أزمة مرتقبة.. خبراء يحذرون من حظر الفول

د. فاتح عثمان: حظر الفول قرار غير واقعي ويجهل المناخ

د. هيثم فتحي: نحتاج آلية إنذار سعري قبل قرار المنع

بروف بوب: الفول غذاء استراتيجي وحظره يضاعف معدلات الفقر


تقرير: أمين محمد الأمين


​أجمع خبراء وأكاديميون اقتصاديون على أن قرار حظر استيراد “الفول المصري” يمثّل خطوة غير واقعية تفتقر إلى الدراسة الميدانية، محذرين من تداعيات كارثية ستمس الأمن الغذائي المباشر لملايين المواطنين. وأكد الخبراء أن القرار سينعكس سريعاً في شكل ندرة حادة وارتفاعات قياسية في الأسعار، وسط عدم قدرة الإنتاج المحلي على سد الفجوة، مما يضاعف الضغوط المعيشية على الفئات الضعيفة وأصحاب المهن الصغيرة.

 

​سياق القرار

 

و ​أصدر وزير الزراعة والري، أ.د. عصمت قرشي، أمس الأول، القرار الوزاري رقم (42)، القاضي بحظر استيراد سلعة الفول المصري من جميع الدول. وأوضحت الوزارة أن القرار يأتي تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس الوزراء، د. كامل إدريس، بهدف دعم الاقتصاد الوطني، تنظيم عمليات الاستيراد، وحماية المنتجين المحليين وتشجيع الإنتاج الزراعي الوطني. وجاء القرار بعد فترة شهدت فرض حظر على عدة سلع استهلاكية مما تسبب في شحها وارتفاع أسعارها بالأسواق.

​

​قرارات ارتجالية

 

​وصف الخبير الاقتصادي، الدكتور الفاتح عثمان محجوب، قرار حظر استيراد “الفول المصري”، وما سبقه من قرارات شملت حظر الأرز والعدس، بأنها خطوات ارتجالية تفتقر إلى الدراسة الواقعية، مشيراً إلى أنها لا تراعي الأوضاع المعيشية المعقدة للمستهلكين. وأكد محجوب أن هذه السلع تشكل مكوناً أساسياً للأمن الغذائي للمواطنين، في وقتٍ تفتقر فيه البلاد إلى أي بدائل محلية لسلعتي الأرز والعدس.

 

​عجز محلي

 

​وأوضح الخبير الاقتصادي أن السودان، وفي أفضل ظروفه المناخية، لا ينتج سوى نحو ثلث احتياجاته الكلية من الفول المصري. وأشار إلى أن هذا الإنتاج المحدود يعتمد كلياً على حدوث فيضان نيلٍ قوي يغطي الجروف والجزر النيلية، وهو ما لم يتحقق خلال هذا الموسم بالذات، مما يعني أن معظم الأراضي المخصصة لهذه الزراعة لن تُستغل هذا العام، وهو ما يجرد القرار الوزاري من أي واقعية أو جدوى اقتصادية.

 

​تفاقم المعاناة

 

​وأضاف محجوب أن القرار يتجاهل مستويات الفقر المتزايدة التي يعاني منها غالبية الشعب السوداني، فضلاً عن تغافله عن العوامل الطبيعية القاهرة والمتمثلة في انعدام المساحات الصالحة للزراعة هذا الموسم. مؤكداً أن حظر الاستيراد في ظل هذه المعطيات سيتسبب في شح السلعة وارتفاع أسعارها بشكل جنوني، مما يضاعف الأعباء الاقتصادية على كاهل الأسر الضعيفة.

 

​سياق استثنائي

 

​وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن السلطات درجت سابقاً على تطبيق حظر مؤقت لاستيراد الفول المصري ابتداءً من شهر ديسمبر ولمدة ستة أشهر، بهدف حماية المحصول المحلي الذي يغطي ثلث الاستهلاك. واختتم محجوب تصريحه بالإشارة إلى أن فرض حظر مؤقت كان يمكن أن يكون إجراءً مسوغاً لو توفرت مقومات النجاح للموسم الزراعي—مثل الفيضان الجيد والطقس البارد—غير أن غياب هذه المقومات يجعل من القرار الحالي إجراءً معيباً يهدد الاستقرار السعري للسلع الاستهلاكية الأساسية.

​ضوابط الاستدامة

 

وفي السياق ذاته، ​وأوضح الخبير الاقتصادي، الدكتور هيثم محمد فتحي، أن نجاح مثل هذه القرارات مرهونٌ بمداها الاستراتيجي، شريطة أن تأتي ضمن سياسة مدروسة ومستدامة تُطبّق دون استثناءات، وأن يُستند في تحديد السلع المشمولة بالحظر إلى دراسات ميدانية دقيقة تقيس حجم الإنتاج المحلي وتغطيتها لمتطلبات الاستهلاك. مؤكداً أن الهدف الأساسي يجب أن يرتكز على تقليل الاعتماد على الخارج، وتحقيق استدامة الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، وتخفيف الأعباء الاقتصادية.

 

​توازن مطلوب

 

​وأشار فتحي إلى أن جميع أطياف المجتمع تساند القرارات الوطنية التي تخدم المصلحة العليا، إلا أن الواقع الاقتصادي يشير إلى أن بعض المنتجات المستوردة تكون في كثير من الأحيان أقل تكلفة من نظيرتها المحلية، نظراً لارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي داخل البلاد. ولفت إلى أن حماية المنتج الوطني لا تعني بالضرورة إلغاء المنافسة الشريفة كلياً، بل تقتضي إتاحة فرصة عادلة له مع التزام الحكومة بضمان توافر السلع بأسعار مناسبة للمستهلك.

 

​خلل هيكلي

 

​وشدّد فتحي على أن الثغرة المحورية في قرارات منع الاستيراد تكمن في التركيز الأحادي على كميات الإنتاج المحلي، مع إغفال بقية حلقة التوريد الممتدة من الإنتاج والتخزين إلى النقل والتوزيع. وأضاف أن حظر المنافسة الخارجية في ظل ارتفاع تكلفة هذه السلسلة وضعف البنية التحتية للخدمات اللوجستية قد يؤدي عملياً إلى حماية “الأسعار المرتفعة” واحتكارها، بدلاً من تحقيق الحماية المنشودة للمزارع السوداني.

 

​حلول شمولية

 

​وأكد الخبير الاقتصادي أن المعالجة لا ينبغي أن تعتمد على حظر الاستيراد كأداة منفردة ومستقلة، مشيراً إلى أن حماية المنتج تتطلب خفض تكاليف الإنتاج الإجمالية وتوفير المدخلات الزراعية ووسائل التخزين والتسويق الحديثة. ودعا الحكومة إلى التوازي بين دعم المزارع وحماية المستهلك عبر وضع “آلية للإنذار السعري” تتيح المراجعة الفورية لقرارات المنع في حال تجاوزت الأسعار مستويات غير مقبولة في الأسواق.

 

​فوارق التكلفة

 

​واختتم الدكتور هيثم فتحي تصريحه بالإشارة إلى أن الارتفاع الباهظ في أسعار المحروقات والأسمدة والمبيدات وأجور العمالة داخل السودان ينعكس مباشرة على السعر النهائي للمنتج المحلي، في مقابل الدعم الحكومي وتدني تكاليف الطاقة والنقل في دول المنشأ للمنتجات المستوردة. ودعا إلى ضرورة توسيع نطاق المقارنات الاقتصادية لتشمل تكلفة الإنتاج الكلية ببلد المنشأ، بدلاً من الاقتصار على مقارنة سعر البيع النهائي فقط.

​أبعاد اجتماعية

 

إلى ذلك، ​أكد الأكاديمي، البروفيسور عصام عبد الوهاب بوب، أن قرار حظر استيراد “الفول المصري” يمثّل إجراءً عشوائياً يتجاهل الأبعاد الاجتماعية والأوضاع المعيشية المعقدة لغالبية المواطنين. وأوضح بوب أن الفول لا يُصنّف كسلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها، بل يُعدّ بمثابة “شبكة أمان غذائي” وجزءاً استراتيجياً لا يتجزأ من القوت اليومي لملايين الكادحين والعمال والنازحين في البلاد.

 

​ضغوط سعرية

 

​و أشار البروفيسور بوب إلى أن القرار يخلق فجوة حادة بين العرض والطلب، ما يقود حتماً إلى ارتفاعات قياسية في الأسعار للمستهلك النهائي. وبيّن أن التجربة أثبتت أن حظر الاستيراد ينشط قنوات التهريب والسوق السوداء، مما يرفع سعر الجوال إلى مستويات خيالية تتجاوز القدرة الشرائية للمواطنين في ظل تآكل الأجور المباشر وتصاعد معدلات التضخم.

 

​عجز هيكلي

 

​وفيما يخص قدرة الإنتاج المحلي على سد الفجوة، أثبت بوب بالأرقام عدم كفاية المحصول الوطني لتغطية الاحتياجات؛ إذ يبلغ الإنتاج المحلي نحو 173 إلى 185 ألف طن سنوياً، وهو ما يغطي جزءاً محدوداً جداً من الاستهلاك الكلي. وأضاف أن القطاع الزراعي يعاني من أزمات هيكلية حادة—كالارتفاع الباهظ لتكاليف المدخلات، وتراجع المساحات المزروعة (كما في الولاية الشمالية التي حققت 64\% فقط من المساحة المستهدفة)، وتداعيات الحرب—مما يجعل حظر الاستيراد مسبباً حتمياً للندرة الشديدة.

 

​تكرار الأخطاء

 

​وحول توقيت القرار والدروس المستفادة من حظر السلع السابقة، لفت الخبير الأكاديمي إلى أن اتخاذ سياسات الحظر الفوري دون تهيئة بيئة الإنتاج يكرر أخطاء السياسات الاقتصادية السابقة. وأوضح أن محاولة حماية المنتج المحلي عبر الحظر الجمركي بغير وجود وفرة في الأرض والري ومدخلات الإنتاج لن تؤدي إلا لإنعاش تجارة الأزمات، مشدداً على أن توفير النقد الأجنبي يتطلب كبح الصرف الحكومي ومكافحة الفساد لا تجويع المواطنين.

 

​بدائل الحماية

 

​وعن الأدوات البديلة المتاحة لحماية المنتج والمستهلك، رأى البروفيسور بوب أن معالجة الأزمة تقتضي الاستعاضة عن الحظر المطلق بآليات مرنة، مثل السماح بالاستيراد الجزئي أو الموقت لتغطية العجز، بالتوازي مع تقديم دعم مباشر ومدخلات زراعية بأسعار مخفضة للمزارعين. ودعا إلى إرساء مراقبة صارمة على الأسواق، واعتماد سياسة “الإنذار السعري” لضمان عدم تجاوز السلعة لمستويات تفوق طاقة الفئات الهشّة.

 

​ضربة معيشية

 

​و عن تأثير القرار على أصحاب المهن الصغيرة وسلاسل الإمداد، أوضح بوب أن القرار يوجه ضربة قاضية للمطاعم الشعبية، صغار التجار، والباعة الجائلين. وأكد أن هذه الشريحة تدفع الثمن مرتين: عبر فقدان مصدر رزقها الأساسي وتوقف نشاطها التجاري، وعبر تجريدها من وجبتها الرئيسية التي تمنحها الطاقة للعمل، مما يهدد بانهيار قطاع الخدمات الغذائية الصغرى واتساع دائرة البطالة والقرارات الاجتماعية المعقدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى