجرحى والنازحين، واللاجئين، وتجاه وطن ما يزال يواجه أخطر تهديد وجودي في تاريخه الحديث، على المستوى الداخلي والجوار والاقليم والفضاء الدولي برمته.

 

معركة الكرامة.. ماذا أنجزت؟

رغم ضخامة التحديات وتعقيد البيئة الإقليمية والدولية، نجحت الدولة السودانية وقواتها المسلحة بسندها الشعبي في إفشال الرهان الأساسي الذي قامت عليه المؤامرة منذ بدايتها، وهو إسقاط الدولة السودانية وتفكيك مؤسساتها وفرض أمر واقع جديد بقوة السلاح والتآمر الخارجي ومشروعاته.

لقد صمدت مؤسسات الدولة وإنسانها، واستعادت القوات المسلحة زمام المبادرة في عدد من الجبهات والمحاور، وتم تحرير مساحات واسعة من الأراضي والمرافق الحيوية، كما سقطت رهانات كثيرة كانت تتوقع انهيار البلاد خلال أسابيع أو أشهر، سقط هذا الوهم ، ولكن أطرافه لم تقلع بعد عن أساليب الابتزاز والكيد والدعم لتثبيت حالة الهشاشة واللا استقرار.

هذه حقائق لا يجوز إنكارها أو التقليل من شأنها، وهي تمثل رصيداً وطنياً مهماً ينبغي البناء عليه. لكن ذيول الأزمة وشبح تداعياتها تلاحق البلاد في صورتها الكلية، وتاريخها وقدرتها على استكمال النصر ودحر هذا المشروع التدميري للبلاد.

 

لكن التحديات لم تنته بعد

في المقابل، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي الاعتراف بأن الحرب لم تبلغ نهايتها بعد، وأن المخاطر لا تزال ماثلة بصورة جدية.

فالتمرد ما يزال يحتفظ بقدرات عسكرية ومواقع ومصادر دعم وتمويل وتحشيد، كما أن رعاته الإقليميين وحلفاءه السياسيين لم يتخلوا عن مشروعهم الرامي إلى إدامة حالة الهشاشة والسيولة الأمنية واستنزاف الدولة السودانية.وان الحالة الإنسانية مأزومة، والإرادة السياسية في حالة تشتت ولا مبالاة، والمطامع الذاتية للبعض ما تزال ماثلة، والجبهة الوطنية في ارتباك.

كما أن بعض المناطق الاستراتيجية ما تزال تواجه تهديدات جدية مباشرة، بينما تتواصل محاولات فتح جبهات جديدة أو تثبيت مناطق نفوذ تؤسس لصراعات طويلة الأمد تهدد وحدة البلاد وسلامة أراضيها وامنها القومي وكرامة إنسانها.

 

الاقتصاد.. الجبهة التي لا تقل خطورة

لا يمكن الحديث عن الحرب بمعزل عن آثارها الاقتصادية العميقة.فارتفاع سعر الدولار، وتزايد معدلات التضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتعثر النشاط الإنتاجي والخدمي والحياتي، أصبحت جميعها عوامل ضغط يومي على المواطن السوداني. بحاجة الي احياء المنظومة المدنية والجهاز التنفيذي بكامله، واحكام ترتيب دولاب العمل بالدولة، ورصف الأولويات.

وإذا كانت الجيوش تخوض المعارك في الميدان، فإن الشعوب تخوض معارك الصبر والتحمل في الأسواق والمنازل ومواقع العمل، واهل السودان قدموا تضحيات جسام وما يزالون.

لذلك فإن حماية الجبهة الداخلية اقتصادياً أصبحت جزءاً أصيلاً من معركة الكرامة نفسها، وليست قضية منفصلة عنها، وصون إنسانها ورفع المخاطر والحمل عن كاهله غاية مدركة بوسعنا، لاجل رفع الروح الوطنية وتعظيم التضحيات وتماسك الصف الوطني والدولة.

 

لماذا أصبحت المراجعة ضرورة وطنية؟

لأن الحرب دخلت مرحلة جديدة تختلف عن مراحلها الأولى وأدواتها.فالتحديات تغيرت، ووسائل الخصوم تطورت، والبيئة الإقليمية والدولية تشهد تحولات متسارعة.ومن ثم فإن تقييم الخطط والمحاور العسكرية والسياسية والإعلامية والدبلوماسية والمجتمعية لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية، فهي فوق اي أفق لتسوية يرومونها وأجندة العدو لم تتغير.

فالدول التي تنتصر في الحروب الكبرى ليست تلك التي تدعي الكمال، وإنما تلك التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بأوجه القصور وتصحيحها في الوقت المناسب، بالانحياز للإرادة الداخلية والأجندة الوطنية على ما سواها من وصفات خارجية مجربة لا تبتغي سلامة او رفعة او نهوض واستقرار لبلادنا.

 

استعادة زمام المبادرة

إن مواجهة المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى فرض المعادلات.وتتطلب توحيد الجهد الوطني تحت مؤسسات الدولة الشرعية، وتعزيز قدرة القوات المسلحة على أداء دورها التاريخي في حماية البلاد وسيادتها وحدودها، مع المحافظة على وحدة القرار العسكري والأمني وسلامة منظومة القيادة والسيطرة. لا مجال لاي اجسام او واجهات او كتل موازية غير راية واحدة للجيش الوطني دون سواها لتستكمل النصر.

كما تتطلب حشداً وطنياً تعبوياً واسعاً، واستعادة للنفرة القومية لكل ابناء الوطن وأطيافه بلا تمييز يشارك فيها الجميع وفق مقتضيات المصلحة الوطنية العليا، بعيداً عن الاستقطابات الثانوية والعصبيات والحميات والجهويات والخلافات التي لا تحتملها ظروف البلاد الراهنة.

 

معركة الدولة لا معركة السلطة

الخطأ الأكبر هو النظر إلى ما يجري باعتباره مجرد صراع على السلطة.فما يواجه السودان اليوم يتجاوز ذلك بكثير.إنها معركة تتعلق ببقاء الدولة نفسها، ووحدة أراضيها، وهوية مؤسساتها، ومستقبل أجيالها القادمة.

ولهذا فإن أي تهاون في تقدير المخاطر أو استسهال للتحديات القائمة قد يدفع الوطن كله ثمناً باهظاً يصعب تداركه، والرصيد الذي توافر بحاجة لنفض الغبار عنه، باستعادة كاملة لمعركة الوطن وكرامة انسانه بصحوة ووعي كبيرين.

 

الخاتمة: ساعة الحقيقة الوطنية

يدخل السودان عامه الرابع من الحرب فيما لا تزال جراحه مفتوحة، وأعباؤه تتضاعف، وأعداؤه يراهنون على الإنهاك والتآكل البطيء للدولة والمجتمع رغم صموده. غير أن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم في مثل هذه اللحظات ليس قوة خصومها، بل عجزها عن رؤية واقعها كما هو.

لقد آن أوان المراجعة الصادقة، والمصارحة المسؤولة، وإعادة ترتيب الأولويات على أساس ما تقتضيه مصلحة الوطن لا ما تفرضه الحسابات الضيقة، وتراص الصف الوطني ليست بالمهمة العسيرة إذا صدقت النوايا وتوافرت الإرادة السياسية وقدمت التنازلات من الكل.

فالسودان اليوم لا يحتاج إلى تبرير الأخطاء بقدر ما يحتاج إلى تصحيحها، ولا يحتاج إلى تبادل اللوم والعتب، بقدر ما يحتاج إلى توحيد الجهود، ولا يحتاج إلى رفع الشعارات ومصادرة ما توافر من نصر بنرجسية، بقدر ما يحتاج إلى تحويل الإرادة الوطنية إلى فعل منظم وقادر على صناعة الفارق، وسد الثغرات وتضييق بؤر الخلاف .

إنها لحظة تتطلب من الجميع الارتفاع إلى مقام الوطن وندائه العاجل باليقظة والتوحد والعزيمة الماضية.

فإما أن يستعيد السودانيون زمام المبادرة ويحصنوا دولتهم ويحموا مستقبلهم، وإما أن يتركوا المجال لمشاريع التفكيك والفوضى لتواصل عبثها بمقدرات البلاد في هذه اللحظة الفارقة والتاريخ لا يرحم.

وفي مثل هذه اللحظات المصيرية، لا يكون الحياد موقفاً، ولا اللامبالاة خياراً، لأن الوطن حين يُستهدف في أمنه وسيادته ووجوده وحرمة انسانه، يصبح الدفاع عنه مسؤولية مشتركة، ويغدو التراجع عن هذه المسؤولية التاريخية والوطنية والأخلاقية الدستورية تراجعاً عن حق الأجيال القادمة في دولة آمنة موحدة مستقرة، اللهم هل بلغت فأشهد!؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى