مشروع الجزيرة: موسمٌ على حافة الانهيار 

من قلب المشروع: صرخات المزارعين قبل “بذر الحبة الأولى”

المزارع يشكو غلاء التحضير وجفاف الترع.. والإدارة تعلن توفير 48 مليار جنيه

 تحديات تقنية ومالية تهدد الأمن الغذائي

​المزارعون تحت وطأة الديون وإدارة الجزيرة تبشر بعودة القطن

​موسم الرهان الأخير: هل تنجح الخطة في إنقاذ المشروع؟ 

تحقيق– هيام المغربي

قبل أن تُبذر أول حبة في الأرض، يواجه مشروع الجزيرة تحديات وجودية تهدد الموسم الزراعي الصيفي لعام 2026. فقد تعثرت عمليات التحضير بشكل حاد نتيجة الارتفاع الفلكي في تكاليف الإنتاج، ونقص الوقود الخانق، وتدهور البنية التحتية للري التي أنهكتها الحرب، مما أثار مخاوف المزارعين من فشل ذريع يلوح في الأفق قبل بدايته. وبينما تضغط الأزمات المالية على المزارعين، الذين فقدوا مدخراتهم ومواشيهم، تبرز فجوة كبيرة بين وعود إدارة المشروع بالتعافي وتوفير المدخلات وبين الواقع الميداني القاسي. يجد المزارعون أنفسهم اليوم في مواجهة خيارات صعبة، حيث توقفت الآليات عن العمل، وجفت الترع، وبات تأمين الموسم مطلباً وطنياً عاجلاً لتجنب كارثة أمن غذائي تلوح نذرها، في ظل واقع لا يرحم وأرض تنتظر بصيص أمل.

 

أصوات المزارعين: استغاثة من واقع “الخسارة المؤكدة”

قال المزارع الدرديري محمد أحمد سعيد، من قرية العقدة المغاربة بمكتب شندي قسم الهدى الزراعي، إن الموسم المقبل “مبشر بفشل ذريع” بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف التحضير وانعدام القدرة المالية لدى المزارعين. وأوضح أن تكلفة تجهيز الحواشة الواحدة تصل إلى نحو 500 ألف جنيه، منها 350 ألف جنيه للدسك و150 ألف جنيه للحرث، بينما ارتفعت أسعار الوقود بصورة كبيرة، مشيراً إلى أن أصحاب الآليات يشترون صفيحة الجازولين بنحو 177 ألف جنيه، ما انعكس مباشرة على تكلفة العمليات الزراعية. وأضاف أن أسعار المدخلات الزراعية شهدت زيادات كبيرة، حيث بلغ سعر جوال السماد نحو 250 ألف جنيه، بينما وصل سعر جوال الداب إلى 350 ألف جنيه، الأمر الذي يجعل الزراعة بالنسبة للمزارع مشروع خسارة في ظل الديون المتراكمة للبنوك والشركات والإدارة. وأشار إلى أن معظم الترع ما تزال خالية من المياه، وأن مساحات واسعة لم يتم تحضيرها حتى الآن، مؤكداً أن عدداً كبيراً من المزارعين باتوا يفكرون في البحث عن بدائل للزراعة بسبب ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والحصاد.

من جانبه، قال المزارع محمد النعمة فضل المولى، من مكتب قوز الرهيد بقسم الهدى، إن آثار الحرب الأخيرة ما زالت تلقي بظلالها على المزارعين، حيث فقد كثيرون مواشيهم ومدخراتهم، وأصبحوا عاجزين عن تمويل عمليات التحضير. وأوضح أن الأراضي الزراعية أصبحت أكثر صعوبة في التجهيز بسبب انتشار الأشجار والحشائش والإطماء داخل القنوات والترع، مبيناً أن نسبة التحضير في بعض المناطق لم تتجاوز 1% حتى الآن. وأكد أن مشروع الجزيرة يحتاج إلى تدخل عاجل من الدولة والمنظمات الدولية عبر توفير الآليات الثقيلة لتأهيل الأراضي والقنوات وتحسين البنية التحتية للري، بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات الغذائية.

وفي السياق ذاته، قال المزارع محمد أحمد إن القطاع الزراعي يمر بأزمة حادة خلال مرحلة التحضير والحرث نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، وهي المرحلة التي يعتمد عليها نجاح الموسم بأكمله. وأوضح أن تكاليف تشغيل الآليات والمحركات ومعدات الري تضاعفت بصورة كبيرة، مما أدى إلى خروج مساحات واسعة من دائرة الإنتاج وتأخير مواعيد الزراعة، الأمر الذي يهدد بتراجع الإنتاجية وارتفاع أسعار المحاصيل مستقبلاً.

إدارة المشروع: تحديات التعافي ووعود الدعم

 

في المقابل، أكد محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى أن المشروع يواصل جهوده لاستعادة النشاط الزراعي بعد الأضرار الكبيرة التي خلفتها الحرب. وقال، خلال المؤتمر التنويري الأسبوعي لوزارة الثقافة والإعلام في 21 أبريل 2026، إن النشاط الزراعي بالمشروع عاد بنسبة 85%، مشيراً إلى زراعة نحو 1.745 مليون فدان خلال الموسم الشتوي بنسبة تنفيذ بلغت 85%. وأوضح المحافظ أن المشروع تعرض لتدمير ونهب واسع طال البنى التحتية والأصول المختلفة، بما في ذلك قنوات الري، الأمر الذي شكّل تحدياً كبيراً أمام استئناف العمليات الزراعية، لكنه أكد وجود تقدم ملحوظ في جهود التعافي والتأهيل.

كما أعلن المحافظ، في السادس من يونيو 2026، توفير 48 مليار جنيه لتأهيل منظومة الري بالمشروع، إلى جانب تخصيص 200 ألف جالون من الجازولين و50 ألف طن من مدخلات الإنتاج للموسم الزراعي الصيفي. وكشف خلال مخاطبته المنتدى الشهري للمشروع عن ترتيبات لتمويل زراعة 100 ألف فدان بمحصول القطن، داعياً المزارعين إلى الإسراع في تجهيز المساحات المستهدفة والتوسع في زراعة الذرة دعماً للأمن الغذائي، ومؤكداً أن إدارة المشروع تعمل على استعادة مكانة القطن السوداني في الأسواق العالمية وتحقيق قيمة مضافة

للمنتجات الزراعية.

 

بين التعهدات والواقع: مستقبل الأمن الغذائي

ورغم هذه الجهود والتعهدات، يرى عدد من المزارعين أن الأزمة ما تزال قائمة على أرض الواقع، مؤكدين أن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتدهور قنوات الري وضعف القدرة التمويلية تشكل تحديات حقيقية تهدد الموسم الزراعي الحالي. وحذر المزارعون من أن استمرار الأزمة لن يؤثر على المنتجين وحدهم، بل سيمتد إلى الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، مطالبين بتدخلات عاجلة وفعالة تضمن إنجاح الموسم واستعادة دور مشروع الجزيرة كأحد أهم ركائز الاقتصاد السوداني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى