صناعة التفاهة ..الجزء الأول: حين تصبح الرداءة نظامًا لإدارة المجال العام

البعد الخامس..

بقلم: صباح المكي

*المقدمة*

ليست أخطر المجتمعات تلك التي يعلو فيها الجهل فحسب، بل تلك التي يُعاد فيها تنظيم المجال العام على نحوٍ يجعل الجهل خفيف الظل، والسطحية مقبولة، والرداءة قابلة للتداول، ثم يُطلب من الناس بعد ذلك أن يتعاملوا مع هذا الخراب بوصفه تطورًا طبيعيًا في الذوق، أو مجرد أثر جانبي لعصر السرعة. هنا تحديدًا تبدأ الكارثة الحقيقية: حين لا تعود التفاهة انحدارًا يمكن رصده ومقاومته، بل تتحول إلى نظام صامت لإعادة توزيع القيمة، وآلية ناعمة لإقصاء الجدارة، ومناخ عام يُكافئ العبث ويعاقب المعنى.

ولا يُقصد بالتفاهة هنا ازدراء المجتمع أو الانتقاص من الناس، ولا السخرية من البسطاء أو الطعن في قدرتهم على التمييز والحكم بين ما يستحق وما لا يستحق، بل توصيف مناخ عام يختل فيه معيار التقدير، فتضطرب الطريقة التي نحدد بها من يملك الاستحقاق والأهلية للثقة، وتُكافَأ فيه السطحية، وتُقدَّم الضحالة على القيمة، ويعلو الضجيج على المعنى. فالمسألة هنا ليست إدانة للمجتمع، بل نقد للآليات التي يُعاد بها تشكيل المجال العام على حساب الجدارة والوعي والذوق السليم.

*جذور فكرية: وجوه متعددة لاختلال واحد*

وليس الحديث عن التفاهة، في هذا السياق، مجرد انفعال عابر إزاء ما آل إليه المجال العام، ولا مجرد توصيف صحفي سريع لزمن تتكاثر فيه الصور وتضمحل فيه المعاني، بل هو حديث يجد ما يسنده في تقاليد فكرية أعمق، وإن تناولته من زوايا مختلفة. فقد ظهرت هذه الظاهرة في الفكر الحديث تحت عناوين متجاورة: مرة بوصفها هيمنة للاستعراض، ومرة بوصفها خضوعًا للخطاب العام لمنطق الترفيه، ومرة بوصفها رداءة مؤسسية تتحول فيها السطحية إلى قاعدة للصعود والاعتراف. ومن بين الأسماء التي تتشكل عبرها خريطة هذا المسار: غي ديبور، ونيل بوستمان، وآلان دونو.

*1. غي ديبور: مجتمع الاستعراض (1967)*

حين كتب غي ديبور كتابه مجتمع الاستعراض سنة 1967، لم يكن منشغلًا بنقد الصورة بمعناها الأخلاقي المباشر، بل كان يذهب إلى ما هو أعمق: إلى اللحظة التي لا تبقى فيها التمثيلات والعروض مجرد وسائل تنقل الواقع، بل تغدو وسيطًا مهيمنًا عليه، حتى يكاد الإنسان لا يعيش العالم كما هو، بل كما يُعرض له ويُمثَّل أمامه. عند هذه النقطة، لا تعود الصورة انعكاسًا للحقيقة، بل تبدأ، بهدوء بالغ الخطورة، في الحلول محلها.

ومن هنا تنبع أهمية ديبور في هذا المقال. فهو لا يقدّم مجرد نقد للاستعراض، بل يضيء الجذر العميق للحظة التي لا يعود فيها المجال العام ساحة للفهم والتمييز، بل يتحول إلى مسرح للاستعراض، ويُمنح الضوء لمن يحسن الأداء أكثر ممن يحمل المعنى. وهذا، في جوهره، قريب من اختلال معيار التقدير، حيث لا يعود الظهور أثرًا من آثار القيمة، بل يصبح بديلًا عنها.

*2. نيل بوستمان: التسلية حتى الموت (1985)*

أما نيل بوستمان، ففي كتابه التسلية حتى الموت الصادر سنة 1985، فقد اقترب من المشكلة من باب آخر لا يقل خطورة: ماذا يحدث حين لا يعود الترفيه محصورًا في مجاله الطبيعي، بل يمتد ليعيد تشكيل السياسة، والصحافة، والتعليم، وحتى الدين؟ هنا لا يعود السؤال: ما الذي يُقال؟ بل: كيف يُقدَّم؟ وما مدى قدرته على الجذب؟ وما مقدار خفته وسرعته وقابليته للاستهلاك؟

وتنبع أهميته هنا من أنه يفسر كيف تنزلق الشؤون العامة من فضاء للنقاش الجاد إلى عرض سريع ومثير، تُختزل فيه القضايا المعقدة، ويُكافأ فيه الإيقاع السريع أكثر من الفكرة المتماسكة، وتُمنح الأفضلية لما يلفت الانتباه لا لما يستحقه. وهنا يلتقي مباشرة مع الحديث عن خطاب يكافئ الإثارة، والتشهير، والسطحية، ويُضعف قدرة الناس على الصبر على الفهم واحتمال المعنى العميق.

*3. آلان دونو : La Médiocrati (2015)*

ثم يأتي آلان دونو، الذي قدّم في كتابه La Médiocratie، المعروف عربيًا بعنوان نظام التفاهة، واحدًا من أوضح التعبيرات الحديثة عن هذه الظاهرة في صورتها المؤسسية. فدونو لا يتحدث عن السطحية بوصفها عيبًا فرديًا، ولا عن الابتذال بوصفه شذوذًا أخلاقيًا عابرًا، بل عن لحظة تتحول فيها الرداءة إلى نظام قبول، وقاعدة للصعود، ونمط عام يكافئ الامتثال، والاعتدال الفارغ، والقدرة على التكيف مع معايير منخفضة.

وتنبع قيمة دونو هنا من أنه يمنح الظاهرة اسمها الأقرب إلى ما نريد الدلالة عليه في هذا المقال: ليس مجرد استعراض، ولا مجرد ترفيه، بل نظام اجتماعي وثقافي ومهني يجعل الرداءة قابلة للحياة، بل قابلة للنجاح والهيمنة. ومن هنا يلتقي مباشرة مع فكرة صناعة التفاهة بوصفها بنية تكافئ التكيف مع الرداءة، وتمنح الاستحقاق والأهلية للثقة لمن ينجح فيها، لا لمن يملك القدرة على الإصلاح والبناء.

*في ملتقى هذه المسارات*

إذا كان ديبور قد كشف كيف يبتلع الاستعراض الواقع، وبوستمان قد حذّر من إخضاع الخطاب العام لمنطق الترفيه، فإن دونو يلتقط النتيجة الأحدث لهذا المسار كله: الرداءة حين تتحول إلى قاعدة عامة للصعود والاعتراف. وهنا تتضح الخلفية الفكرية التي يستند إليها هذا المقال: نحن لا نتحدث عن التفاهة بوصفها وصمة أخلاقية، ولا بوصفها حكمًا متعاليًا على المجتمع، بل بوصفها توصيفًا لبنية يختل فيها معيار التقدير، وتُكافأ فيها الإثارة أكثر مما تُكافأ الجدارة، ويُمنح فيها الضوء لمن يتصدر بالاستعراض أكثر ممن يستحق الإنصات.

ومن هذا المدخل، لا تعود التفاهة مجرد هبوط في الذوق أو انحدار في الأسلوب، بل تبدو تعبيرًا عن اختلال أعمق في طريقة الحكم على الناس والأفكار: اختلال لا يفسد ما يُقال فقط، بل يفسد، قبل ذلك، الميزان الذي نقرر به من يملك الاستحقاق والأهلية للثقة.

*حين تفقد الحقيقة ثقلها*

ولعل أخطر ما في التفاهة الحديثة أنها لا تأتي في صورة العدم الفج، ولا تعلن عداءها للحقيقة بشكل مباشر، بل تتسلل إلى المعنى من داخله. إنها لا تقول للناس: اتركوا الحقيقة، بل تقول: خذوا منها نسخة أسهل، أسرع، وأقل كلفة على الذهن. لا تدعو إلى احتقار الفكر، بل إلى استهلاكه في صيغته الأقل مقاومة: شعار سريع، مقطع خاطف، اقتباس مبتور، رأي جاهز، وانفعال يسبق الفهم.

وبهذا المعنى، لا تكون التفاهة فراغًا صريحًا، بل معنىً مخففًا ومبتورًا، يحتفظ بهيئة المضمون ويستنزف ثقله. توهم بالحضور من دون وزن، وبالتأثير من دون فكرة، وبالمعرفة من دون تكوين. ومع طول التعرض لهذا النمط، يفقد المجتمع حساسيته تجاه الفارق بين الحقيقة وصورتها، وبين الفكرة وصداها، وبين القيمة ونسختها الدعائية، حتى يغدو البديل المبتور كافيًا لإشباع جمهور لا يخرج من هذا التلقي كما دخل إليه، بل يخرج منه بوعي أكثر عكارة، وأقل صبرًا على التمحيص، وأكثر ميلًا إلى التلقي الكسول الذي لا يُمحِّص، ولا يراجع، ولا يعيد النظر.

ولا تنفصل هذه الظاهرة عن طبيعة الزمن الذي تتكاثر فيه. فالفهم يحتاج إلى تأنٍّ، والحكمة تحتاج إلى تراكم، والتمييز يحتاج إلى مسافة، واللغة الرصينة تحتاج إلى صبر داخلي لا ينسجم مع التسرع الدائم. أما التفاهة فتنتمي إلى إيقاع آخر: إيقاع السرعة، والاستجابة الفورية، والانفعال العاجل، والتنقل السريع من مثير إلى آخر من دون إقامة حقيقية عند أي معنى.

ولهذا فهي لا تقصي العمق بالحجة، بل بالإيقاع. لا تُسقطه لأنها أثبتت بطلانه، بل لأنها جعلت زمنه غير محتمل. وبذلك يُغلب الإنسان لا بقوة الفكرة المقابلة، بل ببنية الوقت التي تحكم استقباله للأفكار أصلًا. فما لا يُهضم سريعًا يُهمَل، وما لا يلمع فورًا يتراجع، وما يحتاج إلى تأمل يبدو، في نظر المزاج العام، أثقل من أن يُحتمل.

ومن أشد آثار هذا التحول قسوة أن الناس لا يفقدون العمق دفعة واحدة، بل يفقدون الحاجة إليه. شيئًا فشيئًا، لا يعود غياب الرصانة مؤلمًا، ولا غياب الجدية لافتًا، ولا غياب الدقة مثيرًا للقلق. وهنا تبلغ الأزمة طورها الأخطر، لأن المجتمع لا يخسر بعض رموزه فحسب، بل يخسر جهازه الداخلي الذي يميّز به بين الرفيع والوضيع، بين الباقي والعابر، وبين ما يستحق التوقير وما ينبغي أن يُترك يسقط في صخبه. وعند هذه النقطة، لا يقتصر الأثر على إضعاف الحس بالمعنى، بل يمتد إلى إرباك منظومة القيم نفسها، وتعكير البوصلة الأخلاقية، وطمس الحدود بين الصواب والخطأ، وبين ما ينبغي وما لا ينبغي، حتى ينشأ وعي أشد ضحالة، وأقل ميلًا إلى التمحيص، وأضعف صلةً بالعمق والمسؤولية.

*التفاهة بين اختلال المعيار وصياغة الوعي العام*

عند هذه النقطة، لا تعود التفاهة مجرد انحدار في الذوق أو هبوط في مستوى الخطاب، بل تتحول إلى بنية تُربك معيار التقدير، وتعيد ترتيب من يملك الاستحقاق والأهلية للثقة، وتعيد صياغة الوعي العام على هذا الأساس المختل. فالمشكلة لم تعد في وجود محتوى سطحي فحسب، بل في النظام الذي يكافئه ويدفع به إلى الواجهة، حتى يصبح الأقدر على الجذب أسبق من الأقدر على البناء، والأشد إثارة أرفع حضورًا من الأشد أهلية.

ومن هنا، فإن صناعة التفاهة ليست عرضًا جانبيًا لعصر المنصات، بل اقتصادًا كاملًا في توجيه الوعي وتوزيع الشرعية. فهي لا تكتفي بإنتاج محتوى خفيف، بل تخلق بيئة عامة يُكافَأ فيها ما يلفت، وإن كان مبتذلًا، ويُهمَّش فيها ما يستحق، وإن كان قيّمًا. وهي، في هذا المعنى، ليست بريئة حتى حين تبدو عفوية. فكل مجتمع يعتاد أفراده استهلاك السهل، ويضيقون بالتحليل، وينفرون من المعنى غير المختزل هو مجتمع يجري تأهيله، من حيث لا يشعر، ليكون أقل مساءلة وأكثر قابلية للقيادة عبر الصورة والانفعال والإثارة.

ولذلك فالسؤال ليس: لماذا انتشرت التفاهة؟ فذلك سؤال يوحي بأننا أمام نزوة ثقافية أو حادث عرضي. السؤال الأهم هو: من الذي يستفيد من هذا النمط من الوعي؟ من الذي يستفيد من مجتمع قصير الذاكرة، ضعيف الصبر على الفهم، سريع الانفعال، هش المعايير؟ من الذي يستفيد من فضاء عام يتحول فيه النقاش إلى سلسلة من المثيرات، لا إلى عملية تراكمية لبناء الوعي؟ هنا تظهر التفاهة على حقيقتها: لا بوصفها مجرد رداءة، بل بوصفها ترتيبًا مريحًا لكل منظومة تخشى الإنسان اليقظ وتفضّل الإنسان المنهك.

إن التعليم، في ظل هذا المناخ، لا يعود مؤسسة لتكوين العقل، بل قد ينزلق إلى مصنع لعبور شكلي يُخرِّج أفرادًا قادرين على التكيف لا على الحكم. والإعلام لا يعود أداة لشرح العالم، بل منصة لتسويقه في صور مختزلة ومثيرة. والسياسة لا تعود ساحة للمشروع والرؤية والمصلحة العامة، بل تنحدر إلى إدارة الإيقاع والانفعال والتموضع البصري. وحتى الثقافة نفسها قد تفقد وظيفتها الرافعة، فتتحول من ممارسة نقدية تهذب الحس العام إلى سلعة رمزية تساير انحدار المجال العام. وعند هذه النقطة، لا تعود التفاهة مجرد حالة بين حالات، بل تصبح العقل غير المعلن للمجال العام كله.

ومن هنا، لا يكون ما نواجهه مجرد خلل في المحتوى، بل خللًا في معيار التقدير نفسه: في الطريقة التي نمنح بها الشرعية، ونوزع بها الاستحقاق والأهلية للثقة، ونقرر بها من يستحق أن يُسمع. ولهذا، فإن مقاومة التفاهة ليست رفاهًا نخبويًا، ولا خصومة متعالية مع الناس أو مع الوسائط الحديثة، بل دفاع عن الحق في المعنى، وعن حق المجتمع في ألا يُدار بالكامل بمنطق السوق والخوارزمية والإثارة السريعة، وألا يفقد سيادته العقلية على نفسه. وعند هذا الحد، لا يعود السؤال فقط: كيف تعمل التفاهة؟ بل: من يكرّسها، ومن يتركها تتمدد، ومن يملك القدرة على كبحها أو مقاومتها؟ وهذا ما سنناقشه في الجزء الثاني.

bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى