إعادة هندسة منظومة الفتوى القانونية لحماية الدولة من تضارب القرارات..

 

ما وراء الخبر..

تقرير تحليلي/ علم الدين عمر 

ضبط تفويض توثيق العقود الحكومية وإغلاق منافذ الفوضى الإجرائية..

تسريع إجراءات إمتحان تنظيم مهنة القانون لضخ كوادر جديدة في ساحة العدالة..

وزارة العدل تتقدم صفوف “حكومة الأمل” في معركة استعادة الدولة بالقانون..

بينما لاتزال الدولة السودانية تتعامل مع واحدة من أعقد مراحلها التاريخية.. يستمر نشاط وزارة العدل في التصاعد كأحد المؤشرات المهمة على أن معركة إعادة بناء مؤسسات الدولة في ميدان القانون، إعادة تنظيم أجهزة العدالة..وضبط الإجراءات التي تحفظ للدولة تماسكها المؤسسي وسط آثار الحرب وارتداداتها..

ومن هذا المنظور.. اكتسب الإجتماع الدوري الذي ترأسه وزير العدل الدكتور عبد الله درف برئاسة الوزارة بالخرطوم أهمية خاصة..ليس فقط لكونه ناقش مسودات تنظيمية وإجرائية هامة..ولكن لأنه عكس توجهاً واضحاً نحو إعادة ترتيب البنية القانونية للدولة.. وتحصينها ضد الفوضى الإدارية والتشريعية التي يمكن أن تنشأ في ظروف الحرب وما بعدها..

 

ما وراء الإجتماع الدوري..وبين سطور الروتين..

 

الإجتماع الذي عُقد بحضور وكيل وزارة العدل وعضوية مجلس الوزير ناقش عدداً من الملفات ذات الطبيعة المؤسسية العميقة.. وفي مقدمتها المسودة المعدلة لمنشور وزير العدل رقم (2) لسنة 2022 بشأن تنظيم مراحل إستئناف فتوى المستشار القانوني في النزاعات التي تكون أجهزة الدولة طرفاً فيها..

هذا الملف يتجاوز الجانب الإجرائي البحت..إذ يتعلق بكيفية إدارة الخلافات القانونية داخل الدولة نفسها.. ومنع تضارب الفتاوى والإجتهادات القانونية بين المؤسسات الحكومية..الأمر الذي ظل يشكل هاجساً كبيراً ومستمراً في كواليس النزاعات القانونية.. وهو أمر بالغ الحساسية في مرحلة تتطلب أعلى درجات الإنضباط المؤسسي..

كما ناقش الإجتماع مسودة منشور جديد يتعلق بأسس وضوابط تفويض سلطة توثيق العقود الحكومية..وهو ملف يرتبط مباشرة بحماية المال العام.. وضبط التعاقدات الحكومية..ومنع التوسع غير المنضبط في منح سلطات التوثيق دون ضوابط قانونية دقيقة..

 

تهيئة ساحة العدالة بعد الحرب..

 

الحرب التي تعرض لها السودان لم تستهدف البنية التحتية وحدها..بل استهدفت كذلك البنية المؤسسية للدولة..بما في ذلك مقار المحاكم والنيابات والوزارات والأرشيف والسجلات الرسمية.. وفي مثل هذه الظروف يصبح الحفاظ على إستمرارية العمل القانوني والتشريعي جزءاً من معركة بقاء الدولة وقوامة مؤسساتها..

ومن هنا يمكن قراءة التحركات المتسارعة لوزارة العدل كمحاولة واعية لإعادة تهيئة ساحة العدالة قبل الدخول الكامل في مرحلة إعادة الإعمار..لأن الدولة وهي تستعد لإعادة بناء الطرق والجسور والمرافق العامة تحتاج أولاً إلى بيئة قانونية مستقرة تحكم التعاقدات..وتحسم النزاعات..وتضمن سلامة الإجراءات..

ولهذا فإن التركيز على تنظيم الفتوى القانونية..وضبط تفويض توثيق العقود..وتسريع إمتحان تنظيم مهنة القانون..يشير إلى أن الوزارة تعمل على ثلاثة مسارات متوازية..متعلقة بحماية القرار القانوني.. وتأمين التعاقدات الحكومية..وتجديد الدماء المهنية داخل منظومة العدالة..

 

إمتحان تنظيم مهنة القانون.. رسالة تتجاوز الإمتحان..

 

الإجتماع شدد على ضرورة إستكمال المطلوبات لعقد إمتحان تنظيم مهنة القانون في أسرع وقت..وأوصى بعقد إجتماع مجلس تنظيم المهنة يوم الاثنين القادم لإجازة تاريخ الامتحان والبدء في إجراءات التسجيل..

ورغم أن الأمر يبدو إدارياً في ظاهره.. فإن دلالاته أوسع بكثير..إستمرار عقد الإمتحان يعني أن الدولة حريصة على عدم توقف دورة تأهيل المحامين والمستشارين القانونيين..وعلى استمرار رفد الجهاز العدلي بكفاءات جديدة رغم الظروف كما أن انتظام هذه العملية يعكس رسالة ثقة في قدرة مؤسسات الدولة على مواصلة وظائفها الأساسية.. وعدم السماح للحرب بقطع السلسلة المهنية والقانونية التي يعتمد عليها مستقبل العدالة في البلاد..

 

قوة القانون في مواجهة آثار الدمار..

 

من أهم ما يلفت الإنتباه في أداء وزارة العدل خلال الفترة الأخيرة أنها لم تنحصر في ردود الفعل..بل اتجهت إلى بناء أدوات تنظيمية جديدة.. الحروب خلّفت فراغات قانونية وإدارية واسعة.. وإذا لم تُملأ سريعاً بضوابط واضحة فإنها تتحول إلى بيئات خصبة للنزاعات والفساد وضعف الحوكمة..

ولذلك فإن تشكيل لجنة لدراسة وصياغة المسودتين قبل رفعهما للإجازة النهائية عكس منهجاً مؤسسياً يقوم على المراجعة والتدقيق..وليس مجرد إصدار قرارات متعجلة..

هذا النهج يعزز فكرة “قوامة المشرع”.. أي أن التشريع والتنظيم القانوني يجب أن يسبقا التنفيذ..وأن تُبنى القرارات الحكومية على أساس قانوني محكم يحميها من الطعون والإضطراب مستقبلاً..

 

وزارة العدل وحكومة الأمل..

 

في تقييم أداء الوزارات خلال المرحلة الإنتقالية بمعيار القدرة على إنتاج أدوات عملية تحافظ على استمرارية الدولة..تعتبر وزارة العدل من أكثر الوزارات نشاطاً في الملفات المؤسسية الدقيقة..

فالوزارة تتحرك في مساحات التشريع.. والتنظيم.. والحوكمة..وتأهيل الكوادر..وضبط الإجراءات.. ومساندة أجهزة الدولة في إدارة نزاعاتها القانونية.. وهي ملفات قد لا تحظى دائماً بالضجيج الإعلامي نفسه الذي تحظى به الملفات السياسية أو الأمنية..لكنها تشكل العمود الفقري لاستقرار الدولة..

ولهذا يذهب كثير من المراقبين إلى أن وزارة العدل أصبحت بالفعل في مقدمة الوزارات التي تعمل على ترجمة شعار “حكومة الأمل” إلى إجراءات مؤسسية ملموسة ببناء قواعد العدالة وسيادة القانون..

 

خلاصة المشهد..

 

الرسالة الأهم التي خرج بها الاجتماع الدوري لمجلس وزير العدل هي أن السودان..رغم ما تعرض له من دمار واستهداف ممنهج لمؤسساته..ما يزال يمتلك جهازاً قانونياً يعمل على إعادة ترتيب البيت الداخلي بهدوء ومهنية..

ومع استمرار العمل على تنظيم الفتوى القانونية..وضبط توثيق العقود الحكومية..وتسريع امتحان تنظيم مهنة القانون..تتضح معالم رؤية أوسع تقودها الوزارة متمثلة في ضرورة ألا تتحول آثار الحرب إلى فوضى قانونية..وألا يفقد الجهاز الحكومي مرجعيته التشريعية..

وألا تتعطل دورة العدالة بسبب الظروف الإستثنائية..

إنها معركة مختلفة عن المعارك العسكرية..لكنها لا تقل أهمية عنها.. فالدولة تحتاج بعد نهاية الحرب إلى قانون يحفظ انتصارها..وإلى مؤسسات عدلية قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب بثبات ومهنية.. وزارة العدل من أكثر مؤسسات “حكومة الأمل” حضوراً وفاعلية في معركة استعادة الدولة السودانية من بوابة القانون والعدالة..اللتين تشكلان العماد القوي الوحيد لسودان ما بعد الحرب..وربما لن تحتمل الدولة بأي حال أن تضرب الفوضي القانونية والتشريعية تماسكها في هذا التوقيت الحساس..المفصلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى