المرصد السوداني للحريات.. ضرورة أم رفاهية في زمن الحرب؟

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ولم تكن حالة الحرب التي يعيشها السودان حاليًا هي الحالة المستجدة على السودان، وكان لها التأثير على الصحة العامة للحريات بكافة أنواعها في الفضاء العام السوداني، المتعلق بحرية الرأي والتعبير، أو حرية الإعلام، والحريات السياسية، فتلك أحوال تعود عليها السودانيون لثلاثة عقود انصرمت، وصلت فيها، على سبيل المثال، الحريات الصحفية إلى حضيض “الرقابة القبلية”، وصارت الأجهزة الأمنية، وضمن دوامها اليومي، ترسل “نبطشية” من قوتها إلى صالات تحرير الصحف ليقرر الضابط المسؤول ما هي المادة الصحفية المسموح بأن يقرأها المواطن السوداني في الصحف الصادرة في الخرطوم، وكانت عبارة “يحتجب لظروف فنية” عنوانًا تقرؤه العين الفاحصة لحالة الحريات الصحفية في السودان.
“عبقرية” القمع للحريات لم تتوقف عند ذلك الحد، بل وصلت الحرب “الممنهجة” والمدروسة ضد الحريات الصحفية إلى حدود شن الحرب المباشرة بانتظار صدور الصحيفة من المطابع طازجة ثم مصادرتها، لتضرب اقتصاديات الصحافة وتجعلها مضطرة للانسحاب تدريجيًا من السوق، وهذا هو الحال تمامًا في الأيام الأخيرة التي عرفت فيها الخرطوم، العاصمة، صدور الصحف الورقية، والتي استُخدمت في الحرب عليها أدوات كثيرة كانت نتاج تطور العقل “القمعي”، منها “سلطة الإعلان” الحكومي، أو التوجيهات الصارمة للقطاع الخاص باحتكار الإعلان، لتصبح مساحات الحريات أضيق ما يكون.
(*) الطوارئ والحريات.. متلازمة القمع
ولو أن هنالك مرصدًا سودانيًا للحريات، لكان الأساس الذي يبدأ به بناء القراءات الأولية لطقس الحريات في السودان هو رصد قرارات وأحكام “الطوارئ” التي عرفتها الحالة السودانية العامة في العقد المنصرم، وحالة الطوارئ، في التعريف الابتدائي لها، هي أنها عبارة عن أحكام استثنائية تتيح للسلطة تعليق مواد القانون، وتفعيل ما تراه حسب تقديراتها لفرض هيبة الدولة والسيطرة على الفضاء والرأي العام.
فمتى ما وُجدت حالة “الطوارئ”، فإن ذلك يعني، بالمقابل مباشرة، تقليص مساحات الحريات العامة، وأن كل شيء يصبح محكومًا بتقديرات لا تعطي مسألة الحريات الأولوية، فما بالك بأحوال “الحرب”، والتي تعلن فيها الطوارئ مع انطلاق أول رصاصة من فوهة البندقية، لتصبح هي “الدستور” والقانون الحاكم والقاضي والجلاد، إذ لا تسود أحكام في المجتمع بغير الأحكام التي تريدها، وبالضرورة، في حالة الحرب، فإن حالة الطوارئ تعلن عن نفسها.
الحرب هي المركب الذي يضاف إلى كيمياء الفضاء العام ويعمل على تغييرها بالكامل، وبالتالي يعاد تعريف الكثير من المفاهيم التي تحكم مجتمع الحرب، وتختل فيها معايير “الاستقلالية” والشفافية، ويعاد تعريف “الأمن القومي” ومهدداته، وبالضرورة يأخذ هذا التعريف حصته، ويزيد عليها من حصة الحريات المسموح بها في الفضاء العام، أو حتى على مستوى الصحافة والإعلام.
ضجت الصحف والوسائط الأسبوع المنصرم بسبب “حزمة” استدعاءات شملت صحفيين وناشطين ظهرت أسماؤهم بتقديم صفة “المتهم الهارب”، الذي يخفي نفسه للحيلولة دون الوصول إليه بحسب البلاغات المنشورة، والبداهة في كتاب “الحقوق” هي الوقوف والاصطفاف إلى الجانب الذي يرفض الإجراءات القمعية ضد الصحفيين وتضييق مساحات الحريات، والتي، على ما يبدو، أن فيها “التباسًا” وخلطًا في التعريف المفاهيمي، لأن أصحاب الغرض في هذا لديهم تفسير كسول لهذا الاصطفاف “الفطري” إلى جانب الحريات، بأن فيه دعوة لمنح الصحافة والصحفيين الحريات المطلقة في تجاوز خطوط الكنتور التي رسمها القانون وحصن بها حقوق الآخرين.
في بلد لم يسكت فيه الرصاص منذ أربعة أعوام، فإن غرف الاهتمام مشغولة بأرقام ضحايا الحرب من القتلى والمخفيين قسرًا، وبإحصاءات النازحين في المعسكرات واللاجئين الذين دفعت بهم أحوال الحرب خارج الحدود، وبالضرورة لن تجد الأرقام التي تتحدث عن حالة “الحريات” العامة والصحفية في سودان ما بعد الحرب.
أحوال الحرب، وبطريقة أوتوماتيكية، أعفت يد القمع من تحمل نفقات تضييق مساحات الحريات، فالرصاص أسكت الصحافة، وأوقف المطابع، وشرد الصحفيين، وبطريقة أو بأخرى فإن ما حدث بسبب الحرب كان هو الهدف العام من وراء كل الإجراءات القمعية التي تطرقنا إليها من تضييق وبلاغات وإغلاق واستدعاءات وإجراءات تعسفية لم ينجُ منها أحد.
على أيام اتفاقية السلام الشامل “نيفاشا”، وكجزء من حالة “الانفراج” النسبية التي سادت وقتذاك، شهد الفضاء المدني توسعًا في نشوء المنظمات والمراكز ذات الاهتمام بقضايا الحريات العامة والصحفية، وساعدت تلك الأجواء على استعادة جزء من النص المفقود في رسالة الحريات في السودان، إلا أن “الانتكاسات” في السياسة العامة وأحوال البلد أعادت أجواء الصراع اليومي لاسترداد الحريات.
البعض من ذوي الوعي المحدود لديهم اعتقاد، هو في أصله داعم لكل الإجراءات القمعية التي من شأنها القضاء على الحريات المطلوبة في السودان، وهذا الاعتقاد بالأساس قائم على فكرة أن كلما زادت مساحات الحريات، كلما زادت مساحات الفوضى، ويعمل هذا الاعتقاد على ترسيخ هذا المفهوم عن الحريات، بل ويطالب بالتعامل مع من ينادون بها تعامل “العدو” الذي كفر بمسلمات الأمن الوطني.
(*) الحريات في ظل اهتزاز القواعد الدستورية
وعلى الرغم من الغبار الكثيف الذي لازم بناء “الوثيقة الدستورية” على أيام الانتقال الديمقراطي، ولم يُعرف حتى الآن سر الحديث عن أكثر من وثيقة واحدة تشكل المرجعية الأصيلة للحقوق في بلد مثل السودان، فإن باب “الحريات” فيها، والمواد التي شملتها الوثيقة، لم يمنحها المشرع آنذاك الوقت الكافي لإعادة ضبط مصنع الحريات وفقًا لما هو مطلوب، وما هو متناسب مع حجم النضالات التي تم خوضها لأجل إعادة ترسيم خطوط العرض والطول للحريات في السودان.
الوثيقة الدستورية نفسها الآن حالها يغني عن السؤال، وما تبقى منها تسود عليه أحكام ونصوص الاتفاقات السياسية، ويعلو عليها الجزء الآخر الذي تتكفل به أحكام الطوارئ والأحكام التقديرية للسلطة التنفيذية، وبالضرورة يصبح الحديث هنا عن المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة نفسها من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، نوعًا من الترف.
لا شك في أن جزءًا من أدوات تطور النص القانوني هو التطبيق العملي والممارسة، والتي عن طريقها يمكن بسهولة اكتشاف إلى أي مدى يساهم النص في الاقتراب من حالة “العدالة” في المجتمع، في مقابل قدرته على الحد من الجريمة والمساس بالحقوق. وبما أن الفضاء الرقمي بكل مفرداته هو الإضافة الجديدة والمؤثرة في ما ذكرناه، كان من الطبيعي أن يساير النص القانوني التطورات الجديدة على مستوى نمط الجريمة وطبيعة الأدوات المستخدمة فيها، ولكن ليس إلى درجة أن يصبح النص في نفسه أداة لانتهاك حقوق أقرتها التجربة الإنسانية وأعطتها الحصانة اللازمة، وأنه لا سبيل أمام “شرعنة” القمع والتضييق بنصوص مثل تلك الواردة في قانون المعلوماتية، الذي أُعد بذات العجلة التي كُتبت بها الوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي، والذي أودى بكل شيء إلى وادٍ سحيق.
الآن، وفي ظل الحرب المشتعلة، نعتقد بأن الفضاء العام السوداني في أمسّ الحاجة إلى “مرصد” للحريات، مستقل، ويعمل بمعزل عن تأثيرات السلطة التنفيذية، ليست من مهامه فقط رصد وتوثيق الانتهاكات، وتلك الانتهاكات اليومية التي تحتمي بحالة الحرب العامة، بل يضطلع بمهام تتناسب مع الأحوال العامة التي وصلت إليها الحريات في السودان، ابتداءً من الوعي بقضايا الحريات وتأثيراتها على تماسك المجتمع السوداني، وبناء الدولة ومؤسساتها، وسيادة أحكام القانون، والسعي لتأسيس دستوري متماسك لوثيقة الحقوق والحريات.
مسؤوليات هذا المرصد، كجسم حقوقي، ليست الفكرة منها بالأساس إيجاد مركز معارضة جديد للسلطة، بقدر ما أن الاستفادة الحقيقية من وجود مرصد للحريات في السودان تتعدى ذلك كثيرًا إلى أنه، وكجزء من مشروعات البناء والإعمار، تتطلب أجسامًا مهتمة بقضايا الحريات، وبناء وثيقة الحقوق والحريات بما يضمن تماسك المجتمع الذي فككته الحرب.



