لماذا يحتاج السودان إلى ثورة في التدريب التحويلي بعد الحرب؟

بقلم/ د. ماجدة مصطفى صادق
عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية جامعة السودان العالمية
لم تعد قضية العودة إلى السودان بعد الحرب مجرد انتقال جغرافي من دولة إلى أخرى، بل أصبحت معركة حقيقية ضد الفقر والانهيار وفقدان الأمل.. ملايين السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح، خاصة من فئة الشباب، سيجدون أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً عند العودة؛ مدن منهكة، مؤسسات متوقفة، وظائف مفقودة، وأسواق عمل لم تعد تشبه ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب. وفي خضم هذا المشهد القاسي، يبرز سؤال مصيري: كيف يمكن حماية هؤلاء الشباب من التحول إلى جيل ضائع يعيش على المساعدات والانتظار والإحباط؟
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها بشجاعة أن السودان الخارج من الحرب لن يستطيع استيعاب الجميع عبر الوظيفة الحكومية أو الأعمال التقليدية، لأن الدولة نفسها ستكون مثقلة بأعباء إعادة الإعمار والإنفاق على الخدمات الأساسية. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو عودة مئات الآلاف من الشباب دون أدوات حقيقية للحياة والإنتاج. فالشهادة الجامعية وحدها، مهما كانت قيمتها العلمية، قد لا تكفي في اقتصاد منهك يحتاج بصورة عاجلة إلى المهارة العملية والإنتاج المباشر.
إن التدريب التحويلي لم يعد رفاهية أو خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة وطنية وأداة بقاء اقتصادي واجتماعي. والمقصود به ليس إلغاء التعليم الجامعي أو التقليل من قيمة المعرفة الأكاديمية، وإنما إضافة مهارات عملية تمنح الشباب القدرة على العمل والتكيف مع احتياجات المرحلة الجديدة. فالدول الخارجة من الحروب لا تُبنى بالمكاتب وحدها، بل تبنى أيضاً بالأيدي الماهرة التي تعيد الكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات والحياة اليومية للناس.
السودان بعد الحرب سيحتاج إلى جيش من الفنيين والمهنيين أكثر مما سيحتاج إلى الخطابات والشعارات. سيحتاج إلى كهربائي يعيد النور للأحياء، وسباك يصلح شبكات المياه، وفني تبريد يحافظ على الأدوية والأغذية، وممرض يقدم الرعاية للأسر، وشباب قادرين على تشغيل الورش والمشروعات الصغيرة. هذه ليست أعمالاً هامشية كما ظلت النظرة الاجتماعية القاصرة تصورها لسنوات، بل هي أعمدة الاقتصاد الحقيقي في المجتمعات التي تريد النهوض من تحت الركام.
المشكلة الأكبر ليست في المهن نفسها، وإنما في الثقافة التي رسخت لفكرة أن النجاح يعني الجلوس خلف مكتب، وأن العمل اليدوي أقل قيمة من العمل المكتبي. هذه النظرة ساهمت في إضعاف التعليم الفني والمهني، حتى أصبحت الجامعات تخرج آلاف الشباب إلى بطالة مقنعة، بينما يظل السوق محتاجاً إلى مهارات عملية نادرة.
الحرب كشفت بوضوح أن المجتمعات لا تعيش بالشهادات وحدها، وإنما بالقدرة على الإنتاج والعمل والتكيف مع الظروف القاسية.
ومن المؤلم أن كثيراً من الشباب السوداني اليوم يحملون شهادات جامعية لكنهم لا يمتلكون مهارة تمكنهم من تأمين دخل سريع أو بدء مشروع بسيط أو مواجهة تقلبات الحياة. لذلك فإن إضافة مهارة عملية إلى التعليم الأكاديمي قد تكون الفارق بين أسرة مستقرة وأسرة تسقط في دائرة الفقر والعوز. ليس انتقاصاً من الجامعي أن يتقن الكهرباء أو صيانة الطاقة الشمسية أو الإسعافات الأولية أو إدارة مشروع صغير، بل إن العالم الحديث نفسه أصبح يقوم على تعدد المهارات لا على التخصص الجامد.
إن أخطر ما بعد الحروب ليس الدمار المادي وحده، بل الإحباط الجماعي الذي يصيب الشباب عندما يشعرون بأن المستقبل مغلق أمامهم. البطالة الطويلة تخلق بيئة خصبة للجريمة والعنف والانحراف والهجرة غير الشرعية والانهيار النفسي. أما حين يمتلك الشاب مهنة أو مهارة، فإنه يمتلك شيئاً أكبر من الدخل؛ يمتلك الإحساس بالقيمة والقدرة والكرامة والاستقلال.
لقد وفرت ظروف النزوح نفسها فرصة ربما لم تكن متاحة من قبل، خاصة في مصر، حيث توجد مراكز تدريب مهني متطورة وخبرات واسعة يمكن أن يستفيد منها السودانيون في هذه المرحلة الدقيقة. والاستثمار الحقيقي اليوم لا ينبغي أن يكون فقط في تنظيم رحلات العودة، وإنما في إعداد العائدين ليعودوا وهم يحملون أدوات إنتاج لا مجرد حقائب سفر.
الصورة التي يحتاجها السودان اليوم ليست مجرد عودة النازحين إلى بيوتهم، بل عودة جيل جديد أكثر قدرة على البناء والعمل والإنتاج. جيل لا ينتظر الوظيفة، بل يصنع فرصته بيده وعلمه ومهارته. فالأمم التي تنهض بعد الحروب لا تفعل ذلك بالعاطفة وحدها، وإنما بالإنسان المؤهل القادر على تحويل الألم إلى طاقة بناء، والخراب إلى بداية جديدة.




