دار حامد.. حين يُطلب من الضحية أن تموت بصمت..

الهلالية-السريحة-ودالنورة..ثم أم سعدون والمرة..صنوبر
كيف أصبح الضحايا متهمين بينما يقف المعتدون خارج دائرة المساءلة؟.
■ المأساة المزدوجة: هجوم المليشيا على القرى.. وهجوم الخطاب السياسي على الضحايا..
■ المليشيا تعترف بالعملية وتربطها بمعركة الأبيض.. فعمّ يتحدث دعاة “الحياد” بعد الآن؟!!
■ من يحمي المدنيين والدولة غائبة والمجتمعات ممنوعة من الدفاع عن نفسها؟..
■ دار حامد اليوم.. وإن لم تُوقف المليشيا هنا فستتكرر المأساة في كل مكان..
تقرير تحليلي/ علم الدين عمر
لعل أخطر ما أنتجته الحرب السودانية الحالية عقب تمرد مليشيا منتصف أبريل 2023.. أنها لم تكتف بمحاولة تغيير خرائط السيطرة العسكرية والسياسية.. بل حاولت التدخل في إعادة ضبط البوصلة الأخلاقية المفضية لتعريف الضحية نفسها..
هذا بالضبط ما تكشفه أحداث قري بارا ومناطق دار حامد الأخيرة..
فبينما كانت القرى تتعرض للهجوم والنهب والترويع.. إنشغلت بعض الأصوات السياسية والناشطين بطرح سؤال أكثر غرابة.. لماذا لم تلتزم تلك المجتمعات الحياد؟..
وكأن المشكلة لم تعد في القوة المسلحة التي هاجمت المواطنين داخل مناطقهم..بل في المواطنين أنفسهم الذين واجهوا الخطر مباشرة..
هذه ليست مجرد قراءة خاطئة للأحداث..هذا إنقلاب كامل على المنطق السياسي والأخلاقي والإنساني..
فالحياد قيمة نبيلة حين تكون قواعد المعركة الأخلاقية قادرة على حماية المحايدين..لكنه يتحول إلى وصفة للإستباحة عندما يُطلب من الناس مواجهة الموت وهم مجردون من حق الدفاع عن النفس..
الإعتراف الذي أسقط كل الأقنعة..
منذ اندلاع الحرب ظلت بعض الخطابات السياسية تسعى إلى إضفاء قدر من الضبابية على كثير من الوقائع الميدانية.. غير أن ما حدث في دار حامد تجاوز هذه المنطقة الرمادية تماماً..
فالمليشيا نفسها لم تنكر الهجوم..ولم تحاول التنصل منه.. بل ذهبت أبعد من ذلك حين قدمته باعتباره جزءاً من عمليات تمهد لمعركة أكبر باتجاه مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان..
وبذلك سقطت واحدة من أهم الفرضيات التي ظلت تتردد طوال الأشهر الماضية..
إذا كانت القوة المهاجمة نفسها تعلن مسؤوليتها عن العملية وتربطها بخططها العسكرية.. فما الذي يدفع بعض الأصوات إلى الإنشغال بمحاكمة المجتمعات المحلية بدلاً من إدانة المعتدين؟..
وإذا كانت المناطق المستهدفة قد أصبحت جزءاً من مسرح العمليات العسكرية باعتراف المليشيا نفسها.. فكيف يمكن مطالبة سكانها بالحياد المطلق بينما تتحرك الحرب نحو أبواب منازلهم؟..
إن أخطر ما في بعض الخطابات السياسية الراهنة أنها تتعامل مع المدنيين باعتبارهم مطالبين بدفع ثمن الحرب وحدهم..بينما لا تطالب القوة المهاجمة بأي إلتزامات مماثلة..
نظرية الإستباحة تحت غطاء الحياد..
خلال الأشهر الماضية جرى تسويق خطاب واسع تحت عنوان تحييد القبائل والمجتمعات المحلية من قبل القوي السياسية الموالية للمليشيا..في ظاهره يبدو هذا الخطاب منطقياً ومقبولاً.. لكن الوقائع الميدانية كشفت خللاً جوهرياً داخله..
فالحياد لا يمكن أن يكون إلتزاماً من طرف واحد..طرف الضحية..
ولا يمكن مطالبة المجتمعات المحلية بإلقاء وسائل الحماية والدفاع بينما تستمر الهجمات عليها..
كما لا يمكن مطالبة السكان بالوقوف في المنطقة الرمادية بين الحياة والموت بينما تتحرك المليشيات المسلحة في محيطهم..
في التجارب الإنسانية كافة..لم يكن الدفاع عن النفس جريمة..ولم يكن التمسك بالأرض جريمة..ولم تكن مقاومة الأعتداء جريمة..
الجريمة الحقيقية هي تحويل المجتمعات المستهدفة إلى أهداف سهلة ثم مطالبتها بالصمت..
هنا تكمن الخطورة الكبرى لبعض الحملات السياسية والإعلامية التي تبدو بقصد أو بغير قصد.. وكأنها تمنح المعتدي إمتياز الحركة وتمنع الضحية من حق النجاة..
أين اختفى الغضب الأخلاقي؟..
المشهد الأكثر إثارة للأسئلة هو الصمت الذي صاحب هذه الأحداث..
فكثير من القوى السياسية التي اعتادت إصدار البيانات وإطلاق الإدانات في قضايا أخرى بدت أقل حماساً عندما تعلق الأمر بقرى دار حامد ومناطق بارا..
وهذا الصمت ليس مجرد موقف سياسي عابر..
إنه مشكلة أخلاقية في المقام الأول..
فحقوق المدنيين لا تخضع للجغرافيا..
والإدانة لا ينبغي أن ترتبط بالإنتماءات السياسية..
والضحايا لا يفقدون صفتهم كضحايا بسبب مواقعهم الإجتماعية أو القبلية أو الجغرافية..
ولذلك فإن أي موقف إنتقائي تجاه الإنتهاكات يضعف مصداقية الخطاب الحقوقي والسياسي بأكمله..
نسور الجو يبعثون رسالة الردع..
في ذروة هذه التطورات جاءت الضربة الجوية التي نفذها سلاح الجو السوداني..والتي نجحت في القضاء على كامل القوة المهاجمة وتدمير اثنتين وعشرين عربة قتالية بطواقمها..
الأهمية الحقيقية لهذه العملية أنها أعادت التأكيد على حقيقة كثيراً ما جرى تجاهلها خلال هذه الحرب.. أن المليشيات تتقدم عندما تغيب قوة الردع..وتتراجع عندما تواجه إرادة قتالية حاسمة..ينادي بها المواطن المغلوب علي أمره..
كما أن العملية حملت رسالة معنوية لا تقل أهمية عن بعدها العسكري..مفادها أن المجتمعات المحلية يجب ألا تترك لمصيرها في مواجهة المحاولات المستميتة لتحييد المجتمعات المحلية عن المعركة بكل السبل..وأن الدولة ما تزال تملك القدرة على التأثير عندما تتخذ قرار التحرك..
ما بعد دار حامد
الخطأ الأكبر الذي يمكن إرتكابه الآن هو التعامل مع ما جرى باعتباره حادثة محلية محدودة..
فدار حامد ليست القضية..
القضية هي الفكرة التي كشفتها الأحداث..
فإذا أصبح من المقبول مهاجمة القرى ثم مطالبة سكانها بالحياد..فإن هذا النموذج يمكن أن يتكرر في أي منطقة أخرى..
وإذا أصبح المعتدى عليه مطالباً بتبرير تعرضه للاعتداء.. فإن المجتمع كله يصبح أمام سابقة خطيرة تهدد مفهوم الدولة نفسه..
ولهذا فإن المطلوب اليوم يتجاوز إصدار بيانات الإدانة..
المطلوب تحرك عسكري وأمني أكثر فاعلية..وتجديد برامج الإستنفار والتعبئة العامة.. وتعزيز الوجود الحكومي في المناطق المهددة.. وبناء خطاب إعلامي قادر على حماية الوعي الوطني من محاولات قلب الحقائق..
إن معركة دار حامد ليست مجرد مواجهة ميدانية انتهت بتدمير قوة مهاجمة.. إنها اختبار سياسي وأخلاقي كامل للسودان..
واختبار كهذا لا يطرح سؤالاً واحداً حول قدرة الدولة على حماية مواطنيها فحسب..بل يطرح سؤالاً أكثر خطورة.. كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها البعض يطالب الضحية بإثبات براءتها..بينما يقف المعتدي خارج قفص الاتهام؟..
ذلك هو السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً بعد أن تهدأ أصوات المدافع..لأنه السؤال الذي سيحدد شكل السودان الذي سيولد من رحم هذه الحرب..



