المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: أسرار هزيمة الغرب(٥/١)

الصهيونية المسيحية وحروب “نهاية الزمان”
هل تحولت النصوص المقدسة في العقل الغربي إلى “خرائط عسكرية” لإبادة الشعوب؟
كيف نجحت الأيديولوجيا “الهتشلرية” في توريط القوى العظمى في معارك ليست معاركها؟
تعد الصهيونية المسيحية واحدة من أخطر الأيديولوجيات اللاهوتية المسيسة التي شكلت وجه التاريخ الحديث، فهي تسبق في نشأتها الصهيونية اليهودية نفسها، حيث بدأت هذه الحركة في الريف الإنجليزي في القرن التاسع عشر، مستندة إلى تفسيرات “حرفية” متطرفة للنصوص التوراتية. تزعم هذه الرؤية أن عودة اليهود إلى فلسطين هي “شرط إلهي” مسبق لعودة المسيح الثانية، وهو فكر لم يكن مجرد اجتهاد ديني معزول، بل تحول بمرور الوقت إلى مشروع استعماري متكامل تبنته بريطانيا العظمى ثم ورثته الولايات المتحدة الأمريكية. لقد أصبحت “إسرائيل” بالنسبة لهذا التيار ليست مجرد كيان سياسي أو دولة جغرافية، بل هي “ساعة نبوية” لاهوتية يؤمنون بأنها تؤشر لقرب نهاية الزمان، مما جعل من دعمها عقيدة لا تقبل النقاش لدى مراكز صنع القرار في الغرب، متجاوزة بذلك حدود المصالح القومية المباشرة للدول.
وتتجلى خطورة هذا التحول فيما يمكن تسميته بـ “الأيديولوجيا الهتشلرية”، نسبة إلى القس الإنجليزي وليم هتشلر، الذي لم يكن مجرد رجل دين عابر، بل كان “المهندس” الحقيقي الذي نقل الصهيونية من حيز الأحلام السياسية لهرتزل إلى أروقة القصور الملكية الأوروبية. لقد قامت هذه الأيديولوجيا على عقيدة تحويل “النص المقدس” إلى “خريطة طريق” عسكرية وسياسية؛ حيث آمن هتشلر بأن دعم الاستيطان اليهودي في فلسطين ليس موقفاً سياسياً فحسب، بل هو “استجابة لنبوءة توراتية” تسرع من عودة المسيح الثانية. ومن خلال هذا المنظور، أضحت فلسطين في العقل الغربي “مسرحاً لاهوتياً” لنهاية العالم، وليست وطناً لأصحاب الأرض، مما شرعن لتهجير البشر وإعادة رسم حدود الجغرافيا بناءً على تأويلات حرفية متطرفة. هذه الرؤية الهتشلرية هي التي وضعت حجر الأساس لما نراه اليوم من اصطفاف غربي أعمى خلف الكيان، حيث امتزجت “الخرافة” بـ “السياسة” لتنتج مشروعاً استعمارياً يتلحف بقدسية زائفة، تجعل من الصدام الكوني في “هرمجدون” غاية تبرر كل فظائع الإبادة والتهجير.
لقد كان اللقاء التاريخي بين وليم هتشلر وتيودور هرتزل في عام 1896 هو اللحظة الفارقة التي تزاوجت فيها الأسطورة بالسياسة، حيث وجد هرتزل “العلماني” في هتشلر ومن خلفه النبلاء الأوروبيين ظهيراً لاهوتياً يمنح مشروعه مشروعية دينية أمام الغرب المسيحي. ومن هنا نشأت تلك الثنائية المدهشة؛ صهيونية يهودية تبحث عن وطن قومي هرباً من واقعها، وصهيونية مسيحية ترى في تلك الأرض مسرحاً لمعركة “هرمجدون” الفاصلة، مما جعل دعم الكيان واجباً دينياً يتجاوز المنطق السياسي. هذا الارتباط الوثيق يفسر السر الكامن خلف الدعم الأمريكي والأوروبي غير المشروط، حيث يمثل الصهاينة المسيحيون، خاصة “الإنجيليين”، كتلة تصويتية صلبة في واشنطن تؤمن بأن “مباركة إسرائيل” هي السبيل الوحيد لنيل البركة الإلهية، مما جعل الإدارات المتعاقبة تتبنى التوسع الإسرائيلي كجزء من عقيدة الخلاص الأمريكي.
وفي هذا السياق المعقد، تبرز المحرقة الهتلرية (الهولوكوست) كأداة ابتزاز سياسي وأخلاقي، أو كما يمكن وصفها بـ “قميص عثمان” الذي يرفعه الكيان في وجه كل منتقد لسياساته العدوانية. لقد استغلت الصهيونية مآسي اليهود في أوروبا لترسيخ شعور عالمي بالذنب، وتحويل أي نقد لسياسات الجيش الإسرائيلي إلى “معاداة للسامية”. هذا الحصار الفكري جعل الدول الأوروبية، التي تخلصت تاريخياً من تاريخها المظلم مع اليهود بتهجيرهم إلى فلسطين، تظل رهينة لهذه الرواية، وتصمت أمام الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. إن الفظائع التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي اليوم، والتي تمتد لتشمل الأمة الإسلامية بأسرها، هي النتاج الطبيعي لهذا التحالف الراديكالي الذي لا يعترف بالعدالة أو بحقوق الإنسان، بل يصور الصراع كحرب دينية بين “أبناء النور” و”أبناء الظلام” تزييفاً لجوهر الرسالات السماوية.
وعند العودة إلى أصل قيام الدولة، نجد أن اليهود الملتزمين بتعاليم موسى عليه السلام (مثل الحريديم والأرثوذكس الرافضين للصهيونية) يتبرأون من هذه الفظائع، ويدركون أن الصهيونية حركة “قومية علمانية” استخدمت الدين غطاءً لأهداف استعمارية. إلا أن الآلة الإعلامية الصهيونية، المدعومة بالمال والنفوذ في الغرب، نجحت في دمج الهوية اليهودية بالصهيونية، مما جعل العالم يغفل عن حقيقة أن إسرائيل هي مشروع سياسي استيطاني. هذا الارتباط جعل الولايات المتحدة رهينة للوبي الصهيوني بنسختيه اليهودية والمسيحية، حيث تظل إسرائيل هي “المحرك” لكل الصراعات في الشرق الأوسط، بينما تكتفي القوى الأوروبية بدور التابع الذي يخشى وصمة “معاداة السامية”، متجاهلة شهادات رجال دين شجعان مثل القمص داود لمعي، الذين أكدوا أن هذا الفكر هو “اختراق ثقافي” وضلال سياسي محض.
ختاماً، يظل الوعي بجذور الصهيونية المسيحية هو المفتاح لفهم تعقيدات “البلاء الكوني” الراهن، حيث تحولت النصوص المقدسة إلى خرائط عسكرية، وتحول الإيمان إلى أداة إبادة. إن مواجهة هذا المشروع لا تتطلب القوة فحسب، بل تتطلب كشف زيف هذه التأويلات اللاهوتية والتمسك بالرواية الوطنية والقومية التي ترى في إسرائيل عدواً وجودياً للأمة. إننا أمام مشروع استثنائي في وحشيته وتحالفاته العابرة للقارات، ولا يمكن دحضه إلا بالوعي بأن دماء الأبرياء في غزة وفلسطين هي التي تصرخ بالعدالة ضد مشروع استعماري استثنائي، يسعى لتحويل منطقتنا إلى ساحة حروب مستمرة خدمةً لأوهام “نهاية الزمان”.
//////////////////



