الإيجارات.. حين يصبح السكن عبئًا

حديث القلم
بقلم ـ أمين محمد
لم يعد السكن مجرد حاجة أساسية، بل تحول في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه آلاف الأسر السودانية، خاصة أصحاب الدخل المحدود والموظفين الذين لا تكاد رواتبهم تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة. فمع الارتفاع المتواصل في إيجارات العقارات، بات كثيرون يعيشون معادلة قاسية؛ راتب محدود يقابله سيل من الالتزامات يبدأ من توفير “قفة الملاح”، ويمر بمصروفات التعليم والعلاج والمواصلات، وينتهي عند إيجار منزل يلتهم الجزء الأكبر من الدخل.
لا أحد ينكر حق مالك العقار في تحقيق عائد عادل من ممتلكاته، لكن هذا الحق ينبغي أن يظل محكوماً بميزان المسؤولية الاجتماعية والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. فالسودان خرج من حرب خلّفت آثارًا اقتصادية واجتماعية عميقة، ودفعت آلاف الأسر إلى النزوح وفقدان مصادر رزقها، الأمر الذي يستوجب قدراً أكبر من التراحم والتكافل، لا مزيدًا من الضغوط التي تثقل كاهل المستأجرين.
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن هناك ملاك عقارات جسدوا أسمى معاني الإنسانية، فخففوا عن المستأجرين، وراعوا ظروفهم، بل وأجلوا بعض المستحقات حتى تنفرج الأزمة. وفي المقابل، لا يزال آخرون يرفعون الإيجارات بلا مراعاة لواقع اقتصادي يرزح تحت وطأة التضخم وتراجع الدخول، وكأنهم بمعزل عن معاناة المجتمع.
إن امتحان الحرب لم يكن اختبارًا للقدرة على الصمود فحسب، بل كان أيضًا امتحانًا للقيم والضمير. واليوم، تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الرحمة والتكافل بوصفها شريكًا في التعافي الاقتصادي. فاستقرار المجتمع لا يتحقق بالقرارات الحكومية وحدها، وإنما يبدأ من شعور كل فرد بمسؤوليته تجاه الآخرين. وعندما يتحول السكن من مصدر للطمأنينة إلى عبء يهدد كرامة الإنسان، فإن الوقت قد حان لمراجعة المواقف، وإعلاء قيم الرحمة والعدل، لأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالتراحم بين أهلها.



