م. محمد عبد اللطيف هارون يكتب: ​ظلال استباحة المدن

بين فتاوى صاحب الزمان “للدراويش” و انتهاكات “الجنجويد” ، ثمة مشتركات

​يكشف تأمل الجغرافيا السياسية السودانية عن تلازم تاريخي بين صعود حركات العنف المسلح واستباحة المراكز الحضرية تحت غطاء الشعارات الإقصائية. التفتيش في دفاتر التاريخ يوضح أن الفاجعة التي عاشتها المدن السودانية التي استباحتها المليشيا المتمردة ، تمتد جذورها إلى سلوك بنيوي قديم صدم وجدان الأمة منذ قرن ونيف. ففي السادس والعشرين من يناير عام 1885، ومع سقوط الخرطوم في أيدي قوات الثورة المهدية (الأنصار)، تحول النصر العسكري وإسقاط الحكم التركي-المصري فوراً إلى حملة تصفية دموية طالت النخبة الدينية والفقهية. واجه هؤلاء العلماء الموت نتيجة رفضهم مبايعة محمد أحمد ود الفحل (المهدي) أو التنازل عن إرثهم المعرفي لصالح دعوى “المهدية” الاستعلائية، في مشهد جسّد توظيف العقيدة لتبرير الجريمة السياسية والاجتماعية.

​حفظ المؤرخ الراحل د. محمد إبراهيم أبو سليم في سفره القّيم “تاريخ الخرطوم”، تفاصيل تدمي القلوب عن مصائر أولئك العلماء الذين دفعوا دماءهم وحرماتهم ثمناً لتمسكهم بالحق. قُطعت يد الشيخ حسن المجيدي، سليل الدوحة النبوية، وهو يتلو القرآن في مصلاه، ثم نُحر بعدما أُجبر على مشاهدة انتهاك عِرض زوجه وابنته البكر بحجة أن مال الرافض للمهدية وعِرضه حلال. وتكررت الفاجعة مع الشيخ عبد الرحمن الخراساني، الذي كان مقصداً لطلاب العلم، حيث اقتحم الأنصار مسيده وأبادوا كل من احتمى به. وبذات الحقد الأيديولوجي، اغتيل الشيخ موسى مفتي المحاكم الشرعية وهو قائم يصلي، وقُتل ابنَا الشيخ شاكر مفتي الديار السودانية أمامه تشفياً قبل نحره، وتجرع قاضي قضاة السودان الشيخ محمد حتيك ذات الكأس وهو صائم في بيته، بينما سُفه علم الشيخ محمد الأمين الضرير وجرى قهر كبريائه بتولية عبد من العبيد مرشداً له، بدعوى أن المهدية نسخت كتب الدين وأسانيد المذاهب.

​هذا السلوك الدموي نبت في أصل أيديولوجيا سياسية تغسلت بقداسة دينية متطرفة. انطلقت المهدية من مظالم اقتصادية وسياسية حقيقية ضد طغيان “التركية السابقة”، بيد أنها وظفت فكرة “المهدي المنتظر” كأداة شرعية مطلقة للوصول إلى السلطة. أفرز هذا التأصيل المنحرف إلغاء المذاهب الأربعة وإحراق كتب الفقه لتصبح كلمة “صاحب الزمان” المصدر الوحيد للتشريع. تحول الرافضون للبيعة في فقه الحركة إلى كفار ومرتدين، واستُبيحت دماؤهم وأعراضهم وأموالهم كغنائم حرب. هذه المفارقة التاريخية المريرة قادت الحركة إلى تدمير منارات الفقه الإسلامي في السودان باسم إحياء الدين، محولةً النزاع السياسي حول السلطة والموارد إلى جهاد مقدس ضد المجتمع نفسه.

​حين نقرأ هذا الماضي بعيون الحاضر المثخن بالجراح منذ منتصف أبريل 2023، تتجلى مقارنة موضوعية دقيقة بين سلوك غلاة المهدية وما اقترفته قوات الدعم السريع خلال ثلاث سنوات في الخرطوم، والجزيرة، وسنار، ودارفور. يتجاوز التطابق البنيوي في السلوك العسكري حدود المصادفة؛ دخل الأنصار الخرطوم قديماً باعتبارها غنيمة مباحة، وتكرر المشهد باقتحام المليشيا المعاصرة لمنازل المواطنين وعيثها نهباً وتخريباً تحت مسمى “الشفشفة” و ايضا اعتبروها غنيمة حرب. وبالتوازي مع التنكيل بالقضاة وفقهاء الأزهر في 1885م لإفراغ المجتمع من قياداته الروحية، شهدنا من الجنجويد استهدافاً ممنهجاً وتصفية واختطافاً للأطباء، والمهندسين، وأساتذة الجامعات، وأئمة المساجد، ناهيك عن توظيف العنف الجنسي والاغتصاب كأداة كسر ممنهجة لكرامة المجتمعات، تماماً كما جرى في بيوت المجيدي والشرعي والضرير قبل أكثر من قرن.

​ينحصر الاختلاف الجوهرى بين الفترتين في المنطلق العقائدي والتركيبة التنظيمية. تحرك مقاتل المهدية الأقدم بوازع عقائدي صوفي مشوه، يندفع نحو القتال وهو يظن واهماً أنه يشتري الجنة وينصر شريعة زمانه. في المقابل، تفتقر ميليشيا الدعم السريع لأي مشروع قيمي أو أيديولوجيا دينية، وتتحرك كتجمع نفعي محكوم بالعصبية القبلية والجغرافية، وعقيدة قتالية محركها المال والغنائم والسلب المحض. يضاف إلى ذلك أن المهدية، رغم فظائعها، عملت على إقامة دولة ونظام بديل استمر لسنوات، بينما يمثل الدعم السريع حالة من السيولة والهمجية الميليشياوية الفاقدة لأي أفق سياسي، حيث ينحصر فعلها في تفكيك البنية التحتية، وإفراغ المدن، وتدمير النسيج الاجتماعي دون طرح أي بديل.

​تؤكد قراءة هذه المحطات المظلمة من تاريخ السودان تكرار المأساة نتيجة سيكولوجية ثابتة تنفجر عندما يثور “الريف الهامشي المغبون” ضد “المركز الحضري المستأثر بالثروة”، في ظل غياب كامل للمؤسسية العسكرية والضوابط الأخلاقية. عندما تمنح القوى المسلحة مقاتليها صكاً معنوياً لاستباحة المدنيين—سواء كان فتوى دينية بتكفير المجتمع في 1885م ، أو شعاراً سياسياً براقاً مثل “محاربة الفلول وهدم دولة 56” في العصر الحديث—تتطابق النتيجة الحتمية عبر العصور: مجازر مروعة، ونهب ممنهج، وانتهاك للأعراض، واستهداف لنخب الأمة، ليبقى الإنسان السوداني البسيط الضحية الدائمة لشهوة السلطة حين ترتدي عباءة البندقية المنفلتة من عقال الأخلاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى