المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة- الجزء 16/10 

الفجر الروحي ولعبة المحاور البيزنطية

​أعاد التحول الديني في بلاد النوبة صياغة العلاقات الدولية والنظم السياسية في وادي النيل؛ فعقائد كوش القديمة انزوت أمام صليب الناصري، لتدخل المنطقة في زلزال جيوسياسي مع انتصاف القرن السادس الميلادي. تخلت الممالك النوبية الثلاث عن عقائدها الوثنية لتعتنق المسيحية رسمياً في فترة وجيزة امتدت بين عامي 540 م و580 م. جاء هذا التحول نتيجة لبعثات تبشيرية مكثفة قادها بلاط القسطنطينية البيزنطي، الذي رأى في بلاد النوبة عمقاً استراتيجياً لحماية حدوده الجنوبية، مما جعل عملية التنصير تتحول إلى ميدان مثير للسباق المذهبي والسياسي بين مراكز القوى في العالم القديم.

​مملكة نوباتيا ودبلوماسية الإمبراطورية ثيودورا:

بدأت فصول الدراما السياسية والتنصيرية عام 543 م، حين قرر الإمبراطور البيزنطي “يوستنيانوس” إرسال بعثة تبشيرية لنشر المسيحية في مملكة نوباتيا الشمالية على المذهب الملكاني (الخلقيدوني) التابع للبلاط. في المقابل، كانت زوجته النافذة، الإمبراطورية “ثيودورا”، تدعم سراً المذهب المونوفيزيتي (اليعقوبي) المتحالف مع كنيسة الإسكندرية القبطية. قامت ثيودورا بتعطيل بعثة زوجها الرسمية عبر حاكم صعيد مصر الذي احتجزها عام 544 م، وسهلت حركة بعثتها الخاصة بقيادة الراهب “يوليانوس”. وصل يوليانوس إلى عاصمة نوباتيا “فرس” عام 545 م، واستقبله الملك النوبادي “سلكو” بالترحاب، لتدخل المملكة رسمياً في المسيحية اليعقوبية، ويصبح كنيسة الإسكندرية المرجعية الروحية للشمال.

​انشقاق المقرة والتميز المذهبي في دنقلا:

وجه البلاط البيزنطي ثقله الدبلوماسي نحو المملكة الوسطى، مملكة “المقرة”، التي كانت تتخذ من دنقلا العجوز عاصمة لها منذ عام 550 م. نجحت البعثة الإمبراطورية الملكانية عام 569 م في إقناع البلاط الملكي في دنقلا باعتناق المسيحية على المذهب الخلقيدوني، مما أوجد تمايزاً وانشقاقاً مذهبياً وسياسياً حاداً بين الجارتين النوبيتين (نوباتيا اليعقوبية والمقرة الملكانية). تذكر الوثائق التاريخية ليوحنا الأفسسي أن هذا التباين العقائدي أدى إلى نشوب سلسلة من الحروب والنزاعات الحدودية بين المملكتين حتى عام 575 م، حيث كان ملوك دنقلا يرفضون الخضوع للنفوذ الروحاني لكنيسة الإسكندرية، متطلعين مباشرة نحو القسطنطينية.

​الرحلة الأسطورية للراهب لونجينوس إلى علوة:

في عام 580 م، اكتمل المشهد الروحي بوصول فصول الإثارة إلى أقصى الجنوب السوداني، حيث كانت مملكة “علوة” وعاصمتها “سوبا” ترقب التحولات في الشمال. تقرر إرسال الراهب “لونجينوس” بتكليف من الكنيسة القبطية عام 579 م لتنصير علوة على المذهب اليعقوبي. واجه لونجينوس معضلة سياسية خطيرة؛ إذ حاول ملوك المقرة الملكانيين منعه من المرور عبر أراضيهم في دنقلا. بمساعدة قبائل البجة في الصحراء الشرقية، سلك لونجينوس طريقاً صحراوياً وعراً تفادى فيه النيل، في رحلة شاقة استمرت أسابيع عانى فيها من شح المياه، حتى وصل بأمان إلى سوبا عام 580 م، واعتنقت المملكة المذهب المونوفيزيتي، لينطوي العصر الوثني تماماً.

​البنية الحضارية والمعمارية للممالك المسيحية:

بمجرد استقرار العقيدة الجديدة عام 600 م، تحولت المسيحية إلى محرك أساسي لصياغة الهوية البصرية والاجتماعية في النوبة؛ تراجع بناء الأهرامات وحلت محلها الكنائس والكاتدرائيات المبنية بالطوب الأحمر والحجر المقاوم. تطورت عمارة الكنائس النوبية لتتميز بطراز فريد يجمع بين التأثيرات البيزنطية والروح المحلية، فظهرت الحنيات والمذابح المزدانة بالجداريات الدينية، وحلت اللغة النوبية القديمة المكتوبة بحروف قبطية محل الخط المروي عام 620 م. تحول هذا البناء الهندسي إلى مركز لإعادة تنظيم المجتمع وإدارة الثروة؛ حيث أصبحت الأسقفيات الكبرى في “كورتا”، “إبريم”، و”صاي” بمثابة مراكز إدارية واقتصادية تمنح الممالك النوبية تماسكاً داخلياً قادها نحو الاستقرار.

​نواصل

/////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى