عائدو باو… إرادة الحياة في مواجهة أنقاض الحرب 

المحافظ: 180 ألف عائد من دول الجوار يحتاجون إسناداً عاجلاً لإعادة الإعمار

رئيس العائدين: “لا نريد إعانات.. بل ندعم إعمار المنطقة ووقوف الجيش”

سندسية السهول وسحر الخريف على أرض الموارد والخصوبة

باو: عماد النظيف

يشهد إقليم النيل الأزرق وتحديداً محافظة باو حراكاً سكانياً واسعاً تمثل في عودة نحو 180 ألف مواطن من دولتي جنوب السودان وإثيوبيا إضافة إلى تشاد، موزعين بين معسكرات الإيواء وقرى العودة الطوعية. تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت ترزح فيه المنطقة تحت وطأة دمار شامل في البنية التحتية والخدمات الأساسية جراء العقود الماضية من النزاعات، مما يضع السلطات المحلية والمنظمات الدولية أمام اختبار حقيقي لتجاوز مرحلة الإعانات المؤقتة والانتقال الفعلي نحو مشاريع التنمية المستدامة وإعادة الإعمار التي تكفل استقرار العائدين وتلبي تطلعاتهم الملحة في العيش الكريم.

مشاهدات

 

كانت الأجواء خريفية ساحرة وخلابة في إقليم النيل الأزرق مع صباح الأمس، حيث انطلقت رحلتنا الاستكشافية نحو محافظة باو الغنية بجمالها الطبيعي الأخاذ، حيث تتشح السهول بحلل سندسية خضراء تسر الناظرين، وتتدفق فيها الخيرات الواعدة والموارد الوفيرة التي تبشر بموسم زراعي استثنائي. وفور وصولنا إلى معسكر “الكرامة 5″، المخصص لاستقبال العائدين من دولتي جنوب السودان وإثيوبيا، استقبل الوفد الإعلامي أهالي المنطقة بالرقص والتراث الشعبي العفوي وسط هتافات الفرح، في مشهد يعكس بهجة العودة إلى أحضان الوطن الدافئة رغم مرارة النزوح التي امتدت منذ عام 2011م. وعلى الرغم من استتباب الأمن وتناغم الطبيعة مع حيوية الأهالي وهم ينتشرون في الحقول الفسيحة مع تباشير الأمطار الخيرية، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن مفارقة مؤلمة تتمثل في تحديات خدمية وبيئية بالغة التعقيد؛ حيث تعاني معسكرات الكرامة من غياب شبه تام للمياه النقية، والكهرباء، والرعاية الصحية، وانقطاع الطلاب عن الدراسة، إضافة إلى تهالك المساكن المحلية التي تحاصرها مياه الأمطار والبرك، مما يناشد ضرورة تقديم دعم حقيقي يتجاوز الإعانات التقليدية لصالح إعادة الإعمار.

 

“لا نريد إعانات.. نريد دعم حقيقي لإعادة الإعمار”

 

طالب رئيس معسكرات العائدين من دولتي جنوب السودان وإثيوبيا بإقليم النيل الأزرق، فيصل الشيب برج، المنظمات الدولية بإدراج معسكرات “الكرامة” ضمن برامجها، مؤكداً أن العائدين لا يرغبون في تلقي إعانات استهلاكية، بل يتطلعون إلى دعم حقيقي لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات.

وقال برج، خلال اللقاء التنويري لمحافظ محافظة باو عبد الغني دقيس خليفة مع الوفد الإعلامي الزائر لمعسكرات الكرامة:

“نحن كنا قاعدين بجنوب السودان وإثيوبيا، ووصلنا اليوم لحضن السودان. نحن ندعم الحكومة برئاسة رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد الماهر، القائد الإنساني. طهر لينا المناطق كلها وطهر لينا الشوارع. نحن جينا ووصلنا لإقليم النيل الأزرق بدون شوكة طعنتنا في الطريق، ونحن بنشكره”.

وتقدم بالشكر لنائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول دكتور مالك عقار إير على الجهود المبذولة لعودة النازحين، واصفاً المحافظة بأنها من أكثر المناطق تضرراً من الحرب. وأضاف: “مناطق محافظة باو لا يوجد فيها مياه، ولا صحة، ولا طرق، ولا تعليم. صفر خدمات ودمار تام”.

وأشار برج إلى أن أبرز المعوقات التي تؤخر العودة الطوعية تتمثل في غياب المياه، والصحة، والآليات الزراعية، والتقاوي، واختتم قائلاً: “نحن كأهلكم في محافظة باو ما دايرين نشيل إعانة من المنظمات. نحن في 2027 دايرين منظمة الأمم المتحدة تشوف قضايا النازحين الجايين من جنوب السودان ومن إثيوبيا”.

تدفقات العائدين وتضحيات القوات المسلحة

 

كشف محافظ محافظة باو بإقليم النيل الأزرق، عبد الغني دقيس خليفة، عن وصول 180 ألف عائد من دول جنوب السودان وإثيوبيا وتشاد إلى المحافظة، مؤكداً أن 100 ألف منهم يقيمون حالياً في 6 معسكرات للكرامة، فيما عاد 80 ألفاً إلى 55 قرية للعودة الطوعية تمت تهيئتها مؤخراً. وقال دقيس خلال اللقاء التنويري مع الوفد الإعلامي:“هذه المحافظة من أكثر المحافظات التي تضررت بالحرب. كل الحروب التي مرت في السودان مرت في محافظة باو. آخرها حرب الجنجويد”.

المقومات الاقتصادية وجذور المعاناة

 

وأوضح المحافظ أن المنطقة تُعد محوراً أمنياً مستقراً وتضم ثلاث وحدات إدارية تتمتع بمقومات اقتصادية واسعة، تشمل مساحات زراعية شاسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وقطاع تعدين كان يضم 52 شركة عاملة قبل أن تتوقف بالكامل جراء النزاعات. مشيراً إلى أن تضرر المحافظة امتد جذرياً منذ عام 2011 بتدمير البنية التحتية وتهجير القرى، حيث أضاف: “كل الممارسات الكعبة بتاعت الحرب تمت هنا في محافظة باو. قتل وتشريد واغتصاب. يمكن أكثر من 300 طفل ديل قتلوا”.

 

موقف الحكومة وخذلان شركاء السلام

 

وانتقد دقيس غياب دور شركاء السلام والمنظمات الدولية في ترحيل ودعم العائدين بعد اتفاق جوبا، مبيناً أن اندلاع حرب 15 أبريل عطل الجهود الرامية لإسنادهم، إلا أن الحكومة واصلت نقلهم من النيل الأبيض إلى النيل الأزرق عبر مفوضية العون الإنساني وبعض الجهات، وتابع مؤكداً: “برغم المعاركة الكبيرة، الحكومة ما نِسَت الناس ديل”، لافتاً إلى انخراط شباب المنطقة في صفوف القوات المسلحة واستشهاد عدد منهم في الخطوط الأمامية تحت شعار “جيش واحد شعب واحد”.

 

خطط الإعمار والخدمات الملحة

استعرض أوضاع المعسكرات الخدمية، مبيناً توفر بعض الخدمات الصحية والإعانات الشهرية، لكنه استدرك بأن المعينات الحالية غير كافية لمجابهة الأعداد الكبيرة. وكشف عن خطط حكومية شملت إعادة ترتيب المعسكرات الستة وتأهيل 55 تجمعاً سكنياً للعودة الطوعية جرى فتح الطرق الرابطة فيها بالردمية لتصبح صالحة للسكن والزراعة والرعي. وفي ختام حديثه، شدد المحافظ على الحاجة الملحة لإسناد عاجل في قطاعات المياه والتعليم والكهرباء، موضحاً أن 200 من أصل 350 مضخة يدوية خرجت عن الخدمة بعد دفنها وقت العمليات العسكرية، إلى جانب تدمير نحو 100 مدرسة أساسية أُعيد افتتاح 60 منها بدعم جزئي من المسؤولية المجتمعية للذهب، داعياً إلى إنشاء سدود وتمديد خطوط المياه من النيل الأزرق ودعم مشاريع الكهرباء وقرى الإنتاج النموذجية، ومختتماً بالقول: “نحنا تعبانين عديل كده. دايرين ناس يسندونا يقفوا معانا وقفة كبيرة لحد ما نقف على كرعينا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى