المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: هرمز.. مقامرة الأجنحة وحرب المسارات

​تتجلى في المشهد الإيراني اليوم حالة من الفصام السيادي الذي لم يعد خافياً على المراقب الحصيف؛ فبينما كان وزير الخارجية عباس عراقجي يغرد بلغة الدبلوماسي الطامح لفك الحصار عبر تفاهمات مرتبطة بهدنة لبنان، جاء الرد الخشن من مقر “خاتم الأنبياء” التابع للحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي، ليعيد إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات قليلة من فتحه. هذا التضارب ليس مجرد سوء تنسيق إداري، بل هو انعكاس عميق لتصدع الجبهة الداخلية وغياب “بوصلة المرشد” التي كانت تضبط إيقاع الدولة، حيث يرى الجناح المتشدد أن أي تنازل مجاني عن ورقة المضيق دون رفع كامل للحصار الأمريكي عن الموانئ الحيوية مثل “جاسك” و”بندر عباس” هو انتحار سياسي، مما دفعهم ميدانياً لإطلاق النار باتجاه ناقلات هندية عند جزيرة “لارك” لقطع الطريق على أي تقارب دبلوماسي محتمل.
​ولم يكن إعلان طهران عن فتح المضيق في جوهره بادرة حسن نية كما حاول عراقجي تسويقها، بل كان عملية “هندسة فوضى” ملاحية بامتياز؛ إذ تم التلاعب بالمسارات التقليدية الآمنة ودفع السفن قسراً نحو ممرات ضيقة تمر في عمق المياه الإقليمية الإيرانية بين جزيرتي “قشم” و”لارك”. هذا التكتيك الذي يصفه الخبراء بـ “القرصنة القانونية”، يهدف لفرض ولاية أمنية كاملة على حركة التجارة العالمية تحت ذريعة وجود ألغام بحرية في الممرات الدولية، وهو ما وضع شركات التأمين العالمية في حالة شلل تقني؛ ففتح المضيق “ورقياً” لا يعني أمانه “عملياً”، مما أبقى أكثر من 20 ناقلة نفط عالقة في بحر عمان بانتظار يقين لا يأتي، وسط مخاوف من أن تكون هذه المسارات الجديدة مجرد فخاخ لاستدراج القوى الدولية.
​وفي خلفية هذه المشاهد الدرامية، تحكم لغة الأرقام الميدان بقسوة تتجاوز الشعارات الثورية؛ فإيران تنزف حالياً ما يقدر بـ 450 مليون دولار يومياً جراء الحصار البحري الأمريكي الشامل، وهو ما دفع النظام لتبني استراتيجية “الاقتصاد المقاوم” التي لم تنجح في لجم التضخم الذي قفز إلى 39% في فبراير الماضي. هذه الأرقام المنهكة هي المحرك الأساسي لقرارات الرئيس دونالد ترامب في واشنطن، فهو يدرك تماماً أن سياسة “الضغط الأقصى” بدأت تفتت بنية النظام من الداخل، لكنه في الوقت ذاته يواجه ضغوطاً أوروبية هائلة بعد أن تسبب قرار إعادة الإغلاق في قفز أسعار الغاز بنسبة 30%، مما يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار موازنة الضغط على طهران مع حماية المواطن الغربي من شبح ركود تضخمي عالمي يلوح في الأفق.
​ويدخل “الغبار النووي” كعنصر حسم حرج في هذه المعادلة، حيث يدور لغط دولي واسع حول مصير 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%؛ فبينما يروج ترامب لاستلام هذا المخزون مقابل صفقة مليارية، يخرج رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف لينفي هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً واصفاً إياها بالاستهلاك الإعلامي. الحقيقة الميدانية التي يؤكدها خبراء مثل الدكتور كريم الأدهم، تشير إلى أن هذا المخزون يظل “رهينة” مخبأة في أسطوانات محصنة داخل المدن الصاروخية تحت الأرض، مما يجعل واشنطن وحلفاءها في حالة تردد استراتيجي؛ إذ إن أي مغامرة عسكرية غير محسوبة قد تؤدي لتسرب إشعاعي كارثي أو تدفع طهران لاستخدام هذه الورقة كخيار “شمشون” الأخير في حال ضاقت عليها الخيارات.
​عسكرياً، بدأ البنتاغون في التخلي عن “الغرور التقني” للمدمرات الضخمة التي استنزفتها الزوارق الإيرانية السريعة في عمليات “هندسة الفوضى”، وبدأ التحول نحو سلاح أكثر فتكاً وتكيفاً مع جغرافيا المضيق الضيقة. الاستعانة بطائرات A-10 Thunderbolt، أو “الخنزير البري”، تمثل تغييراً جوهرياً في قواعد الاشتباك؛ فهذه الطائرة بمدفعها المرعب وقدرتها على التمييز البصري الدقيق، قادرة على سحق أسراب الحرس الثوري بكلفة زهيدة مقارنة بالصواريخ الاعتراضية. هذا التحرك، بالتزامن مع إرسال السفينة “ميغيل كيث” المتخصصة في كشف الألغام، يعني أن واشنطن لن تنتظر طويلاً خلف طاولة المفاوضات في إسلام آباد، بل تستعد لفرض “سيادة الملاحة” بالقوة وتطهير الممرات الدولية من الألغام الإيرانية، مما يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان.
​أما الضربة الاستراتيجية الأبعد أثراً، فهي تلك التي تتشكل ملامحها بعيداً عن فوهات المدافع، وتتمثل في “الممر البديل” الذي تنسق له السعودية ومصر لكسر عنق الزجاجة الجغرافي. إن ربط ميناء دمياط وسفاجا بميناء نيوم والموانئ الشرقية للمملكة يمثل نهاية فعلية لعصر الابتزاز الإيراني بمضيق هرمز؛ فعندما تتدفق البضائع والطاقة من أوروبا إلى الخليج برياً، ستفقد طهران “كارت الضغط” الأهم الذي طالما استخدمته لتهديد العالم. لذا، فإن الأيام القليلة القادمة هي سباق محموم بين طهران التي تحاول ربط ملف المضيق بملفات إقليمية شائكة لضمان بقائها، وبين واشنطن التي تسعى لترسيخ واقع جيوسياسي جديد يجعل من إغلاق هرمز انتحاراً اقتصادياً محلياً لإيران، وليس أزمة طاقة عالمية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى