الجنية السوداني لا تحميه القرارات وحدها .. (القدر إن وقع.. ما بنفع الجَقليّب)

بقلم/ بكري يوسف البُر  

كلما ارتفع سعر الدولار سارعنا إلى لوم الحكومة والبنك المركزي والتجار. وقد يكون لهم نصيب كبير من المسؤولية، غير أن الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها هي أن المواطن نفسه أصبح جزءا من المشكلة، ويمكن أن يكون جزءا من الحل.

في أوقات الحرب لا تُدار الاقتصادات بالحلول المثالية، وإنما بالإجراءات الممكنة. والسؤال ليس ماذا تستطيع الحكومة أن تفعل، الواجب يحتم علينا طرح السؤال ماذا نستطيع أن نفعل نحن كمواطنين أيضا.

أول ما نحتاج إليه هو التوقف عن تحويل الدولار إلى سلعة للمضاربة. فكثير من الناس يشترون العملات الأجنبية لا لحاجة حقيقية وإنما خوفا من المستقبل. هذا السلوك مفهوم في ظروف الحرب، لكنه عندما يتحول إلى ظاهرة جماعية فإنه يرفع الطلب على الدولار ويدفع الجنيه إلى مزيد من التراجع.

وثانيا ما نحتاج إليه هو إعادة الاعتبار للإنتاج مهما كان صغيرا. فصاحب المزرعة الذي يزرع فدانا إضافيا، والمرأة التي تنتج الخبائز والأطعمة المنزلية، والشاب الذي يؤسس ورشة صغيرة، كلهم يضيفون قيمة حقيقية للاقتصاد. الأوطان لا تنهض بالموازنات العامة وحدها، وإنما بآلاف المبادرات الصغيرة التي تتراكم حتى تصبح قوة كبيرة.

أما التجار فعليهم مسؤولية وطنية وأخلاقية. فمن غير المقبول أن يرفع التاجر الأسعار كل صباح بناء على توقعات سعر الدولار لا على التكلفة الحقيقية للبضاعة الموجودة في مخازنه. هذه الممارسات تخلق موجة هلع تدفع الناس إلى التخزين، ويبدأ الجميع في الجري خلف الدولار.

وللمغتربين دور لا يقل أهمية. فبدلا من تحويل الأموال بغرض الاستهلاك فقط، يمكن توجيه جزء منها لمشروعات إنتاجية صغيرة للأسر والأقارب. إن ماكينة طحن أو ورشة نجارة أو مشروع دواجن قد يخلق دخلا دائما أفضل من المساعدات المؤقتة.

كما يمكن للمجتمعات المحلية أن تتبنى مبادرات للتكافل وتبادل المنافع وتقليل الاعتماد على النقد الأجنبي. فالقرية التي تنتج غذاءها، والمدينة التي تعتمد على منتجاتها المحلية، تكون أقل تأثرا بتقلبات الدولار.

إن الحرب علمتنا درسا قاسيا، الدولة وحدها لا تستطيع أن تحمل العبء كاملا. فكما أن الجبهة العسكرية مسؤولية مشتركة، فإن الجبهة الاقتصادية أيضا مسؤولية مشتركة.

وقد لا يستطيع المواطن إيقاف الحرب، لكنه يستطيع أن يقلل من آثارها. وقد لا يملك قرار السياسة النقدية، لكنه يملك قرار الإنتاج والعمل والاستهلاك الرشيد. وعندما يتحول ملايين المواطنين من متفرجين إلى مشاركين، يصبح استقرار الاقتصاد أقرب مما نتصور.

الجنيه لا تحميه القرارات وحدها، وإنما تحميه سواعد المنتجين، وانضباط الأسواق، وثقة الناس في أنفسهم قبل ثقتهم في الحكومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى