الدكتور عبد الناصر سلم، كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان بمركز “فوكس” للأبحاث بالسويد: 

السلاح يتدفق عبر “طرف ثالث” للمليشيا والجبهة الإثيوبية بوابة جديدة للتصعيد

سلم: استهداف المرافق الحيوية رسالة لإفشال العودة الطوعية والضغط على الحكومة

*تراجع دور “الرباعية” واحتمالات بروز محور سعودي مصري امريكي للحل*

*عبد الناصر سلم: مقاربة “لا غالب ولا مغلوب” تعطل الحلول وتساوي بين الدولة والمليشيا*

*تقاعس المجتمع الدولي عن تحديد “الطرف المجرم” الذي يستهدف البنى التحتية والمطارات، يمنح الضوء الأخضر لتحول المنطقة إلى بؤرة صراع دولي بالوكالة*

*السودان بات يواجه غزو مرتزقة من دول الجوار، يفوق بكثير خطر المرتزقة الكولومبيين*

في ظل عودة التصعيد الميداني في السودان عبر سلاح الطائرات المسيّرة، وتزايد استهداف البنية التحتية والمرافق الحيوية، تتعقّد صورة الصراع بما يتجاوز حدوده التقليدية نحو أبعاد إقليمية ودولية أكثر تشابكًا. في هذا الحوار الذي أجرته أفراح تاج الختم، على ” قناة إسانبير” يقدّم الدكتور عبد الناصر سلم، كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان بمركز “فوكس” للأبحاث بالسويد، قراءة تحليلية معمّقة لطبيعة التحول في تكتيكات القتال، ودلالات الاعتماد المتزايد على المسيرات، وعلاقة ذلك بأزمة الحشد العسكري داخل ميليشيا الدعم السريع.

كما يتناول الحوار أدوار الأطراف الإقليمية وشبكات المرتزقة، وحدود فعالية العقوبات الدولية، وإشكاليات المقاربة الدولية التي تساوي بين الجيش والمليشيا،

التفاصيل :

 

*بداية عادت حرب المسيرات من جديد واستهدف مطار الخرطوم الدولي وعدة ولايات خلال الأيام الماضية؛ ما الرسالة التي تريد الميليشيا إيصالها؟*

من الواضح أن هذا تطور خطير في ملف الأزمة السودانية. الحرب تحولت من قتال بين مجموعات عسكرية القوات المسلحة “القوة الشرعية”، ومجموعة الدعم السريع القوة المتمردة التي تجد دعماً من الخارج) إلى صراع تستخدم فيه آليات لإحداث ضرر “منخفض التكلفة”.

المسيرات تُستخدم عادة عندما تصل القوة المقاتلة لمرحلة عدم القدرة على حشد مقاتلين أو إحداث اختراق حقيقي في الأرض.

وما شاهدناه أن 90% من المقرات المستهدفة مقرات مدنية بالكامل. الدعم السريع يريد إرسال ثلاث رسائل:

1. لن يترك قضية العودة الطوعية للمواطنين تنجح.

2. استهداف المرافق الحيوية لخلق ضغط نفسي على المواطن يقود لضغط على الحكومة ويرفع تكلفة حماية المواقع.

3. خلق نوع من الارتباك بعد نجاح عودة السودانيين من مصر وليبيا ومواقع أخرى.

*اعتراف بالأزمة*

* هل هذا اعتراف بالفشل من الدعم السريع لعدم قدرته على المواصلة العسكرية؟

لا يمكن وصفه بالفشل بقدر ما هو اعتراف بوجود “أزمة” داخل الدعم السريع فيما يتعلق بالتجنيد والحشد وتحقيق انتصار ملموس على الأرض.

سلاح المسيرات يُستخدم عندما لا تستطيع القوة إحداث اختراق حقيقي في الميدان.

*طرف ثالث*

* لماذا يكتفي المجتمع الدولي بالقلق والإدانة ولا يفعل أكثر من ذلك؟

المجتمع الدولي لا يمتلك أدوات لمنع إيصال السلاح للدعم السريع أو تقنينه، لأن السلاح يأتي عبر “طرف ثالث”. مجموعة مثل الدعم السريع لا يمكنها شراء طائرات (CH-95) صينية الصنع مباشرة، فهناك بروتوكولات لشرائها، وأجزم أن الدعم السريع لم يذهب للصين لشرائها لأن ذلك خرق للقانون الدولي الذي يمنع تسليح المجموعات خارج الجيوش النظامية بأسلحة متطورة كهذه التي تحلق لأكثر من 24 ساعة، وهي التي يُرجح أنها استُخدمت في استهداف القائد الثاني بمجموعة درع السودان “عزام كيكل”.

*باستثناء مصر*

– من الذي يمد الدعم السريع بالسلاح رغم الحظر الدولي؟

إذا استثنينا مصر، فكل دول الجوار السوداني مشاركة في توفير السلاح والغطاء السياسي. في جنوب السودان هناك مجموعات (وليس الحكومة) تدعم الميليشيا. في ليبيا، أصبح “حفتر” في الشرق الليبي مركزاً لتجميع المرتزقة. أفريقيا الوسطى كذلك بسبب الاضطراب الأمني. كل دول الجوار تشارك في الدعم العسكري والسياسي .

*عدم الإجماع الدولي*

* لماذا تفشل الضغوط الدولية في وقف هذا الإمداد؟

تفشل لعدم وجود “إجماع دولي”. القوانين تُسن لكن السلاح يتسرب عبر حدود ليبيا وجنوب السودان، والآن هناك جبهة جديدة يُركز عليها “الجبهة الإثيوبية” لقربها من مواقع استراتيجية، حيث يتم استغلال الحدود والمعسكرات هناك لتنفيذ ضربات في الداخل السوداني.

*إرباك المشهد*

* هل تتوقع استمرار هذا التصعيد بالمسيرات؟

من الواضح أن هناك أنواعاً أخرى من السلاح وصلت، ومنصات إطلاق المسيرات ليست في أماكن سيطرة الدعم السريع بل في أماكن مجاورة “خارج حدود الدولة السودانية”. التكتيك القادم سيعتمد على تقليل القوة البشرية وإرباك المشهد باستهداف البنى التحتية والمرافق المدنية والعسكرية بالمسيرات.

*أبواب التمويل*

– بخصوص عقوبات مجلس الأمن على “القوني دقلو” ومرتزقة كولومبيين؛ كيف تقرأ تأثيرها؟

العقوبات بُنيت أن”القوني” كان الممول الأساسي لحصار الفاشر ، وهي ترسل إشارات بضرورة الكف عن التمويل الخارجي، لكن دون عزيمة دولية لإغلاق أبواب التمويل، ستكون العقوبات “خبراً على ورق”.

*تجنيد الأطفال*

* إدراج الكولومبيين بتهم تجنيد أطفال؛ كيف يغير توصيف الحرب؟

الحرب تحولت لحرب مرتزقة. الكولومبيون مرتبطون بتمويل دول معينة توفر لهم المعلومات اللوجستية والاستخباراتية. هم مجرد أداة، وكان يجب أن تذهب العقوبات لمن يقودون هذا البرنامج ويمولونه، وليس فقط للأدوات.

*جدية المجتمع الدولي*

– العقوبات الأمريكية والبريطانية تتكرر دون تأثير ملموس؛ لماذا؟

العقوبات تؤثر على “المدى الطويل” وليس القصير. ستحصل أزمة للدعم السريع مستقبلاً، لكن حالياً لا يوجد تحرك دولي يمنع تدفق المرتزقة عبر 4 أو 5 حدود مجاورة. المجتمع الدولي إذا كان جاداً لقطع التمويل فوراً لانتهى الصراع، لكن هناك تركيبة دولية ترى الصراع بين مجموعتين ولا تريد طرفاً منتصراً (قاعدة وين-وين)، وهذا سبب فشل المبادرات؛ لأنهم يساوون بين الجيش الشرعي ومجموعة متمردة عاثت فساداً.

*مؤتمر إنساني*

– ماذا عن مؤتمر برلين وتعهدات المليار ونصف المليار يورو؟

مؤتمر برلين إنساني، وأعتقد لن يتم الالتزام بكامل المبالغ بناءً على تجارب سابقة. إجماعهم على وحدة السودان إيجابي، لكن عدم دعوة الحكومة السودانية (الجهة الشرعية) بحجة “عدم الانحياز” قراءة غير واقعية، فالتنسيق يجب أن يكون مع الدولة المسؤولة عن الملايين في مناطق سيطرتها.

*غزو المرتزقة*

* السودان بات يواجه “غزواً من المرتزقة” متعددي الجنسيات؟

خطر المقاتلين القادمين من دول الجوار (تشاد، إثيوبيا، جنوب السودان، وإريتريا) يفوق بكثير خطر المرتزقة الكولومبيين الذين سلط الإعلام الضوء عليهم مؤخراً، نظراً لارتباط هؤلاء المرتزقة الأفارقة بشبكات نفوذ وقوى نافذة في بلدانهم الأصلية.

ولكن لابد من ضرورة التمييز بين “المجموعات المرتزقة” وبين حكومات تلك الدول، الأنظمة الرسمية بريئة من ذلك في جنوب السودان وإريتريا وغيرها من التورط المباشر، هؤلاء المقاتلين يتبعون لشبكات نفوذ ومجموعات داخلية نافذة أو “أطراف ثالثة” وليس لقرارات سيادية من تلك الحكومات.

*وقف إطلاق النار*

* المؤتمر دعا لهدنة إنسانية ووقف إطلاق نار.. هل ستستجيب الحكومة؟

الحكومة السودانية قدمت مقترحها للسلام لمجلس الأمن أما وقف إطلاق النار دون تحجيم منابع التمويل لن يكون له قيمة، وسيعيد الدعم السريع استجلاب المرتزقة. أي اتفاق يجب أن يشمل ترتيبات أمنية (دمج وتسريح)، لكن السؤال: وقف إطلاق النار مع من؟ الدعم السريع له داعمون، والأولى النقاش مع الداعمين قبل الميليشيا نفسها. تجفيف المنابع سيقود لهدنة مقبولة لإيصال المساعدات لدارفور وكردفان.

*مؤتمر برلين*

* البيان الختامي لمؤتمر برلين أدان استهداف البنية التحتية، فكيف يربط هذا بالتصعيد الحالي؟

المجتمع الدولي يستخدم لغة دبلوماسية “غير منضبطة” لا تحدد الطرف المجرم كي لا يخسره في طاولة التفاوض. كان يجب تحديد أين استهدف الجيش وأين استهدف الدعم السريع البنى التحتية (مثل مطار الخرطوم ومستشفيات الأبيض).

تقاعس المجتمع الدولي عن تحديد “الطرف المجرم” الذي يستهدف البنى التحتية والمطارات، يمنح الضوء الأخضر لتحول المنطقة إلى بؤرة صراع دولي بالوكالة.

*أطراف محايدة*

* هل يملك المجتمع الدولي آليات رقابة وتحقق فعالة؟ في حل تم التوصل لوقف إطلاق نار ؟

الخطة الأمريكية التي طرحها مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس تشمل بنوداً، لكنها تتطلب “أطرافاً محايدة” وقوات على الأرض بعلم وقبول الحكومة السودانية. لا أعتقد أن مقترح “الرباعية” سيُقبل، خاصة بوجود الإمارات داخلها وهي تدعم طرفاً ضد الآخر.

*لا مستقبل للرباعية*

– ما هو الحل إذن؟

الرباعية لن يكون لها دور مستقبلاً. الأمريكان بدأوا يفهمون أن استمرار الصراع سيُدخل الصين وروسيا في الصراع، الحل القادم سيكون “مزدوجاً” بين السعودية ومصر والولايات المتحدة، مع قراءات تتحدث عن إخراج الإمارات من الرباعية أو تقليل دعمها للميليشيا وفتح قنوات تواصل بينها وبين الحكومة السودانية لحل الخلافات.

*ضعف التمويل*

– بخصوص التعهدات المالية، هل تختلف “برلين” عن “باريس” و “لندن”؟

برلين تواجه تحديات أكبر (أزمة الشرق الأوسط، أوكرانيا، وقف التمويل الأمريكي للمنظمات). السعودية قدمت الكثير، لكن المجتمع الدولي يعاني من ضعف التمويل بعد خروج أمريكا من معادلة تمويل برامج التنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى