​”مليون بروكسل”.. دلالات سياسية ضخمة وجدوى مالية غائبة

تقرير ـ أمين محمد 

في خطوة تعكس تحركاً دبلوماسياً لافتاً في فضاء العلاقات الدولية، نجحت البعثة السودانية في بروكسل في اختراق جدار العزلة الاقتصادية عبر انتزاع قرار بوضع التسويات المالية المنهكة في إطارها الاستثنائي. وبينما يحمل هذا التحرك أبعاداً رمزية تعيد صياغة حضور السودان في المحافل الدولية، تباينت قراءات الخبراء بين من يراها خطوة جوهرية لفتح أبواب الدعم الدولي، ومن ينظر إليها كإجراء رمزي معزول لا يلامس عمق الأزمة الهيكلية الراهنة.

 

قرار الإعفاء

​اعتمد المجلس الوزاري لمنظمة دول إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ (OACPS) في اجتماعاته بالعاصمة البلجيكية بروكسل، قراراً يقضي بإعفاء السودان من كامل مديونيته المستحقة للمنظمة والبالغة مليون دولار، وذلك تقديراً للظروف الاستثنائية القاسية التي يمر بها الاقتصاد السوداني جراء الحرب. وناقش الوفد السوداني برئاسة وزير المالية د. جبريل إبراهيم، سبل تعزيز المرونة الاقتصادية للأعضاء، وتسريع المصادقة على “اتفاقية ساموا” للشراكة مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب بحث تقديم دعم فني للسودان وتوظيف كفاءاته بالمنظمة.

 

​خطوة رمزية

​قلل الخبير الاقتصادي، الدكتور أبوبكر التجاني، من الأهمية الاقتصادية لقرار إعفاء السودان من مديونيته البالغة مليون دولار لدى منظمة دول إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ (OACPS)، مؤكداً أن هذا الإجراء لا يعدو كونه خطوة رمزية ومجاملة سياسية ودبلوماسية من المنظمة بالنظر إلى الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ولا أثر حقيقياً لها على المؤشرات المالية الحالية.

 

​رسوم متراكمة

​ورجّح التجاني أن يكون هذا المبلغ المعفى عبارة عن تراكمات لرسوم اشتراك السودان السنوية في المنظمة، والتي لم تُسدّد لعدة سنوات متتالية نتيجة الصعوبات المالية المتراكمة. ووصف الخبير الاقتصادي المبلغ بـ”الضئيل جداً”، مشيراً -على سبيل المقارنة وتبسيط المشهد- إلى أن مثل هذا الحجم المالي يتوفر كسيولة نقدية متداولة لدى الكثير من تجار الأسواق المحلية في الخرطوم، مما يوضح هامشية الرقم في موازين الدول.

 

​تحديات راهنة

​وأوضح الخبير الاقتصادي في ختام إفادته، أن هذا الإعفاء لا يمكنه الإسهام بأي شكل من الأشكال في معالجة أو تخفيف حدة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تواجهها البلاد في الوقت الراهن؛ مشدداً على أن حجم التحديات الهيكلية المتمثلة في تمويل الخدمات، وتراجع الإنتاج، وانهيار البنى التحتية، يتطلب تدفقات مالية ضخمة وحلولاً جذرية تتجاوز بكثير هذه التسويات الرمزية.

 

​دلالات سياسية

​وصفت الكاتبة الصحفية، أماني الأمين، مشاركة السودان في اجتماعات بروكسل بأنها عودة حقيقية للمنظومة الدولية بعد سنوات من العزلة والعقوبات المشددة، مؤكدة أن وجود تمثيل سوداني رفيع المستوى في قلب عاصمة القرار الأوروبي والمانحين يحمل دلالات سياسية واستراتيجية ضخمة للحكومة في هذا التوقيت الفارق.

 

​دعم مالي

​وأوضحت الأمين أن انعقاد هذه اللقاءات في بروكسل يعني نجاح الحكومة في فتح ملفات حيوية تشمل الدعم المالي، والمنح، وإعادة الإعمار، إلى جانب تسليط الضوء على الأزمة الإنسانية وملف دارفور للاستفادة من صناديق الإغاثة الأوروبية المتاحة حالياً، مما يصب مباشرة في اتجاه تطبيع العلاقات الاقتصادية، وجذب استثمارات وشراكات جديدة في قطاعي الطاقة والزراعة.

 

​أبعاد رمزية

​وفيما يتعلق بقرار إعفاء السودان من مديونية المليون دولار، أكدت الكاتبة الصحفية أنه رغم ضآلة الرقم مالياً، إلا أن أبعاده السياسية والرمزية تبدو ضخمة جداً؛ إذ يمثل بادرة حسن نية من المنظمات الدولية، وخطوة أولى تمهد الطريق نحو تسويات وإعفاءات أكبر مع “نادي باريس” وصندوق النقد الدولي، فضلاً عن كونه اعترافاً دولياً بالوضع الاستثنائي للسودان يمنحه الشرعية للمطالبة بجدولة قروض أضخم.

 

​منح ومشاريع

​وتابعت الأمين أن هذا الإعفاء سيعيد الخرطوم للاستفادة من برامج المنظمة مجدداً عبر تدفق المنح والمشاريع والدعم الفني، واصفة المليون دولار بـ”تذكرة الدخول” المجددة لنادي المانحين الدوليين، والتي تمنح السلطة القائمة مشروعية أوسع في المحافل الخارجية، وتسهم في تخفيف الضغوط الدولية عبر تحويل الملف السوداني من مربع العقوبات إلى فضاء التعاون.

 

​ملف السلام

​وعلى الصعيد السياسي، أشارت إلى أن هذا الحراك يدعم ملف السلام؛ كون المؤشرات تمنح الجانب الأوروبي أوراق ضغط على أطراف النزاع مقابل الالتزام بالشفافية. واختتمت الأمين إفادتها بالتشديد على أن الكرة باتت الآن في الملعب السوداني، مما يتطلب استثمار هذه الفرصة الدبلوماسية والاقتصادية بذكاء لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى