الناطق الرسمي لحكومة ولاية الخرطوم.. حبال الصدق والصبر

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

أجرى الأستاذ عبود عبد الرحيم حوارًا صحفيًا لصالح صحيفة العودة استنطق فيه الأستاذ/ الطيب سعد الدين، الوزير بحكومة الولاية والناطق الرسمي باسمها، حول عدد من الملفات التي تشغل بال المواطن وتشكل هواجسه وتضبط خارطة عودته طواعية إلى الولاية.

وسبق لذات المسؤول في الولاية أن قدم ذات الخطاب الذي يمكن أن نصفه بأنه مفرط في “التفاؤل” في حوار استضافته فيه قناة النيل الأزرق عبر برنامج “كالآتي”، والتفاؤل هو السمة التي لازمت لغة الناطق الرسمي في الحوار، وهو شيء في عمومه مطلوب في زحمة الأخبار والأحداث المحبطة للمواطن السوداني جراء الظروف التي فرضتها الحرب.

إلا أن لغة التفاؤل التي يتحدث بها لسان حكومة ولاية الخرطوم يجب عليه قياس المسافة بينها وما تحمله من تصورات لواقع خرطوم ما بعد الحرب بعيون مسؤول في الحكومة يتعامل مع الأمر بزاوية أنه تكليف حكومي هو يمثلها ومطالب بأن يقول ما تراه العين الرسمية، وبين واقع يعيشه المواطنون في الولاية نفسها ويدفعون تكلفته في معاشهم.

وهذا الخطاب الحالم لا يبدو منطقيًا بعد مرور أكثر من عام على تحرير الولاية، ولا تزال لغته محشوة بالتبرير والتحجج بالأضرار التي سببتها الحرب متى ما كان السؤال عن العجز في الخدمات وعن ضعف الأداء لحكومة ولاية الخرطوم، وهي التي لم تستطع حتى الآن أن تقدم خارطة زمنية أو نسبًا محددة لإنجاز الالتزامات الحكومية، ليبقى خطاب التبرير مفتوحًا إلى ما لا نهاية أمام المواطن الذي تزاحمه التزامات وأزمات النزوح واللجوء، بينما يخاطبه لسان حكومة الولاية بالعودة طواعية.

(*) حكومة “الظل” في الولاية..

لم يكن من المستغرب أن يتحدث السيد/ الطيب سعد الدين، الناطق باسم حكومة ولاية الخرطوم، بكل هذا الثناء على اللجنة العليا لتهيئة بيئة الولاية للعودة، للدرجة التي ميزها بقوله بأنها الأفضل من بين كل التجارب التي عايشها خلال سنوات خدمته في الولاية لمدة 30 عامًا.

حكومة ولاية الخرطوم “ست الجلد والرأس” في مسألة تهيئة بيئة العودة للمواطنين، وجدت ضالتها التي تعفيها من تحمل مسؤوليات أصيلة في جدول مسؤولياتها، وظلت في انتظار اللجنة العليا برئاسة عضو مجلس السيادة لتنجز لها المهام، وتبقى هي وواليها في “ظل” التصريحات والحديث عن الإنجازات، وكأنها قد أنفقت العرق والجهد في ذلك.

وطالما أن اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة لولاية الخرطوم بقيادة عضو المجلس السيادي كانت تتحرك وتقدم اجتهادها في ملفات العمل اليومي لحكومة الولاية، التي تكتفي بتسجيل ذلك في دفتر إنجازاتها.

لا يعلم الناطق باسم حكومة الولاية بأن تقاطع الصلاحيات هو السبب الأساسي في حل اللجنة العليا وتحويل اختصاصاتها لمجلس الوزراء، والذي شعر بأن هذه المهام التنفيذية من صميم المهام المسؤول عنها رئيس السلطة التنفيذية، بينما لم يساور هذا الشعور أيًّا من مسؤولي الولاية.

(*) “المبرر” الرسمي لحكومة ولاية الخرطوم..

وهو الوصف الوظيفي الدقيق طبقًا للمهام التي يقوم بها الأستاذ/ الطيب سعد الدين، فعندما يُسأل عن حالة “السيولة الأمنية” في الولاية في برنامج “كالآتي” بقناة النيل الأزرق، يرد بالقول إن الانفلات والسرقات والتهديدات الأمنية سببها تأخر عودة المواطنين لمنازلهم، ولم يقدم شرحًا منطقيًا ولا إجابة لسؤال أيهما سابق للآخر في موضوع عودة المواطنين لولاية الخرطوم: هل هو استتباب الأمن كإشارة خضراء لتحول إيجابي في البيئة العامة لولاية الخرطوم، أم أن الأمن يتحقق بعودة المواطن نفسه حتى “يسد المسؤول أضانَه” بحسب التعبير المستخدم من السيد “المبرر” الرسمي؟

حكومة ولاية “طول بعرض” يسألها المواطنون عن الحد الأدنى من الخدمات، وحتى الآن لم تتجاوز نسبة العائدين 30% إلى 40% من إجمالي سكان ولاية الخرطوم، فيجيب ناطقها الرسمي بأن موضوع الكهرباء سلطة “مشتركة” اتحادية ممثلة في وزارة الطاقة، وذكر كل ما قامت به اللجنة العليا فيما يخص ذلك من استيراد المحولات والتوصيلات، بينما لم يفتح الله عليه بذكر المهام التي شاركت بها الولاية في هذا الموضوع.

الوزير بحكومة الولاية أطلق تصريحًا “مرسلًا” وغير قابل للقياس فيما يخص موضوع خدمة الكهرباء باعتبارها محددًا مهمًا في مسألة عودة المواطنين، وقال بأن معدل استعادة الكهرباء “كبير جدًا”، وهو قياس “فضفاض”، وعلى حالته تلك يكذبه واقع شكاوى المواطنين من سوء خدمات الكهرباء، بل وانعدامها.

“فقر” أدوات التحليل للمشكلات والأزمات التي تواجه ولاية بحجم العاصمة الخرطوم ما بعد الخراب الذي طالها يشرح إلى أي مدى أن مواطن الولاية ومستقبل عودته في “كف عفريت”، فالناطق الرسمي لحكومة الولاية، وحسب إفادته، يقرأ مؤشرات العودة من خلال “الزحمة المرورية” في كبري الحديد عند السلاح الطبي، وتلك مشاهدات نقبلها من رجل الشارع العادي لأنه لا يملك غيرها ليقولها في مجموعات التطبيقات التفاعلية التي تجمعه مع الأسرة وجيران الحي، أما حكومة ولاية كالخرطوم فنتوقع منها قياسات علمية ومدروسة وتعطي صورة واقعية لموضوع عودة الحياة للخرطوم.

في موضوع الخدمات هذا في ولاية الخرطوم، وبدون أن يجتهد الناطق الرسمي لحكومة الولاية في التبرير، فإن الحرب تقدم التفسير في التدمير الذي حدث في البنية التحتية لخدمات الولاية، ولكن بالمقابل هي لا تقدم التبرير لبطء المعالجات الذي يسيطر على الأداء الحكومي، ونعتقد بأنه ليس من مهام وزير حكومة الولاية وناطقها الرسمي الاكتفاء بتوصيف الأزمات الناجمة عن الحرب، لأن هذه معلومات يعلمها المواطن وتذوق فداحتها، والمواطن يطلب خططًا واضحة للحلول المستدامة، وليس أن تكتفي الولاية بالتوصيف وتنتظر حلول المواطنين لمشكلاتهم بالعون الذاتي.

فيما يخص الأمن يبدو أن الولاية وناطقها الرسمي في حاجة لإعادة تعريف مفهوم الأمن، لأنه من الواضح أن هنالك قصورًا في التعريف يضع الأمن في حدود توقف المعارك، وهذا لو أخذناه بمنظور القوات العسكرية التي تقاتل تعتبر الولاية آمنة، أما بمنظور المواطن الذي يبني خططه في العودة تأسيسًا على استتباب الحالة الأمنية، فهنا عقله يتعامل مع انتشار الجريمة والسرقات وسلامة الأسواق وسهولة الحركة واكتمال عودة النشاط الاقتصادي، وهنا تصبح المسافة بعيدة جدًا بين لغة الخطاب التي يتحدث بها الناطق الرسمي ودرجة الأمان التي يشعر بها المواطن.

خطورة مثل هذه اللغة والأسلوب في خطابات الناطقين الرسميين باسم الأجهزة الرسمية والحكومات أن تكون هي مقياس الأداء لدى الحكومة الاتحادية، وأن التقييم فعلًا لأداء حكومة ولاية الخرطوم قائم على تقارير تبدأ بـ: سنفعل، وسنقوم، وسنتابع، والتي لا تجيب على أسئلة: متى؟ وكيف؟ ولماذا؟

ولو أن مؤسسات الدولة المرتبطة بتقديم الخدمات للمواطنين كانت قد عادت للعمل بذات “الهمة” التي تعمل بها أجهزة التحصيل والضرائب والإتاوات، لرأينا تقدمًا يمكن قياسه في ميزان عودة المواطنين، ولكنها سياسة الولاية “تفلق وتداوي”، تتحدث عن العودة وتمارس أي سلوك يمكن أن يجعل من عودتهم أمرًا مستحيلًا.

(*) ولاية الخرطوم.. حكومة العلاقات العامة..

تحليل محتوى الرسائل التي يقدمها الناطق باسم حكومة ولاية الخرطوم يؤكد بأننا أمام حالة “علاقات عامة” يقوم بها الموظفون الرسميون لتحسين الصورة الإعلامية لحكومة الولاية بمجهود أكبر من المجهود المطلوب لإدارة الواقع الخدمي في الولاية.

المشكلة هنا ليست فقط في أن حكومة ولاية الخرطوم تتحدث كثيرًا عن الإنجازات في التصريحات، بل في أن المواطن لا يزال لا يرى فيها ما يعزز ثقته في الخطاب الحكومي ويطابق الواقع الذي يراه ويطلبه للعودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى