ثم ماذا بعد الحرب؟!! (1) هل الفيدرالية السودانية هل الحل؟

لماذا نجحت دول أصغر وفشل بلد بحجم قارة؟..

الفيدرالية.. هل هي العلاج الذي خافته النخب؟..

تقرير تحليلي/علم الدين عمر 

 

هناك سؤال كبير ينتظر السودان بعد أن تضع الحرب أوزارها..بعد تمرد مليشيا الدعم السريع ونشوب الحرب في أبريل 23 هل يعود السودانيون إلى نظام الحكم ذاته الذي أنتج الأزمات المتلاحقة منذ سبعين عاماً..أم يذهبون إلى تأسيس دولة جديدة تختلف في فلسفة السلطة وتوزيع الموارد وإدارة التنوع؟..

فالحرب لن تنتهي فجأة بوقف إطلاق النار المباغت..الحرب تنتهي بإعادة تعريف الدولة نفسها..هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان..

لقد أثبتت العقود التي تلت الإستقلال.. ثم التجارب العسكرية والمدنية المتعاقبة.. أن أزمة السودان لم تكن أزمة حكومات فقط..وإنما أزمة بنية دولة.. وأزمة مركز ظل يُتهم بإحتكار السلطة والثروة والقرار بينما يعاني هو نفسه كموقع جغرافي ومكون مجتمعي وأهلي مثل بقية الأطراف التي تنتظر التنمية والخدمات والعدالة السياسية بغير تعريف منطقي واضح لها..

والحقيقة التي تفرض نفسها اليوم أن الحرب الحالية.. رغم كُلفتها الباهظة..قد تكون أول فرصة تاريخية حقيقية لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس مختلفة..

 

المركز الذي أستنزف الجميع..ودفع الثمن..

 

جُربت المركزية في السودان لعقود طويلة..وكانت النتيجة أن أصبحت الخرطوم المركز (بين المقرن وشارع القصر من الغرب للشرق وكبري الحرية وشارع النيل من الجنوب للشمال) مسؤولة بالكامل عن إدارة دولة بحجم قارة..متعددة الأعراق والثقافات والموارد.. بينما ظلت الولايات بما فيها الخرطوم نفسها تنتظر الميزانيات والقرارات والتوجيهات من هذه المساحة الجغرافية الصغيرة..

وفي كل مرة كانت الأزمات تندلع بعيداً عن الخرطوم.. قبل أن تعود آثارها إليها..

دارفور، والشرق، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وحتى أجزاء واسعة من الوسط والشمال.. قدمت جميعها أشكالاً مختلفة من الإحتجاج على اختلال توزيع السلطة والثروة..

ولذلك لم يعد السؤال..هل يحتاج السودان إلى إصلاح نظام الحكم؟

بل أصبح السؤال.. أي نظام حكم يستطيع إنقاذ السودان من إعادة إنتاج الأزمة؟

 

الفدرالية ليست تقسيماً للدولة..

 

واحدة من أكبر المغالطات السياسية التي صاحبت النقاش المفتوح هي الربط بين الفدرالية والإنفصال..

بينما تشير التجارب العالمية إلى العكس تماماً..

فالولايات المتحدة والهند وألمانيا وكندا والبرازيل والإمارات ونيجيريا..كلها اعتمدت نماذج مختلفة للحكم الفدرالي لا يقوم علي تقسيم الدولة..إنما لتعزيز وحدتها وتحقيق التنمية المتوازنة..

الفدرالية الناجحة لا تعني تعدد الدول..هي تعضد قوة تعدد مراكز التنمية والقرار والخدمة..

فالدولة القوية ليست هي التي تحتكر كل شيء في العاصمة..لأن إمتلاك أقاليم قوية قادرة على إدارة مواردها وتنمية مجتمعاتها يعتبر إختراق سياسي كبير في بنية الدولة لصالح الإدارة المتوازنة والخيارات المتكاملة..

 

لماذا نجحت دول أصغر وفشل السودان؟..

 

الهند تضم مئات اللغات والقوميات والأديان.. لكنها استطاعت عبر النظام الفدرالي أن تصبح واحدة من أكبر الإقتصادات العالمية..

وألمانيا التي خرجت من حرب مدمرة أعادت بناء نفسها عبر توزيع السلطات بين الولايات..

والإمارات العربية المتحدة..رغم محدودية المساحة مقارنة بالسودان.. منحت إماراتها سلطات واسعة أسهمت في خلق نماذج تنموية متعددة..

أما نيجيريا..التي تعاني من تنوع إثني وديني كبير..فقد أصبحت ولاياتها مراكز إنتاج ومنافسة إقتصادية مفتوحة..

بينما السودان..الذي يمتلك موارد زراعية ومعدنية ومائية وحيوانية ضخمة..لا تقل مؤهلاته عن هذه التجارب..بل ربما يتفوق عليها من حيث الإمكانات والطاقات المتجددة وغير الناضبة..

لكن ما حدث أن المركزية ظلت تعطل هذه الإمكانات لعقود طويلة..

 

السودان.. قارة تنتظر الإكتشاف..

 

الشرق يمتلك الموانئ والموارد البحرية والموقع الإستراتيجي..

والشمال يمتلك المعادن والطاقة الشمسية..

والجزيرة والوسط يمثلان قلب الإنتاج الزراعي..

وكردفان تملك الثروة الحيوانية والموارد الطبيعية..

ودارفور تمتلك الأراضي الزراعية والثروات المعدنية والأسواق الحدودية..

أما النيل الأزرق وجنوب كردفان فيمتلكان إمكانات مائية وزراعية وغابية هائلة..

لكن هذه الموارد ظلت مرتبطة بالمركز مالياً وإدارياً وسياسياً..فأصبحت الأقاليم الغنية فقيرة.. والولايات المنتجة متأخرة تنموياً..

إن الفدرالية الحقيقية يمكن أن تجعل كل إقليم مسؤولاً عن التخطيط والإستثمار والتنمية والخدمات.. بينما تحتفظ الدولة الإتحادية بملفات السيادة والدفاع والسياسة الخارجية والإقتصاد الكلي..

 

هل إنتهت صلاحية الدولة القديمة؟..

 

المؤامرة حاولت عبر الحرب أن تدمر الدولة من المركز بصورة مباشرة كتطور منطقي لتجارب شد الأطراف التي أستخدمتها من قبل ولكنها بعد أن فشلت طرحت أسئلة وجودية مهمة علي طاولة الدولة السودانية حول صلاحية النماذج القديمة..

لقد تغير المجتمع السوداني..وتغيرت الجغرافيا السكانية.. وظهرت أولويات جديدة تتعلق بالعدالة التنموية والمشاركة السياسية وإدارة الموارد..وتحديات ما يعرف (بتصفير عداد السلطة والحكم والدولة)..

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو العودة إلى الصيغ التي أنتجت الأزمة..

فالبلدان التي تخرج من المنعطفات التاريخية الكبرى مثل الحروب الوجودية لا تعود إلى الوراء.. وإنما تعيد تعريف نفسها.. حتماً.

ألمانيا فعلت ذلك بعد الحرب العالمية الثانية..

ورواندا أعادت بناء مؤسساتها بعد المأساة..

وجنوب أفريقيا أعادت صياغة عقدها الإجتماعي بعد عقود الفصل العنصري..

واليوم يقف السودان أمام لحظة مشابهة بلا شك..

 

الدولة تستعيد نفسها.. ولكن!!!

 

المؤشرات الحالية تؤكد أن مؤسسات الدولة السودانية بدأت تستعيد قدرتها على العمل..لكن استعادة الدولة لا تعني العودة إلى ما قبل الحرب..

فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إعادة تشغيل المؤسسات فقط..وإنما في إعادة التفكير في طبيعة هذه المؤسسات وشكل الدولة التي تديرها..

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني واسع لإعادة تصميم السودان الإداري والسياسي والإقتصادي..

 

البحوث قبل السياسة..

 

إن قضية الحكم ليست ملفاً حزبياً ولا قضية محاصصات ونسب مشاركة في السلطة وتقسيم الثروات..

إنها قضية علم ومعرفة وتخطيط..

السودان يحتاج اليوم إلى مراكز تفكير.. وسمنارات متخصصة.. ومؤتمرات وطنية.. وورش علمية.. ودراسات مقارنة تستفيد من التجارب الدولية..

كما تحتاج الجامعات السودانية إلى الإنخراط في إنتاج رؤى علمية حول الحكم المحلي.. وتوزيع الموارد.. والتنمية الإقليمية.. والإدارة المالية.. والتمثيل السياسي..

ويجب أن تشارك المراكز البحثية داخل السودان وخارجه في بناء تصورات واقعية تتناسب مع خصوصية السودان بتنوعه الثقافي والإقتصادي والمجتمعي عبر بناء الأفكار ودعم منظومة التخطيط الإستراتيجي الوطني..

 

فرصة قد لا تتكرر..

 

ولأن الحروب الكبرى تخلق محطات نادرة في تاريخ الأمم…

فإن الشعوب تستثمر هذه اللحظات لتؤسس دولاً جديدة أكثر قوة واستقراراً..

واليوم يقف السودان أمام مفترق طرق واضح..

إما العودة إلى المركزية التي أرهقت البلاد وأنتجت الحروب..أو الإتجاه نحو دولة أكثر عدالة وتوازناً وكفاءة وقدرة علي إدارة التنوع وتعزيز فرص التكامل.. الفدرالية بالتأكيد ليست وصفة سحرية إذ لديها تحدياتها وإفرازاتها ..لكنها قد تكون الإطار الأكثر قدرة على استيعاب التنوع السوداني وإطلاق الطاقات الإقتصادية الكامنة في الأقاليم..

وربما يكون السؤال الأهم بعد الحرب ليس..من يحكم السودان؟

بل..كيف يُحكم السودان؟

فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من نتائج أي إنتخابات..وأبقى من أي تحالف سياسي.. وأعمق أثراً من أي تسوية مؤقتة..

 

يتبع..

ثم ماذا بعد الحرب؟ (2)

الدولة المنتجة.. كيف يتحول السودان من إقتصاد الحرب إلى إقتصاد التنمية المتوازنة؟..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى