علم الدين عمر يكتب : إقالة (الغالي) واسترخاص الوطن!!..

حاجب الدهشة..
ومن (إنصرافيات) الساحة السودانية أن تنشغل..كلها..سحابة نهار الأمس بخبر إعفاء الأمين العام لمجلس السيادة الفريق محمد الغالي من منصبه وتنصرف بالكامل لتحليل (رغائبي) لهذا الإعفاء وكأنه المنقذ للبلاد من أزماتها المتناسلة بالنسبة للناغمين عليه والمعمق لهذه الأزمات من زاوية المناصرين له.. متناسية هذه الساحة (الخرقاء) الموتورة أنه وبعد سنوات من الإضطراب السياسي.. ثم الحرب التي ضربت مؤسسات الدولة والمجتمع معاً.. لم يعد التحدي الأكبر عسكرياً أو أمنياً فقط.. بل أصبح تحدياً فكرياً ووطنياً يتعلق بقدرة السودانيين على إعادة إنتاج وعيهم الجمعي.. وصياغة مشروع وطني جديد يحفظ الدولة ويؤسس للإستقرار..
لقد أرهقتنا السياسة اليومية..واستنزفتنا معارك السلطة..حتى أصبح التفكير الإستراتيجي ترفاً ينسفه تعيين فلان وإعفاء علان.. وأصبح التخطيط للمستقبل مؤجل دائماً لصالح إدارة الأزمات الطارئة..وبينما تنشئ الدول مراكز عملاقة للتفكير وتستثمر في الجامعات والبحوث والدراسات المستقبلية.. ظل السودان يعتمد على ردود الأفعال والإنفعالات الطارئة والقرارات المؤقتة..
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الدولة السودانية لن تخرج من أزمتها التاريخية عبر البيانات السياسية وحدها..وتشتيت الأنظار في زوايا (المرايا المكسورة) للإعفاء والتعيين ..فتلك كلها قضايا إنصرافية..ولا من خلال الموائد المستديرة التي تبحث عن الحد الأدنى من التوافقات.. وإنما عبر مشروع وطني متكامل يصنعه العقل السودانيون بالإرادة الوطنية..
إن الجامعات..ومراكز البحوث..ومؤسسات التخطيط الإستراتيجي.. والأكاديميين.. والخبراء..والمفكرين.. يجب أن ينتقلوا من مقاعد المشاهدة إلى مواقع الفعل والتأثير..قبلت الدولة بذلك أو رفضت.. فهذه الحرب كشفت هشاشة البنية الفكرية للدولة..وضعف المؤسسات المعنية بإنتاج المعرفة وصناعة السياسات العامة..
الأزمةلا تحتاج إلى حوار جديد بقدر ما تحتاج إلى رؤية وطنية واضحة تحدد ماهية الدولة السودانية..ومصادر قوتها..وأولوياتها الإقتصادية.. ومحددات أمنها القومي..وشكل نظامها الإداري.. وعلاقتها بمحيطها الإقليمي والدولي..
إن المطلوب ليس التوافق على الحد الأدنى..وإنما الإتفاق على الحد الأعلى من الثوابت الوطنية.. وحدة البلاد.. وسيادة الدولة..واحتكار السلاح..وعدالة التنمية..وسيادة القانون..والمواطنة المتساوية.. والحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة..فقد مضي زمان القبول بالحد الأدني..
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان بعد هذه الحرب أن ينتصر عسكرياً ويهزم فكرياً..أو أن تستعيد الدولة مؤسساتها بينما يبقى المجتمع بلا مشروع جامع وبلا بوصلة وطنية.. فقد خلقت الحرب فراغاً هائلاً..وهذا الفراغ إما أن تملأه الدولة الوطنية بأفكارها ومؤسساتها..أو تملؤه العصبيات الضيقة والمشروعات الصغيرة والإنقسامات..
إن السودان يحتاج اليوم إلى مبادرة وطنية كبرى لإعادة تشكيل الوعي الجمعي،..وتعزيز ممسكات القومية السودانية.. واستنهاض العقل الوطني لإنتاج رؤية واضحة للمستقبل.. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط معركة إستعادة المدن وإنما معركة استعادة الفكرة السودانية نفسها..
لقد إمتلأت هذه الأرض بثرثرة السياسيين وهي تحتاج الآن لفكر العقلاء أكثر..ولعمل المؤسسات لأن الأزمة أعمق وأخطر من حالة التراخي التي تنتظم المشهد..ولابد من صدمة حقيقية توقظ هذا الشعب من غفوته المتطاولة حتي لا نستقيظ ونجد انفسنا في (السهلة)..
نعود



