السودان ومصر.. الجوار أكبر من الجغرافيا..

ما وراء الخبر : علم الدين عمر


تصريحات ضياء رشوان أعادت تأكيد المؤكد..


السودان ومصر.. الجوار أكبر من الجغرافيا..


وزير الدولة للإعلام المصري:


 السودان ليس مجرد جار


 مصر ترى الدولة السودانية جزءاً من استقرارها.. التكامل الاقتصادي هو الطريق الأوسع


 الدبلوماسية الرسمية والشعبية تصنعان عمق العلاقة


حين يقول ضياء رشوان إن السودان بالنسبة لمصر «ليس مجرد دولة جارة ولا دولة يمر منها النيل»، وإن الدولة المصرية تتعامل مع الملف السوداني «بكل الحسم والرفق معاً»..فإن الأهم في حديثه ليس تأكيد المؤكد بل ما ورائه ..ما وراء الخبر..

ذلك أن السودان في التصور المصري ليس ملفاً خارجياً بالمعنى التقليدي.. ولا قضية حدود..ولا مجرد امتداد جغرافي لدولة مجاورة..إنه مساحة متداخلة من التاريخ والجغرافيا والأمن والمجتمع والإقتصاد والمياه والمصالح..وربما لهذا ظلت العلاقة بين القاهرة والخرطوم عصية على أن تختصر في معادلة سياسية واحدة..مستقرة كانت أو متوترة..

حديث الوزير رشوان جاء في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للسودان والمنطقة.. ليعيد التذكير بأن القاهرة تنظر إلى السودان كواحد من أهم ملفات أمنها القومي..سياسياً واجتماعياً..وهي رؤية تتسق مع مواقف رسمية مصرية متكررة خلال الأزمة والحرب..فقد أكدت القاهرة في يونيو ويوليو 2026 دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية ورفض إنشاء كيانات موازية..كما أعلنت استعدادها للمساهمة في إعادة الإعمار بعد استعادة الأمن والاستقرار..

 

الدولة قبل أي شيء..

 

ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في قراءة الموقف المصري..

فالدعم المصري المعلن خلال الحرب لم يتجه إلى التعامل مع السودان كمساحة سياسية متوترة قابلة لإعادة التشكيل.. وإنما ركز بصورة متكررة على وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية وسلامة أراضيها..

وهذه ليست مجرد مواقف دبلوماسية روتينية كما تبدو ففي لقاءات مصرية سودانية متعددة جرى التأكيد على رفض أي محاولات لتقسيم السودان أو الإضرار بمؤسساته الوطنية..وعلى ضرورة أن يكون الحل السياسي سودانياً..بما يحفظ سيادة البلاد ويعيد الإستقرار إليها.. في فبراير 2026 أكد بيان مصري سوداني مشترك عقب لقاء رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ورئيس الوزراء السوداني كامل إدريس عمق العلاقات وضرورة تعزيز التنسيق والتعاون بما يخدم الأمن والاستقرار والتنمية..

وفي ذلك ما يستحق التوقف..

فالسودان الذي خرج من حرب قاسية يحتاج لما هو أكثر من وقف إطلاق النار أو التسوية السياسية.. يحتاج إلى إعادة بناء مركز الدولة.. وإعادة تشغيل مؤسساتها.. واستعادة الإقتصاد والخدمات والبنية التحتية..ثم فتح الطريق أمام عقد سياسي وإجتماعي جديد..

وبذلك يمكن أن يصبح الموقف المصري من مؤسسات الدولة السودانية أحد مفاتيح المرحلة المقبلة..لأنه ليس تدخلاً في الشأن السوداني..إنما باعتبار أن استقرار السودان نفسه جزء من معادلة الإستقرار الإقليمي المتفق عليها بين البلدين..

 

الحسم والرفق.. معادلة الجغرافيا والتاريخ..

 

عبارة «الحسم والرفق» التي استخدمها رشوان ربما تختصر كثيراً من خصوصية العلاقة..

الحسم تفرضه حسابات الدولة والأمن القومي والحدود والمياه والإستقرار الإقليمي..

أما الرفق فتفرضه علاقة شعبين تداخلت بينهما الأسر والمصاهرة والهجرة والتجارة والتعليم والثقافة والحركة اليومية عبر الحدود..

لذلك فإن العلاقة المصرية السودانية ليست علاقة حكومتين فقط..

هي أيضاً علاقة قرى ومدن وأسواق وعائلات ومؤسسات دينية وثقافية وإعلامية وجامعات ومهنيين.. تمتد من وادي النيل إلى جنوب الصعيد ومن الخرطوم إلى القاهرة..

ولعل شهادة رشوان الشخصية عن أصول سودانية في جزء من عائلته ليست هي المهمة في ذاتها..بقدر ما تكشف من حقائق إجتماعية أوسع.. أن الحدود السياسية الحديثة لم تستطع إلغاء شبكة العلاقات الإنسانية القديمة بين البلدين..

 

ملايين السودانيين.. اختبار اجتماعي استثنائي..

 

الحرب صنعت طبقة جديدة من العلاقة بين الشعبين..

فمصر لم تستقبل فقط دبلوماسيين أو طلاباً أو تجاراً أو زواراً سودانيين.. وإنما أصبحت خلال الحرب إحدى أهم ساحات وجود السودانيين خارج بلادهم..

ووفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.. كان عدد السودانيين المسجلين لديها في مصر يبلغ نحو 851,947 سودانياً حتى 30 يونيو 2026..وهو رقم لا يمثل بالضرورة كل السودانيين الموجودين في مصر..هم فقط المسجلين لدى المفوضية..

تتجاوز المسألة حدود الإغاثة الإنسانية إلى سؤال أعمق..كيف يمكن تحويل هذا الوجود السوداني الكبير في مصر من تداعٍ للنزاعات إلى جسر جديد بين البلدين؟..

السوداني في مصر ليس مجرد لاجئ أو عابر..كما تحاول بعض الدوائر المشبوهة تصويره..

هو مستهلك وسوق وطالب وطبيب ومهندس وتاجر وصحفي وأستاذ جامعي ومستثمر.. وله علاقات أسرية ومهنية واجتماعية مع المصريين.. ولذلك فإن إدارة الوجود السوداني في مصر.. إنسانياً واقتصادياً واجتماعياً..ستكون جزءاً من مستقبل العلاقات الثنائية..

 

التكامل الاقتصادي.. من الشعار إلى الضرورة..

 

الحقيقة أن فكرة التكامل الإقتصادي بين مصر والسودان ليست جديدة..

ففي فبراير 1974 أطلق الرئيسان أنور السادات وجعفر نميري «منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي».. مستهدفاً تنسيق المواقف السياسية والعمل الإقتصادي المشترك واستثمار الموارد الزراعية والمائية وخلق فرص العمل..

لكن ما كان يُطرح آنذاك باعتباره مشروعاً إستراتيجياً..يبدو اليوم أقرب إلى ضرورة تاريخية..

السودان يمتلك الأرض والمياه والموارد الزراعية والثروة الحيوانية والمعادن والموقع الجغرافي..بينما تمتلك مصر قاعدة صناعية وخبرات فنية وسوقاً ضخمة وشبكات نقل ومؤسسات وشركات قادرة على العمل في مشروعات إعادة البناء..

والأهم أن طبيعة التجارة بين البلدين تحمل في أصلها قدراً من التكامل أكثر من التنافس.. فالسودان يملك منتجات ومواد أولية تحتاجها السوق المصرية.. بينما تحتاج السوق السودانية إلى منتجات صناعية وغذائية ودوائية ومواد بناء وخدمات وخبرات مصرية..

ما يمكن أن يولد العلاقة الإقتصادية الجديدة من رحم الضرورة..

ليس المطلوب فقط زيادة حجم التجارة..بل المطلوب بناء سلاسل إنتاج مشتركة في الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والدواء والنقل والطاقة والتعدين والخدمات..بحيث يصبح الإقتصاد جسراً دائماً بين الدولتين..

 

إعادة الإعمار.. المساحة الأوسع للشراكة..

 

القاهرة أعلنت صراحة استعدادها للمشاركة عبر الشركات المصرية في إعادة إعمار السودان بمجرد استعادة الأمن والسلام..كما تحدثت رسمياً عن التعاون في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والبنية التحتية..

وهذه نقطة شديدة الأهمية..

إعادة إعمار السودان ليست مجرد ملف شركات مقاولات..

إنها إعادة تشغيل دولة..

مدارس ومستشفيات ومحطات كهرباء ومياه وطرق وجسور ومطارات وموانئ واتصالات ومصانع ومؤسسات إنتاج..

ويمكن لمصر..بحكم القرب الجغرافي والخبرة الفنية وتداخل الأسواق أن تكون شريكاً رئيسياً في هذا المسار.. إذا جرى تنظيمه وفق أولويات سودانية واضحة وبمؤسسات سودانية قوية وشفافة..

فحوجة السودان تتجاوز إعادة إنتاج علاقة تقوم على المساعدات وحدها.. وتنفذ لشراكة إنتاجية تعيد بناء الإقتصاد وتخلق الوظائف وتفتح الأسواق..

 

النيل.. من ملف خلاف إلى مجتمع مصالح..

 

ثم يأتي النيل..ذلك الخيط الذي لا يمكن فصله عن العلاقة..

مصر والسودان دولتان متشاطئتان.. وقد طورتا خلال السنوات الأخيرة آليات تشاور متخصصة في المياه..بينها آلية «2+2» لوزراء الخارجية والري..

وفي سبتمبر 2025 أكدت الدولتان أهمية تأمين الأمن المائي والعمل المشترك للحفاظ على حقوقهما واستخداماتهما المائية..والتنسيق في المحافل الإقليمية والدولية..

لكن المسألة أوسع من الدفاع عن حصة مائية..

إنها في جوهرها بناء مجتمع مصالح حول النيل.. بحيث تتحول المياه من ملف أمني حساس إلى مجال للتعاون العلمي والفني والزراعي والبيئي.. مع الحفاظ بالطبع على حقوق ومصالح كل دولة وفق الأطر القانونية القائمة..

 

سفارتان.. ودبلوماسية تتجاوز المكاتب..

 

وفي قلب هذه العلاقة النابض.. تقف الدبلوماسية الرسمية..

سفارة السودان في القاهرة تجاوزت مجرد الوجود الرسمي لبعثة دبلوماسية..كما أن السفارة المصرية في الخرطوم ليست مجرد مكتب تمثيل خارجي..كلاهما يؤدي وظيفة تتجاوز البروتوكول إلى إدارة واحدة من أكثر العلاقات الثنائية كثافة وتعقيداً في المنطقة..

وخلال الحرب.. اتسعت أهمية هذه الوظيفة لتشمل الرعايا والخدمات القنصلية والتواصل السياسي والإعلامي والتنسيق مع المؤسسات المصرية والسودانية والدولية..

لكن إلى جانب الدبلوماسية الرسمية توجد دبلوماسية شعبية أقدم وأعمق..

اتحادات الصحفيين.. الجامعات..رجال الأعمال..المثقفين.. الفنانين.. الرياضيين.. الطرق الصوفية..الروابط الاجتماعية..أبناء الأسر المشتركة.. والطلاب.. جميع هؤلاء يمثلون شبكة علاقات لا تستطيع أي أزمة سياسية أن تمحوها بسهولة..

ولهذا فإن الإستثمار في هذه الدبلوماسية الشعبية يبدو مفتاح المنطق لأي تعامل بين البلدين..

لأنه ببساطة استثمار في رأس مال إستراتيجي متراكم منذ قرون..

 

الاإعلام.. مسؤولية صناعة الفهم..

 

وربما تكون الإشارة الأخيرة في حديث رشوان إلى ضرورة عدم الانسياق وراء المعلومات غير الصحيحة ذات دلالة خاصة..

فالعلاقات يمكن أن تتعرض أحياناً لأضرار بالغة بسبب معلومة كاذبة أو خطاب إعلامي منفلت أكثر مما تتعرض له بسبب خلاف دبلوماسي معلن..

ومن هنا تصبح مسؤولية الإعلام المصري والسوداني مضاعفة..

المطلوب ليس إعلاماً يجمل الخلافات أو يخفيها..المطلوب إعلام يعرف الفرق بين النقد والتشويه.. وبين المعلومة والشائعة.. وبين المصالح الوطنية المشروعة ومحاولات صناعة العداء بين الشعبين..

العلاقة المصرية السودانية تحتاج إلى إعلام يشرحها.. ولا يختصرها في سجالات مواقع التواصل..

 

ما وراء الخبر..

 

ما قاله ضياء رشوان يمكن أن يُقرأ كتوصيف مصري للحظة جديدة في العلاقات مع السودان..

فبعد الحرب لن تكون العلاقة كما كانت قبلها..

هناك سودانيون عاشوا سنوات في مصر..وهناك مصالح اقتصادية جديدة.. وهناك حاجة ضخمة لإعادة الإعمار..وهناك ملفات مياه وطاقة ونقل وتجارة وأمن وحدود.. وهناك دولة سودانية تحتاج إلى استعادة عافيتها..وهناك مصر ترى بوضوح أن استقرار السودان من إستقرار ها..

لكن من نافلة القول أن نعي أن المستقبل لا ينبغي أن يُبنى على العاطفة وحدها رغم أن العاطفة جزء أصيل من العلاقة..

المطلوب هو نقل التاريخ إلى مؤسسات.. والمشاعر إلى مصالح..والجوار إلى تكامل..والتضامن إلى شراكات.. والدبلوماسية إلى مشروعات.. والعلاقات الشعبية إلى جسور دائمة..

ذلك هو المعنى الأعمق للتكامل المنشود..المطلوب..

فبين مصر والسودان شيء أقدم من الحدود.. وأعمق من السياسة..وأوسع من النيل..

إنها علاقة تستطيع.. إذا أحسن البلدان إدارة واقعها الجديد..أن تنتقل من مجرد «العلاقة الخاصة» إلى مشروع إستراتيجي متكامل يخدم دولتين وشعبين ومصالح إقليمية أوسع..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى