الحكومة تُمسك بصنبور الوقود
استيراد الوقود قرار أم تكرار ؟

مجلس الوزراء يُحوّل ملف الوقود من خدمة إلى أمن قومي.. وتساؤلات حول الجديد في ظل وجود شركتي النيل وقادرة
حين تُقرر الدولة أن تُمسك بصنبور الوقود بيدها مباشرة فهي لا تتخذ قراراً اقتصادياً فحسب بل تُعلن موقفاً سياسياً من طبيعة دورها في السوق. هذا ما فعله مجلس الوزراء بعد ظهر أمس الجمعة، حين أصدر قراره بدخول الحكومة مستوردةً مباشرةً للمشتقات البترولية، معللاً ذلك بضبط السوق والتحكم في سعر الصرف، وكلفت وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي تنفيذُ القرار، فيما وجّه المجلس الأجهزة الأمنية إلى اتخاذ ما يلزم لحماية الاقتصاد الوطني.
غير أن القرار لم يخلُ من تساؤل يطرح نفسه بإلحاح: فالحكومة لم تكن غائبة عن سوق الوقود أساساً، إذ تنشط فيه شركتا النيل وقادرة الحكوميتان مستوردتين للمشتقات منذ سنوات. فما الذي تغيّر؟ وما الجديد الذي يُضيفه هذا القرار فوق ما هو قائم؟ وهل يعني توسيع حصة الدولة في الاستيراد، أم إعادة هيكلة آليات السوق برمّتها؟ أسئلة لم تُجب عنها الحكومة بعد، فيما يترقب المواطن أثراً ملموساً على أسعار الوقود والسلع في حياته اليومية.
. الإعيسر: التلاعب بأسعار المشتقات وسعر الصرف تهديدٌ مباشر للأمن الوطني.. وقرار اليوم خطوة شجاعة وحاسمة
. خبير عسكري: الوقود لم يعد ملف خدمات أصبح ملف أمن قومي تماماً
. الشهيد: انقطاع إمدادات الوقود قد يمنح العدو فرصة إعادة التموضع ويُضعف قدرة الجيش على المناورة
. خبير اقتصادي: القرار معالجة اضطرارية قد تنتهي بتحول هيكلي.. والخطأ في الإدارة يُفرغه من أهدافه
. تساؤلات: شركتا النيل وقادرة تستوردان بالفعل.. فما الجديد الذي أضافه قرار مجلس الوزراء؟
. هل تمتلك الحكومة أدلة على جهات أو شبكات تقف وراء التلاعب بالأسعار؟
تقرير: نشوة أحمد الطيب

أبعد من الوقود
لم يكتفِ وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة خالد الإعيسر بوصف القرار بأنه إجراء اقتصادي إذ ذهب إلى أبعد من ذلك حين أكد أن التلاعب باستقرار العملة وأسعار المشتقات النفطية لا يمثل جشعاً اقتصادياً فحسب، وإنما يُعد تهديداً مباشراً للأمن الوطني ومحركاً رئيسياً لارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن القرار خطوة شجاعة وحاسمة من شأنها تعزيز وفرة المشتقات، والحد من الاحتكار، والمساهمة في كبح الغلاء وأوضح الإعيسر أن جلسة أمس خُصصت تحديداً للملف الاقتصادي المتعلق بالمنتجات البترولية، مؤكداً أن القرار ساري المفعول منذ صدوره.

وقود أم أمن؟
رأى العميد الركن الدكتور جمال الشهيد، الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، في حديثه لـ”العودة” أن القرار يحمل أبعاداً اقتصادية وأمنية واستراتيجية متشابكة وأنه ليس قراراً تجارياً يتعلق باستيراد الوقود فحسب، بل جزء من معركة اقتصادية لا تقل أهمية عن المعارك الميدانية، لا سيما في ظل عودة نحو خمسة ملايين مواطن إلى البلاد في إطار العودة الطوعية، مما يُضاعف الطلب على الخدمات الأساسية المرتبطة بالوقود من كهرباء ومياه ونقل.
وأشار الشهيد إلى أن توجيه مجلس الوزراء للأجهزة الأمنية بحماية الاقتصاد الوطني، بالتزامن مع دخول الحكومة في الاستيراد المباشر، يكشف عن تحول لافت في نظرة الدولة إلى ملف الوقود؛ إذ لم يعد ملف خدمات بل أصبح ملف أمن قومي بامتياز. ولفت إلى أن استمرار العمليات العسكرية في أكثر من محور يجعل الوقود عصب الحياة العسكرية والمدنية على حد سواء، فضلاً عن ارتباطه الوثيق بملفات الإغاثة الإنسانية والنقل والإنتاج الزراعي.
وحدد الشهيد ثلاث ملفات أمنية يمسها القرار في آنٍ واحد: الأمن القومي، إذ إن أي انقطاع في إمدادات الوقود قد يمنح العدو فرصة إعادة التموضع ويُضعف قدرة القوات المسلحة على المناورة؛ والأمن الاقتصادي، لأن الوقود يدخل في تكلفة كل السلع والخدمات تقريباً فيؤثر ارتفاعه مباشرة في معدلات التضخم؛ والأمن المجتمعي، إذ تُفضي أزمات الوقود المتكررة إلى توتر شعبي متراكم وتآكل في الثقة بالمؤسسات.
غير أن الشهيد نبّه إلى جملة من المخاطر التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار، في مقدمتها: الاحتكار والمضاربة في الوقود ذاته، والتهريب عبر الحدود، والتخزين بغرض خلق أزمات مصطنعة، إضافة إلى مخاطر الفساد والتسرب إلى السوق الموازية، والضغط الكبير الذي يفرضه الاستيراد الحكومي على احتياطيات النقد الأجنبي. وشدد على أن نجاح القرار يتوقف على ثلاثة عوامل محورية: توفر التمويل اللازم، وكفاءة الإدارة، وصرامة الرقابة.

ضرورة أم مخاطرة؟
على الصعيد الاقتصادي، قدّم الدكتور أحمد الشريف، الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ”العودة”، قراءة متوازنة للقرار، معتبراً إياه مزيجاً من المعالجة الاضطرارية والتحول الهيكلي في آنٍ واحد؛ فهو من جهة محاولة لكسر حلقات الاحتكار وتأمين الحد الأدنى من الإمدادات الحيوية، ومن جهة أخرى قد يؤسس على المدى البعيد لإعادة رسم دور الدولة في الاقتصاد.
وفيما يخص أثر القرار على أسعار الوقود، رأى الشريف أن السيناريو الإيجابي قائم؛ إذ قد يشهد السوق استقراراً نسبياً أو انخفاضاً مؤقتاً في الأسعار، كون الحكومة لا تسعى إلى هامش ربح مرتفع على خلاف القطاع الخاص. بيد أنه حذّر من مغبة تسعير الوقود بأقل من تكلفته الحقيقية، مؤكداً أن ذلك سيُفضي حتماً إلى نشوء سوق سوداء وانقطاع في الإمدادات حين تعجز الموازنة عن تحمّل الفارق.
أما على صعيد سوق الصرف، فأوضح الشريف أن تركيز الطلب على الدولار في جهة حكومية واحدة بدلاً من توزيعه على عشرات الشركات الخاصة قد يُخفف من حدة المضاربة على العملة في السوق الموازية. لكنه نبّه إلى أن الاستيراد الحكومي لا يُلغي الحاجة إلى النقد الأجنبي، بل ينقل عبأه كاملاً إلى البنك المركزي، محذراً من أن شُح الاحتياطيات قد يدفع نحو طباعة العملة المحلية لشراء الدولار، مما يُغذي التضخم ويُعجّل بتدهور سعر الصرف. وخلص الشريف إلى أن الخطأ في إدارة هذا الملف كفيل بتفريغ القرار من أهدافه وتحويله إلى عبء إضافي على اقتصاد يسعى إلى الاستقرار.
أسئلة بلا إجابات
غير أن القرار على أهميته لا يزال يثير تساؤلات بالغة الأهمية لم تُجب عنها الحكومة بعد فثمة غموض يكتنف الآلية الاقتصادية المباشرة التي تربط بين الاستيراد الحكومي للمشتقات واستقرار سعر الصرف، فضلاً عن التساؤل حول حجم الموارد المالية المخصصة لهذه العملية، ومدى قدرة الدولة على الاستمرار في هذا الدور دون أن يُشكّل عبئاً إضافياً على الموازنة العامة. كما يبقى السؤال مفتوحاً حول الضمانات التي تحول دون انتقال الاحتكار من القطاع الخاص إلى جهة حكومية واحدة، وكيف ستُدار عمليات الاستيراد والتوزيع بشفافية ورقابة مستقلة. ويظل المواطن في انتظار إجابة واضحة عن موعد انعكاس هذا القرار فعلياً على أسعار الوقود والسلع الأساسية، وما المؤشرات التي ستعتمدها الحكومة لقياس نجاحه.
الطاقة: ماذا تغيّر؟
وعلى مستوى وزارة الطاقة تحديداً، تبرز تساؤلات ذات طابع تقني وهيكلي لا تقل إلحاحاً. فإذا كانت شركتا النيل وقادرة تضطلعان بالفعل باستيراد المشتقات النفطية، فما الجديد الذي أضافه قرار مجلس الوزراء؟ وهل يعني القرار زيادة حصة الشركات الحكومية في الاستيراد، أم تغييراً في آليات الاستيراد والتوزيع برمّتها؟ وما الخلل الذي رصدته الوزارة في نظام المناصفة بين القطاعين العام والخاص حتى استدعى هذا التدخل؟ وهل يُعدّ القرار اعترافاً ضمنياً بإخفاق القطاع الخاص في توفير المشتقات وضبط الأسعار؟ وما النسبة المستهدفة من الاستيراد الحكومي بعد القرار مقارنةً بما كان قائماً قبله؟




