بالدولار تُقتطع… وبالجنيه تتآكل : عامل بالمنظمات الدولية يفجّر ملف التأمينات عبر (العودة)

قضية مظلمة تستنزف مدخرات العاملين

فجّر عامل في قطاع المنظمات الدولية بالسودان ملف استقطاعات التأمينات الاجتماعية للعاملين بالعملة الصعبة، كاشفاً في حديثه لـ«العودة» عما وصفه بـ«مظلمة مالية» تتعلق بكيفية خصم وصرف استقطاعات التأمينات التي تُقتطع بالدولار على مدى سنوات، قبل أن تُعاد لاحقاً بالجنيه السوداني وفق أسعار صرف قديمة.

وأشار إلى أن ما يرويه لا يخصه وحده، بل يفتح بحسب وصفه ملفاً أوسع يشمل عدداً من العاملين في قطاع المنظمات الدولية الذين يخضعون لنظام الاستقطاعات ذاته، ويواجهون الإشكاليات نفسها في التسوية والصرف.

وفي المقابل، استنطقت «العودة» خبراء مصرفيين وقانونيين لفهم طبيعة الإجراءات المتبعة، وما إذا كانت تمثل ممارسة مصرفية طبيعية تحكمها القوانين والسياسات النقدية، أم أنها تعكس خللاً هيكلياً أوقع ضرراً فعلياً بالعاملين الذين تُخصم استقطاعاتهم بالعملات الأجنبية.

موظف سابق: «بيخصموا مني بالدولار… وبيرجعوا لي قيمته كأنه الزمن ما اتغير»

«خسرت ما يقارب نصف مستحقاتي بسبب التأخير وطريقة التسوية»

خبير مصرفي:  “السودان نموذجاً واضحاً للاختلالات الاقتصادية”

«الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي تلتهم المدخرات»

«في حالات كثيرة البنوك تحقق مكاسب من فرق سعر الصرف»

«ما يحدث مظلمة حقيقية في ظل التضخم والانهيار النقدي»

دعوة عاجلة لتعديل قانون التأمينات والضمان الاجتماعي لحماية مدخرات العاملين من التآكل

مستشار قانوني: «فقدان 80% من القيمة الشرائية يُبطل الغاية من نظام التأمينات»

«السياسات الحالية تُفقد مدخرات العاملين قيمتها الحقيقية»

العودة: نشوة أحمد الطيب 

خصومات بالدولار

كشف موظف سابق بإحدى المنظمات الدولية العاملة في السودان في إفادة مطولة لـ«العودة»، عما وصفها بـ«مظلمة مالية كبيرة» تواجه العاملين الذين يتقاضون أجورهم بالعملة الصعبة، بسبب طريقة خصم واسترداد استقطاعات التأمينات الاجتماعية.

وقال الموظف إنه عمل لسنوات طويلة في إحدى المنظمات، وكانت التأمينات الاجتماعية تستقطع بصورة شهرية ما يعادل 25% من راتبه. وأضاف: «أنا كنت أتقاضى راتباً شهرياً قدره 2000 دولار، وكانت التأمينات تخصم مني شهرياً 500 دولار تدخل في حساباتهم بصورة منتظمة».

وأوضح أن المنظمة كانت تقوم بتحويل المبالغ المستقطعة بالدولار، غير أن المشكلة بحسب وصفه تبدأ عند طريقة توريد تلك الأموال واحتسابها لاحقاً للمستفيدين.

صدمة الاستحقاقات

وأشار الموظف إلى أنه أنهى خدمته في المنظمة   وعندما توجّه لاستخراج مستحقاته من التأمينات الاجتماعية فوجئ بطريقة احتساب الأموال.

وقال: «لما مشيت للتأمينات لقيتهم بيحسبوا لي القروش بالجنيه السوداني وفق سعر الدولار الرسمي وقت الخصم، وليس وفق قيمته الحالية أو باعتبار أن الاستقطاع أصلاً تم بالدولار».

وأضاف أن الأموال التي خُصمت منه في عام 2020 حين كان سعر الدولار الرسمي في حدود 100 جنيه، يجري احتسابها الآن بذات السعر القديم رغم الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه السوداني.

وأوضح الأمر بمثال رقمي قائلاً: «لو افترضنا أنهم خصموا مني في سنة 2020 ما يعادل 2000 دولار، فإنهم اليوم يعيدونها لي بسعر 100 جنيه للدولار، أي حوالي 200 ألف جنيه سوداني فقط، بينما هذه القيمة حالياً لا تعادل سوى نحو 50 دولاراً تقريباً».

خسائر متراكمة

وأشار الموظف إلى أن الخسائر لا تتوقف عند عام واحد، بل تتراكم مع كل السنوات التي تغير فيها سعر الصرف بصورة كبيرة.

وقال: «في السنوات التالية ارتفع الدولار إلى 300 جنيه، وكانت هناك استقطاعات أكبر. مثلاً في إحدى السنوات خُصم مني ما يعادل 6000 دولار، لكنهم يحتسبونها اليوم بسعر 300 جنيه للدولار، بينما القيمة الحالية لهذه المبالغ تعادل نحو 24 مليون جنيه سوداني لو بقيت بالدولار».

وأضاف أن الفجوة بين القيمة الفعلية للأموال وقت الخصم وقيمتها عند الاسترداد أصبحت «هائلة»، بسبب انهيار سعر صرف الجنيه خلال السنوات الماضية.

آلية التحويل

وبحسب إفادته، فإن المنظمات تقوم بتحويل استقطاعات العاملين للبنوك بالدولار، لكن هذه الأموال وفق حديثه تُحوَّل بعد ذلك إلى الجنيه السوداني بالسعر الرسمي قبل توريدها إلى التأمينات الاجتماعية.

تأخير طويل

ولم تتوقف شكوى الموظف عند فروقات سعر الصرف فقط، بل امتدت بحسب حديثه إلى التأخير الطويل في صرف المستحقات بعد انتهاء الخدمة.

وأوضح أنه غادر عمله في مارس 2025، عندما كان سعر الدولار في السوق الموازية يتراوح بين 2400 و2450 جنيهاً، إلا أن مستحقاته لم تُصرف حتى الآن.

وقال: «أنا تقريباً براجع التأمينات بصورة مستمرة، وفي كل مرة ألقى أعذاراً مختلفة؛ مرة بسبب الشبكة، ومرة بسبب الكهرباء، ومرة لأن المعاملة لم تكتمل أو الورق غير موجود».

وأضاف أن سعر الدولار ارتفع حالياً إلى ما بين 4120 و4250 جنيهاً، ما يعني بحسب تقديره أن قيمة أمواله فقدت ما يقارب 45% من قدرتها الشرائية بسبب التأخير.

وأوضح قائلاً: «لو كنت استلمت مستحقاتي في 2025 وقت ما كان الدولار بـ2450 جنيه، كان ممكن أستفيد من قيمتها بصورة أفضل، لكن الآن لو استلمتها وحولت المبلغ إلى دولار سأشتري الدولار بسعر يتجاوز 4200 جنيه».

اتهام مباشر

وطرح الموظف تساؤلات بشأن الجهة المستفيدة من فروقات سعر الصرف الناتجة عن تحويل الأموال من الدولار إلى الجنيه السوداني بالسعر الرسمي.

وقال إن المنظمات تقوم بحسب إفادته بتحويل استقطاعات العاملين إلى بنك الخرطوم بالدولار، قبل أن يجري تحويلها إلى الجنيه السوداني بالسعر الرسمي عند توريدها للتأمينات الاجتماعية.

وأضاف: «نحن نرى أن فرق العملة الناتج من هذه العملية تستفيد منه البنوك، وعلى رأسها بنك الخرطوم، لأن الأموال تُسلَّم له بالدولار ثم تُحوَّل بالجنيه السوداني بالسعر الرسمي».

وأشار إلى أن المشكلة بحسب رأيه لا تتعلق بالتأمينات الاجتماعية نفسها بقدر ما تتعلق بالآلية المصرفية المعتمدة في تحويل الأموال.

وأكد الموظف أن القضية لا تخصه وحده، بل تشمل آلاف العاملين الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار في المنظمات الدولية والشركات والمؤسسات المختلفة.

مطالب العاملين

ودعا الموظف الجهات المختصة إلى مراجعة الآلية الحالية وإعادة مستحقات العاملين بذات العملة التي خُصمت بها. وختم حديثه بالقول: «أكثر ما يزعجنا أن هذه الفروقات الضخمة لا يستفيد منها العامل أو صندوق التأمينات، وإنما تذهب فائدتها بحسب ما نعتقد إلى البنوك، بينما يتحمل الموظف وحده الخسارة».

 

أصل الأزمة..

وبينما يوجّه عدد من العاملين المتضررين انتقادات حادة للبنوك التجارية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها بنك الخرطوم، باعتبارها وفق إفاداتهم المستفيد الأكبر من فروقات سعر الصرف الناتجة عن تحويل الاستقطاعات من الدولار إلى الجنيه السوداني، يرى خبراء مصرفيون أن أصل المشكلة أكثر تعقيداً، ويرتبط بصورة أساسية بالبنية القانونية والتنظيمية لصندوق الضمان الاجتماعي وآليات استثمار أموال المؤمن عليهم، إلى جانب تأثيرات التضخم والانهيار المستمر في قيمة العملة المحلية.

 

(قراءة مصرفية).

الإطار القانوني والتنظيمي

قال الخبير المصرفي والمختص في التمويل الريفي والتنمية المستدامة، الدكتور دفع الله عبد الكريم في حديثه لـ«العودة»، إن ملف استقطاعات التأمينات الاجتماعية الخاصة بالعاملين الذين يتقاضون أجورهم بالعملات الأجنبية تحكمه جملة من القوانين والسياسات النقدية، تبدأ بقانون المعاشات والتأمينات الاجتماعية، وتمتد إلى المنشورات والسياسات الصادرة عن بنك السودان المركزي.

وأوضح أن قانون المعاشات والتأمينات الاجتماعية المُجاز في عام 2016 هو الذي ينظم العلاقة بين المؤمن عليهم وصندوق الضمان الاجتماعي، بينما يتولى البنك المركزي تنظيم حركة النقد الأجنبي داخل الجهاز المصرفي، خاصة فيما يتعلق بالمنظمات الدولية والبعثات الأجنبية التي تدفع أجور العاملين بالنقد الأجنبي.

وأضاف: «المدفوعات، ومن ضمنها اشتراكات صندوق الضمان الاجتماعي، تتم وفق ضوابط خاصة بحركة وتبادل النقد الأجنبي داخل القنوات المصرفية الرسمية، لأن بنك السودان يمنع استخدام العملات الأجنبية خارج النظام المصرفي».

وأشار إلى أن العاملين في المنظمات الدولية يندرجون ضمن القطاع الخاص، وبالتالي تُحتسب اشتراكاتهم التأمينية وفق قانون صندوق الضمان الاجتماعي وبناءً على الأجور المنصوص عليها في عقود العمل.

عقود بالعملة الأجنبية

وبيّن الدكتور دفع الله أن طبيعة العقود والاتفاقيات الموقعة بين المنظمات الدولية والدولة السودانية تلعب دوراً أساسياً في طريقة دفع المرتبات والاستقطاعات.

وقال إن بعض المنظمات، وعلى رأسها منظمات الأمم المتحدة، تنص اتفاقياتها مع السودان على دفع المرتبات والمدفوعات بالنقد الأجنبي بصورة مباشرة، مع خضوع حركة الأموال للضوابط التي يضعها البنك المركزي.

وأضاف أن هناك نوعاً آخر من المنظمات تُوقَّع فيه العقود بالعملة الأجنبية، لكن عند الصرف يتم السداد بالجنيه السوداني وفق سعر الصرف المعتمد وقت الدفع.

وأوضح أن هذه الإجراءات تستند إلى المعيار المحاسبي الدولي «آيس 21» (IAS 21)، الذي ينظم التعاملات بالعملات الأجنبية ويحدد كيفية إثبات المعاملات المالية وأسعار الصرف المستخدمة فيها.

من يحدد سعر الصرف؟

وأوضح الخبير المصرفي أن التأمينات الاجتماعية ليست جهة مختصة بتحديد أسعار العملات.

وقال: «سعر الصرف تحدده بصورة أساسية آليات العرض والطلب أو ما يُعرف بتحرير السوق، إلى جانب الضوابط والمنشورات التي يصدرها البنك المركزي لضبط الاستقرار النقدي».

وأضاف أن البنك المركزي قد يتدخل أحياناً بوضع سعر تأشيري يستند إلى متوسطات التداول للحد من التقلبات الحادة، خاصة في ظل الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي.

علاقة البنوك بالمؤمن عليهم

وشدد الدكتور دفع الله على أن العلاقة القانونية المباشرة للبنوك ليست مع المؤمن عليهم، وإنما مع صندوق الضمان الاجتماعي باعتباره عميلاً مصرفياً.

وقال: «العلاقة بين البنوك وعملائها هي علاقة قانونية وخدمية، بينما يُعد صندوق الضمان الاجتماعي أحد عملاء الجهاز المصرفي، وكل معاملاته تتم وفق الضوابط والأسس المصرفية».

وأضاف أن البنوك لا تتدخل في العلاقة القانونية بين المؤمن عليه والصندوق، موضحاً أن الصندوق هو الجهة التي تحدد أوامر السداد والعملة المستخدمة في الدفع وفقاً للأرصدة الموجودة بحساباته.

وتابع: «الصندوق هو الذي يحدد للبنك من أي حساب تُدفع الأموال، سواء كانت بالنقد الأجنبي أو بالعملة المحلية، وبالتالي فإن العلاقة الأساسية تبقى بين المؤمن عليه وصندوق الضمان الاجتماعي».

هل تحقق البنوك مكاسب؟

ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت البنوك تحقق أرباحاً من فروقات سعر الصرف، أقر الخبير المصرفي بأن ذلك يحدث فعلاً في كثير من الحالات.

وقال: «في حالات كثيرة يمكن للبنوك التجارية تحقيق مكاسب من فرق سعر الصرف، وبالتالي فالأمر لا يُعد مجرد إجراء محاسبي أو تنظيمي فقط».

لكنه عاد وأكد أن هذه المسألة لا تلغي أن أساس الإشكال القانوني يبقى مرتبطاً بطريقة إدارة العلاقة بين المؤمن عليهم وصندوق الضمان الاجتماعي.

تآكل المدخرات

وأكد الدكتور دفع الله أن الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي للدولار وسعر السوق الموازي تؤدي عملياً إلى تآكل القيمة الحقيقية للمدخرات والدخول، خاصة في الاقتصادات التي تعاني من التضخم وضعف الإنتاج وشح العملات الأجنبية.

وقال إن السودان يُعد نموذجاً واضحاً لهذه الاختلالات الاقتصادية، مضيفاً أن استمرار التضخم وتراجع قيمة الجنيه السوداني يؤديان إلى فقدان المدخرات المقومة بالعملة المحلية لجزء كبير من قيمتها الشرائية.

وأضاف: «أي مدخرات تُحفظ بالجنيه السوداني في ظل هذه الظروف الاقتصادية تكون معرضة للتآكل بصورة كبيرة، وربما تفقد قيمتها بشكل شبه كامل مع مرور الوقت».

الاحتفاظ بالدولار

ورأى الخبير المصرفي أن الاحتفاظ بأموال التأمينات مقومة بالدولار أو بالعملة الأجنبية أكثر عدالة للمؤمن عليهم وللصندوق نفسه.

وقال: «حفظ الأموال بالدولار يساعد على حماية قيمتها الحقيقية من التضخم وتدهور الجنيه السوداني، بينما تحويلها مباشرة إلى العملة المحلية يجعلها عرضة لفقدان القوة الشرائية مع ارتفاع الأسعار وانخفاض سعر الصرف».

وأضاف أن الحفاظ على الأموال بالنقد الأجنبي من شأنه أن يساعد الصندوق أيضاً على الوفاء بالتزاماته تجاه المؤمن عليهم بصورة أكثر عدالة واستقراراً.

هل توجد مظلمة حقيقية؟

وفيما يتعلق بما إذا كانت شكاوى العاملين تمثل مظلمة حقيقية أم مجرد نتيجة طبيعية للأوضاع الاقتصادية، قال الدكتور دفع الله إن العاملين «يعانون بالفعل من مظلمة حقيقية».

وأوضح أن هذه المظلمة لا ترتبط مباشرة بالسياسات النقدية أو بعمل الجهاز المصرفي، وإنما بطريقة إدارة واستثمار أموال صندوق الضمان الاجتماعي وآلية رد المستحقات للمؤمن عليهم.

وأضاف: «في ظل التضخم والانهيار المستمر في قيمة العملة المحلية، فإن استرداد الأموال بعد سنوات طويلة بالجنيه السوداني يؤدي عملياً إلى فقدان جزء كبير من قيمتها الحقيقية».

وأشار إلى أن الأموال المستقطعة من العاملين تُستثمر خلال السنوات التي تبقى فيها لدى الصندوق، إلا أن المؤمن عليهم بحسب وصفه لا يلمسون أثراً مباشراً لهذه الاستثمارات عند استلام مستحقاتهم.

وقال: «هذه الأموال تُستثمر، لكن في النهاية تُعاد للمؤمن عليهم بعد سنوات طويلة وقد فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية».

أين تكمن المشكلة؟

واعتبر الدكتور دفع الله أن أساس الأزمة يكمن في البنية القانونية والتنظيمية الحالية لصندوق الضمان الاجتماعي، وليس في الجهاز المصرفي وحده.

وقال إن المعالجة الحقيقية يجب أن تبدأ من مراجعة شاملة للقانون المنظم للصندوق، بما يضمن حماية أموال المؤمن عليهم من آثار التضخم وتقلبات سعر الصرف.

وأضاف أن هناك حاجة إلى تطوير آليات عادلة وشفافة لاستثمار أموال الصندوق بما ينعكس بصورة مباشرة على المستفيدين.

وتابع: «المفترض أن يستفيد المؤمن عليهم من الأرباح والعوائد الناتجة عن استثمار هذه الأموال، سواء عبر مشاريع مدرة للدخل أو عبر مزايا وخدمات تحفظ القيمة الحقيقية لمدخراتهم».

تجارب مقارنة

وأشار الخبير المصرفي إلى أن بعض الدول التي واجهت تقلبات اقتصادية حاولت تطوير آليات لحماية أموال المؤمن عليهم.

واستشهد بالتجربة المصرية، موضحاً أن هيئة التأمينات الاجتماعية في مصر تقدم مزايا وخدمات متعددة للمؤمن عليهم، تشمل برامج إسكانية ومشروعات استثمارية وامتيازات أخرى تساعد في تخفيف آثار تقلبات الأسعار والتضخم.

وأضاف أن السودان بحاجة إلى مراجعة مماثلة للضوابط والقوانين بما يواكب التغيرات الاقتصادية الحادة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

مسؤولية المعالجة

وحمل الدكتور دفع الله المسؤولية الأساسية للجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي، باعتباره الجهة المختصة بإدارة واستثمار أموال الصندوق باعتباره مسؤول عن توظيف أموال المؤمن عليهم في مشروعات مربحة ومنتجة تنعكس آثارها بصورة مباشرة على أصحاب الحقوق أنفسهم. وأضاف أن أي خلل هيكلي أو قانوني في هذا الجهاز يتطلب مراجعة وإعادة هيكلة بما يخدم المؤمن عليهم ويحفظ حقوقهم.

كما أشار إلى دور وزارة العدل في مراجعة القوانين ومعالجة أي نصوص أو آليات قد تؤدي إلى الإضرار بالمستفيدين.

دعوة لتعديل القانون

واختتم الدكتور دفع الله حديثه بالتأكيد على أن الحل الجذري لهذه الإشكالية يكمن في تعديل قانون التأمينات والضمان الاجتماعي.

وقال إن المطلوب هو إدخال تعديلات واضحة تضمن حماية حقوق العاملين الذين تُخصم استقطاعاتهم بالعملات الأجنبية، بما يراعي تقلبات سعر الصرف ويحفظ القيمة الحقيقية لمدخراتهم ومستحقاتهم المستقبلية.

مخالفة قانونية

قال المستشار القانوني الدكتور عثمان عبد الوهاب، في حديثه لـ«العودة»، إن استقطاع أموال التأمينات بالعملة الصعبة ثم سدادها لاحقاً بالجنيه السوداني وفق أسعار صرف قديمة يُعد – من الناحية القانونية – «إخلالاً تعاقدياً»، لأنه يفرغ القيمة الحقيقية للمستحقات من مضمونها الفعلي.

وأوضح أن العامل عندما تُستقطع منه أموال بالدولار أو بأي عملة أجنبية، فإن الجهة التي تتولى حفظ أو إدارة هذه الأموال تصبح قانونياً ملزمة بالحفاظ على قيمتها الحقيقية وقت الاسترداد.

وأكد الدكتور عثمان عبد الوهاب أن ما يحدث «ليس إجراءً قانونياً طبيعياً»، بل يمثل بحسب وصفه «إخلالاً صريحاً بالحقوق المالية للمؤمن عليهم».

وأضاف أن قانون العمل السوداني يقوم في الأساس على حماية أجر العامل ومستحقاته من أي إجراءات أو تسويات تؤدي إلى إنقاص قيمتها الحقيقية.

وأوضح أن اعتماد أسعار صرف قديمة في ظل التضخم والانهيار المستمر للعملة المحلية يؤدي عملياً إلى فقدان ما بين 80% إلى 90% من القيمة الشرائية لأموال العامل، وهو ما يتعارض بحسب قوله مع فلسفة النصوص الحمائية الواردة في قانون العمل.

إفراغ التأمينات من معناها

ورأى المستشار القانوني أن أموال التأمينات الاجتماعية تُعد «حقوقاً معلقة» ذات طبيعة ادخارية واستثمارية، جرى اقتطاعها لضمان مستقبل العامل وتأمين حد معقول من الاستقرار المعيشي بعد انتهاء الخدمة.

وأضاف أن إعادة هذه الأموال بمبالغ زهيدة لا تواكب القيمة الحقيقية للنقد الأجنبي «يفرغ نظام التأمينات من الغاية التي شُرع من أجلها»، خاصة إذا أصبحت المستحقات غير قادرة على تغطية الحد الأدنى من تكاليف المعيشة.

تعديل القانون

وأكد المستشار القانوني أن تعديل قانون التأمينات والضمان الاجتماعي يُعد «حلاً جذرياً من الناحية النظرية والتنظيمية»، لكنه شدد على أن التعديل وحده لن يكون كافياً ما لم يصاحبه إصلاح هيكلي ومصرفي شامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى