(العودة) تحيي ذكريات الأمكنة.. (السوق الأفرنجي).. الحياة تنتصر على الركام في قلب الخرطوم

في شارع الجمهورية أعاد التجار ترتيب محالهم وفرش بضائعهم
تكفل التجار بالنظافة وإزالة الأنقاض وإعادة تهيئة المحال من مواردهم الخاصة
الخرطوم– هيام المغربي

شكّلت الحرب التي شهدتها الخرطوم.. واحدة من أعنف المحطات في تاريخ المدينة، إذ لم تقتصر آثارها على الدمار الذي طال المباني والبنية التحتية، بل امتدت إلى شلّ الحركة الاقتصادية.. وإغلاق الأسواق التي ظلت لعقود تمثل شرياناً رئيسياً للتجارة والحياة اليومية.
وكان السوق الأفرنجي، أحد أعرق الأسواق التجارية في قلب العاصمة الخرطوم، من بين أكثر المناطق تأثراً، بعدما تعرضت محاله ومرافقه لأضرار واسعة أجبرت التجار على مغادرته وتوقفت معه حركة البيع والشراء. إلا أن الأشهر الأخيرة حملت مؤشرات على بدء التعافي، مع عودة عدد من التجار إلى السوق بجهود ذاتية، في محاولة لإحياء النشاط التجاري واستعادة المكانة التاريخية لهذا المعلم الاقتصادي.

الولاية تجاهلت المنطقة
من الملاحظات التي رصدها الكثيرون خلال تجوالهم في منطقة وسط الخرطوم من غربها إلى شرقها، أن حكومة ولاية الخرطوم تجاهلت هذه المنطقة من حيث استعادة الخدمات على الرغم من الوالي احمد عثمان حمزة كان من اوائل المسؤولين الذين أدوا صلاة الجمعة في المسجد الكبير في الأيام الأولى للتحرير، حيث شكلت عملية تحرير وسط الخرطوم عملية مستحيلة دفع فيها السوق ثمنا غاليا تمثل في الدمار الشامل إلا أن بعض الأماكن مازالت تحتفظ ببريقها مما دفع الحكومة إلى إعادة تأهيل الطرق بامتدادات ممتازة أن تساعد على تسريع وتيرة التعمير.

بداية التعافي
في شارع الجمهورية، أحد أشهر شوارع الخرطوم، بدأت الحركة التجارية تعود تدريجياً إلى سوق الأفرنجي، حيث أعاد التجار ترتيب محالهم وفرش بضائعهم، بينما بدأ المتسوقون في التوافد مجدداً إلى السوق، في مشهد يعكس إصرار أصحاب الأعمال على استعادة النشاط الاقتصادي رغم آثار الحرب التي لا تزال بادية على المباني والمرافق.
مبادرات ذاتية تعيد فتح السوق
ولم ينتظر التجار اكتمال عمليات إعادة الإعمار، بل بادروا إلى إزالة الأنقاض وتنظيف الشوارع والمحال بتمويل ذاتي، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة أولية مكّنت عشرات المحال من استئناف نشاطها، في خطوة تعكس روح التضامن بين أبناء السوق وإيمانهم بأهمية إعادة الحياة إلى أحد أبرز المراكز التجارية في العاصمة.

إصرار على استعادة المكانة التاريخية
وقال التاجر طارق عبدالله لـ«العودة» إن السوق الأفرنجي ظل لعقود أحد أبرز الأسواق العريقة في الخرطوم، واشتهر بتوفير البضائع الأصلية ذات الجودة العالية، مشيراً إلى أن أكثر من 45 محلاً عادت إلى العمل بعد جهود مشتركة بذلها التجار وشباب السوق.
وأوضح أن العودة لم تكن سهلة، إذ تكفل التجار بتمويل أعمال النظافة وإزالة الأنقاض وإعادة تهيئة المحال من مواردهم الخاصة، مؤكداً أن ما تحقق يمثل خطوة أولى نحو استعادة السوق لمكانته التجارية التي عرف بها قبل الحرب.
وأضاف أن المبادرة جاءت نتيجة تعاون واسع بين التجار وأبناء السوق، الذين شاركوا ميدانياً في إزالة آثار الدمار، معرباً عن أمله في أن يستعيد السوق نشاطه بالكامل خلال الفترة المقبلة.
الكهرباء.. التحدي الأكبر
من جانبه، قال التاجر وهيب زايد إن مسؤولية إعادة إعمار السوق تقع أولاً على عاتق أبنائه، مؤكداً أن التجار ماضون في جهودهم لإعادة تنشيط الحركة التجارية، رغم استمرار عدد من التحديات، وفي مقدمتها انقطاع الكهرباء والمياه.
وأشار إلى أن غياب التيار الكهربائي يجبر أصحاب المحال على إغلاق متاجرهم في ساعات مبكرة، الأمر الذي يحد من ساعات العمل ويؤثر بصورة مباشرة على حركة البيع والشراء.

من محلين إلى نحو خمسين محلاً
أما التاجر قاسم كويتي فأوضح أن المبادرة بدأت بعدد محدود من المحال، قبل أن يرتفع عددها تدريجياً إلى نحو 50 محلاً، بعد الانتهاء من أعمال النظافة وإزالة مخلفات الحرب.
وأضاف أن التجار يطمحون إلى إعادة النشاط التجاري إلى المناطق المجاورة، بما يعيد للسوق امتداده المعروف قبل الحرب، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية أصبحت أكثر استقراراً، وأن حركة المتسوقين تشهد تحسناً تدريجياً، فيما تبقى الكهرباء التحدي الأكبر أمام اكتمال التعافي.

دعم مجتمعي وجهود مشتركة
بدوره، أكد التاجر أيوب أن عودة السوق جاءت ثمرة مبادرة جماعية شارك فيها أبناء السوق داخل السودان وخارجه، عبر تقديم الدعم المالي والمعنوي للمساهمة في إعادة تشغيله.
وأشار إلى أن الحاجة ما تزال قائمة لاستكمال صيانة المباني والمحلات المتضررة، داعياً الحكومة ومالكي العقارات إلى الإسراع في تنفيذ أعمال التأهيل، حتى يتمكن السوق من استعادة نشاطه بصورة كاملة.
وأوضح أن المحلية أسهمت في توفير الآليات المستخدمة في إزالة الأنقاض، بينما تكفل التجار بتوفير الوقود، في إطار تعاون مجتمعي أسهم في إعادة فتح السوق.

السوق يستعيد ذاكرة الخرطوم
وتعكس عودة (السوق الأفرنجي) أكثر من مجرد استئناف للنشاط التجاري، فهي تمثل مؤشراً على بدء تعافي الخرطوم واستعادة أحد أبرز معالمها الاقتصادية والتاريخية. وبين المباني التي لا تزال تحمل آثار الحرب والمحال التي استعادت أبوابها، يواصل التجار كتابة فصل جديد من الصمود، مؤمنين بأن إعادة بناء الأسواق تمثل خطوة أساسية في إعادة بناء المدينة نفسها.




