الاقتصاد يتعافى إذا..

عين الكلمة

بقلم/ صلاح الريح يوسف

إذا توفر الأمن، وتوفرت الإرادة، وعاد المزارع إلى حقله، وعاد التاجر إلى سوقه. عندها فقط يمكن الحديث عن تعافٍ حقيقي للاقتصاد السوداني.

 

ومع التقدم الميداني الذي تحرزه القوات المسلحة في محوري كردفان والنيل الأزرق وأجزاء واسعة من جنوب كردفان، ومع إغلاق المعابر التي كانت تُستخدم لإدخال السلاح إلى المليشيا، بدأت تتشكل بوادر مرحلة جديدة يمكن أن تعيد للاقتصاد عافيته المفقودة.

 

السودان بلد غني بموارده، يمتلك من الأرض الصالحة للزراعة ما يقارب ال 200 مليون فدان، لم يُستغل منها حتى اليوم سوى 45 مليون فدان فقط. وهذا يعني أن أمامنا فرصة لمضاعفة الإنتاج أربع مرات إذا توفر الوقود والتمويل والاستقرار. وإلى جانب الأرض، نمتلك ثروة حيوانية تتجاوز 105 مليون رأس، وذهباً ومعادن أخرى، وصمغاً عربياً نسيطر على 80% من الإنتاج العالمي، فضلاً عن القطن والسمسم وحب البطيخ والكركدي والفول السوداني .

 

لقد خلفت الحرب دماراً واسعاً في البنية التحتية، وعطلت الموسم الزراعي في مناطق الإنتاج، وأغلقت الأسواق، ورفعت كلفة الترحيل والتأمين، وفتحت أبواب التهريب، وأوجدت سوقاً موازياً للدولار طغى على السوق الرسمي. فكان طبيعياً أن ينكمش الناتج القومي، وتتراجع الصادرات، وترتفع فاتورة الواردات.

 

لكن مع تطهير الجيش لشمال كردفان سلة الصمغ والثروة الحيوانية، وتأمين النيل الأزرق كمنطقة زراعية وحدودية، وعودة الطريق الغربي “أم درمان – بارا”، بدأت ملامح الانفراج تظهر. فعودة المزارعين إلى قراهم تعني عودة الموسم الزراعي وتشغيل ملايين الأيدي العاملة. وتأمين الطرق يعني انخفاض كلفة النقل وعودة حركة الصادر والوارد إلى طبيعتها. وكردفان وحدها قادرة على رفع إنتاج الصمغ والسمسم والماشية بنسبة تتجاوز 40% خلال موسم واحد إذا استقر الوضع الأمني.

 

وفي جانب النقد الأجنبي ، يتحرك الدولار اليوم في السوق الموازي وفق العرض والطلب الحقيقي، وكلما زاد الصادر قل الضغط عليه. وهنا يبرز دور الذهب الذي يشكل أكثر من 40% من إجمالي الصادرات، ويمكن للدولة إذا أحكمت قبضتها على التعدين والتصدير أن تدخل الخزينة ما يفوق 3 مليار دولار سنوياً. كما أن الصمغ العربي يمنحنا ميزة احتكارية في السوق العالمي، والمنتجات الزراعية كالسمسم والفول والكركدي قادرة على توفير سيولة دولارية سريعة خلال ستة أشهر فقط. أما الميزان التجاري فهو اليوم يميل لصالح الواردات بسبب توقف الإنتاج، ولكن مع عودة نصف المساحات الزراعية يمكننا خلال عامين أن نحقق فائضاً تجارياً يسند الجنيه ويقلل الاعتماد على الاستيراد.

 

ولا يمكن الحديث عن اقتصاد مستدام دون التوقف عند مياه النيل. فالسودان يملك بموجب اتفاقية 1959 حصة تبلغ 18.5 مليار متر مكعب سنوياً، لكنه لا يستفيد فعلياً إلا من 12 إلى 13 مليار متر مكعب. أي أن 5 إلى 6 مليار متر مكعب تضيع كل عام وتمر عبر أراضينا إلى دول المصب دون أن نستثمرها. والسبب يعود إلى تهالك قنوات الري ونقص السدود التخزينية وتوقف المشاريع بسبب الحرب. وهذه الكمية الضائعة وحدها كفيلة بري مليوني فدان إضافي وتوليد ألف ميقاواط من الكهرباء وإضافة 3 مليار دولار للصادرات سنوياً. ومع استقرار الأوضاع في النيل الأزرق بعد تطهير الكرمك، صارت الفرصة مواتية لإعادة تأهيل مشروعات الري وقيام مشروعات جديدة، فمن غير المقبول أن نكون دولة زراعية ولا نستخدم كامل حصتنا من أطول نهر في العالم.

 

الاقتصاد يتعافى إذا آمنا بأن المعركة القادمة ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة إنتاج. معركة تبدأ من الحقل وتنتهي في المصنع والسوق. فمن يملك الغذاء والذهب والصمغ والماء، هو وحده الذي يملك قراره ويصنع مستقبله.

 

وللمداد بقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى