الصحفي بين القانون والاتهام…  

بقلم/ إسماعيل شريف

في الإجراءات الجنائية، لا يُعد إعلان شخص “متهمًا هاربًا” مجرد خطوة إدارية، بل هو من آخر المراحل التي يلجأ إليها القانون بعد استنفاد وسائل إعلان التكليف بالحضور، وتعذر الوصول إلى المتهم أو امتناعه عن المثول أمام العدالة. ولذلك فإن لهذا الإجراء آثارًا قانونية واجتماعية ونفسية بالغة، تمتد إلى سمعة الشخص، وأسرته، ومستقبله المهني، وقد تنعكس كذلك على معاملاته الرسمية، بما في ذلك ما يرتبط بحسن السير والسلوك وغيرها من الآثار التي قد تترتب وفق القوانين والإجراءات النافذة.

 

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو لماذا أصبح هذا الإجراء يُستخدم في مواجهة عدد من الصحفيين؟ وهل الهدف هو مجرد استكمال الإجراءات القانونية، أم أن هناك رسائل سياسية ومهنية تتجاوز حدود الملف الجنائي؟

 

من حيث المبدأ، لا يوجد مواطن فوق القانون، والصحفي ليس استثناءً. لكن في المقابل، فإن طبيعة العمل الصحفي تستوجب مراعاة الضمانات التي كفلها الدستور والقوانين المنظمة للمهنة، لأن ما يكتبه الصحفي يدخل في نطاق ممارسة حق أصيل هو حرية التعبير والنشر، ما لم يشكل فعلاً مجرمًا بنص القانون.

 

واللافت أن هذه الإجراءات تأتي في وقت تغيرت فيه بيئة النشر بصورة جذرية. فالحرب عطلت معظم الصحف الورقية، وانتقل الإنتاج الصحفي إلى المنصات الإلكترونية ومواقع الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، استجابةً للتطور التقني ولتغير سلوك القراء. والمفارقة أن إعلانات اعتبار بعض الصحفيين “متهمين هاربين” لم تُنشر في الصحف الورقية كما كان مألوفًا، وإنما عبر الوسائط الإلكترونية، وهو اعتراف عملي بأن الفضاء الرقمي أصبح وسيط النشر الرئيسي.

 

ومن هنا يبرز تساؤل قانوني مهم هل تتغير الحماية القانونية للصحفي بمجرد انتقاله من الورق إلى الشاشة؟ أم أن الحماية ترتبط بصفة العمل الصحفي نفسه، لا بالوسيط الذي نُشر من خلاله؟ فإذا كان المحتوى صحفيًا، وأنتجه صحفي في إطار ممارسة مهنته، فإن الأصل أن تظل الضمانات التي قررها قانون الصحافة قائمة، بصرف النظر عن وسيلة النشر، وهو نقاش يزداد أهمية في ظل التحول الرقمي الذي فرضته الحرب والتطور التكنولوجي.

 

أما من الناحية النفسية والاجتماعية، فإن إعلان الصحفي بوصفه “متهمًا هاربًا” قبل استدعائه للتحقيق، واستنفاد وسائل إعلانه بالطرق القانونية المعتادة، يترك آثارًا عميقة لا تقتصر عليه وحده، بل تمتد إلى أسرته وزملائه ومحيطه المهني، وقد تخلق مناخًا من الخوف والرقابة الذاتية ينعكس سلبًا على حرية العمل الصحفي وحق المجتمع في الحصول على المعلومات.

 

وفي المقابل، فإن التصعيد القانوني يعيد التأكيد على أهمية الدور الذي تضطلع به الأجسام المهنية في حماية الصحفيين، وفي مقدمتها الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، عبر تقديم الدعم القانوني، والتواصل مع الجهات المختصة، والسعي إلى معالجة القضايا التي تمس حرية العمل الصحفي في إطار احترام القانون.

 

وقد شهدت الساحة السودانية تدخلات قادها الاتحاد العام للصحفيين السودانيين أسهمت في معالجة أوضاع عدد من الصحفيين، من بينها الجهود التي أفضت بعد التدخل في قضية الصحفي عبد الماجد عبد الحميد عبر التواصل مع الجهات المعنية وإصدار البيانات اللازمة، إلى جانب تدخلات أخرى هدفت إلى حماية الصحفيين والدفاع عن حقوقهم المهنية. وتؤكد هذه التجارب أن العمل النقابي والمؤسسي يظل أحد أهم وسائل معالجة الأزمات وبناء جسور التواصل بين الصحفيين ومؤسسات الدولة.

 

وتفتح هذه التطورات كذلك الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل التشريعات المنظمة للعمل الصحفي في السودان، ومدى مواكبتها للتحول الكبير الذي شهدته وسائل النشر، إذ لم تعد الصحافة الورقية هي المنصة الوحيدة، بل أصبحت الصحافة الإلكترونية والإعلام الرقمي يمثلان الواقع الجديد الذي ينبغي أن تستوعبه القوانين، مع الحفاظ على المبدأ الأساسي، وهو أن الحماية القانونية ترتبط بالعمل الصحفي ذاته، لا بالوسيط الذي نُشر من خلاله.

 

إن حماية الدولة وسيادة القانون، وحماية حرية الصحافة، ليست أهدافًا متعارضة، بل متكاملة. فالدولة القوية هي التي تطبق القانون بعدالة، والصحافة المهنية هي التي تمارس دورها بمسؤولية. وبينهما تبقى العدالة هي الضامن الحقيقي لحقوق الجميع، دون إفراط في استخدام الإجراءات، ودون تفريط في حق المجتمع في إعلام حر ومسؤول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى