مشروع الجزيرة.. “معركة الإنتاج” تبدأ من هنا

محافظ مشروع الجزيرة لـ “العودة”: مروجو زراعة التمباك بالجزيرة أصحاب نفوس مريضة
إبراهيم مصطفى: لا انقطاع للمياه.. وميزانية “العروة الصيفية” تسندها إرادة الدولة
مدير الري: دمروا القنوات ونحن أعدنا الحياة
مشروع الجزيرة استعاد مساره الصحيح.. و”الميليشيا” مارست أبشع أنواع الاستهداف
—–
في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، يظل مشروع الجزيرة -أكبر صرح زراعي مروي في البلاد- صامداً كركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني ورمزاً للإرادة في وجه التحديات. ومن رحم المعاناة التي خلفتها الحرب، تسعى إدارة المشروع بكل عزم إلى استعادة أمجاده عبر استراتيجية إنتاجية مكثفة تستهدف تأمين الموسم الصيفي والتحضير المبكر للعروة الشتوية.
وتأتي هذه القراءة الميدانية لتوثق حراكاً وطنياً؛ حيث انطلقت قافلة إعلامية نظمها مركز “عنقرة” للخدمات الصحفية لتقف على واقع المشروع عن كثب، في مبادرة تجسد مسؤولية الإعلام كشريك أصيل في معركة الإنتاج. يستعرض هذا التقرير رؤية والي ولاية الجزيرة حول مرحلة التعافي، والتفاصيل الفنية والإدارية التي كشف عنها مدير المشروع ومدير إدارة الري؛ بدءاً من استقرار الإمدادات المائية وتطهير 2.5 مليون متر مكعب من الترع، وصولاً إلى الشراكات الاستراتيجية مع شركة “أمطار” والبحوث الزراعية، وحسم الجدل حول الشائعات.
بركات – عماد النظيف

مرحلة التعافي
أكد والي ولاية الجزيرة، الطاهر إبراهيم الخير، أن الأجهزة الأمنية في الولاية ترصد بدقة تحركات ما وصفها بـ “الخلايا النائمة”، مشدداً على أن زمام المبادرة لا يزال في يد السلطات لضمان أمن واستقرار الولاية.
يأتي ذلك في وقت أعلن فيه الوالي عن دخول “مشروع الجزيرة” -أكبر المشاريع الزراعية في البلاد- مرحلة التعافي، ضمن خطة ثلاثية السنوات تستهدف التأسيس للانطلاقة الكبرى للمشروع. معتمدة على مساحات شاسعة تتجاوز مليون و751 ألف فدان للزراعة المطرية، إلى جانب قطاعي البساتين والإنتاج الحيواني.
وعلى صعيد الخدمات، كشف الوالي عن قفزة نوعية في القطاع الصحي، حيث أشار إلى عودة 106 مستشفيات للعمل بكامل طاقتها، وتشغيل 850 مركزاً صحياً، بالإضافة إلى إعادة تفعيل المراكز التخصصية في جراحات القلب والمناظير، مؤكداً أن هذه الجهود تأتي في إطار توطين العلاج وتخفيف المعاناة عن المواطنين.

الاستعدادات للمواسم الزراعية والشراكات الاستراتيجية
أعلن المهندس إبراهيم مصطفى، محافظ مشروع الجزيرة، أن المشروع بدأ استعدادات مبكرة للعروة الشتوية بالتوازي مع العمليات الجارية في العروة الصيفية، مؤكداً أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد لا تحتمل أي تلكؤ. وأوضح مصطفى أن المساحة المستهدفة لزراعة محصول الذرة تتجاوز 450 ألف فدان، مقراً بوجود تحديات تتعلق بتوفير المدخلات والجازولين، إلا أنه أكد أن المساحات المزروعة حالياً تقع ضمن النطاق الأمثل الذي أوصت به البحوث الزراعية. وشدد على أن الأولوية القصوى لهذا الموسم هي تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغلال والحبوب لضمان الأمن الغذائي.
وفي سياق تعزيز الشراكات العلمية، أشاد مصطفى بالتعاون مع البحوث الزراعية وتطبيق توصياتهم ميدانياً، لا سيما في الحقول الإيضاحية التي تعتمد على الزراعة الآلية. وبدوره، دخلت شركة “أمطار” كشريك استراتيجي؛ حيث أوضح مدير الإدارة المتكاملة للآفات وممثل الشركة، أبو سفيان سعيد عثمان، أنهم بدأوا بمساحات تجريبية في منطقة “طابت” شملت 90 فداناً لصنف “ود أحمد” ومثلها لصنف “طابت”، إلى جانب مساحات من الفول السوداني وفول الصويا، مع خطط طموحة للتوسع لسد الفجوة في تقاوي المحاصيل الصيفية.

كشف التحديات: كارثة التقاوي المسمومة
وفي لقاء مفتوح مع وفد إعلامي، كشف المحافظ عن واقعة خطيرة في منطقة “الهلالية”؛ حيث تم نهب كميات من التقاوي المخزنة كانت قد عوملت بمبيدات سامة وقاتلة، مؤكداً أنها نُهبت من مخازن شركة “هارفست” ووزعت على المواطنين، مما تسبب في مشاكل كثيرة. ووصف المحافظ تلك الأعمال بـ “أعمال الميليشيا الملعونة”، مشيراً إلى أن التنبيهات التي أطلقتها الشركة عبر الإعلام لم تمنع وقوع أضرار بين المواطنين الذين استخدموا تلك التقاوي دون علم بخطورتها.
استقرار الري، الميزانيات، ودعم الدولة
وفي ملف الري، أكد مصطفى أن المشروع لم يتأثر ببيان وزارة الري حول تدفقات النيل الأزرق، مطمئناً المزارعين بأن المياه لن تنقطع حتى منتصف أغسطس، مع تصريف يبلغ 34 مليون متر مكعب يومياً. وأعلن عن ميزانية للعروة الصيفية تبلغ 48 ملياراً (48 تريليوناً بالعملة القديمة)، منها 12 ملياراً للوقود لتوفير 300 ألف جالون من الجازولين، مشيراً إلى وصول 80 ألف جالون حتى الآن وتشغيل 95 كراكة موزعة في أنحاء المشروع. وقدم المحافظ شكره لحكومة “الأمل” وللفريق أول عبد الفتاح البرهان على الدعم السخي الذي مكن المشروع من الاستمرار رغم الظروف الاستثنائية.
رؤية استراتيجية: القطن يعود بقوة
وفي ملف المحاصيل الاستراتيجية، كشف المحافظ عن خطة طموحة لإعادة القطن لمساحات تتراوح بين 300 إلى 400 ألف فدان في الموسم القادم، مع إدخال القيمة المضافة والصناعات التحويلية وربطها بالإنتاج الحيواني، مشدداً على ضرورة عودة المشروع لـ “حضن الدولة”.
رسالة طمأنة ميدانية
وفي سياق الزيارة الميدانية التي شملت منطقة “ود النعيم” -التي تعد واحدة من 23 منطقة ري- أكد المهندس إبراهيم مصطفى توافر المياه وانسيابها وفق الخطة الموضوعة، مشيداً بدور المنصات الإعلامية في نقل الصورة الحقيقية. واختتم تصريحاته بالتأكيد على دور الإعلام كمرآة صادقة تعكس واقع “معارك الإنتاج”، نافياً أي معوقات في منظومة الري، ومجدداً ثقته بأن “المشروع عاد ووضع في التراك الصحيح، وسينهض ليصير أفضل مما كان عليه”، في رسالة طمأنة بأن السودان قادر على تجاوز التحديات الراهنة.

زراعة التمباك
ونفى مصطفى في تصريحات خاصة لـ “العودة” صحة ما يتردد عن زراعة التمباك داخل المشروع، ووصف مروجي هذه الشائعات بأنهم “أصحاب نفوس مريضة”.
وقال مصطفى إن زراعة التمباك لا تدخل ضمن التركيبة المحصولية للمشروع، ولم يتم توفير أي تقاوي لها، مؤكداً أن الأمر لا يعدو كونه “فوضى من المريدين” ومكايدات شخصية لا أساس لها.
وأوضح أن كل ما حدث هو قيام أحد المزارعين بزراعة مساحة لا تتجاوز أمتاراً قليلة قبل قرابة العام، وتم اكتشافها وحرقها فوراً ، وانتهى الأمر عند ذلك.
وأشار إلى أن البعض حاول استغلال الحادثة وتضخيمها في ظل “الزوبعة” التي كانت قائمة والدعوات التي وصفها بالقبيحة حول العنصرية، مؤكداً أن ذلك يندرج في إطار استهداف المشروع.
وجدد مدير المشروع تأكيده أن زراعة التمباك غير مسموح بها نهائياً، لا في القانون ولا في التركيبة المحصولية المعتمدة.

خطط طموحة لتطوير البنية التحتية
أكد المهندس محمد عثمان العوض، مدير إدارة الري بمشروع الجزيرة، أن منظومة الري في المشروع تعمل وفق الخطة الموضوعة، مشدداً على أن كافة الجهود تتركز حالياً على تأمين احتياجات الموسم الصيفي والتحضير المبكر للعروة الشتوية.
وفي تصريحات صحفية على هامش جولة ميدانية، كشف العوض عن إنجازات كبيرة في أعمال التطهير والصيانة، حيث تم تنفيذ تطهير لـ 2.5 مليون متر مكعب من المصارف الرئيسية والترع الفرعية. وأوضح أن هذه الأعمال تأتي ضمن استراتيجية استباقية لمجابهة فصل الخريف والسيول (المواجر)، لضمان انسياب المياه دون عوائق. وأشار العوض إلى أن إدارته أولت اهتماماً خاصاً بالقناطر الكبرى؛ حيث تم الانتهاء من صيانة 14 قنطرة رئيسية، بما فيها القنطرة التي تعرضت لأضرار حربية (مسيرة)، مؤكداً استمرار العمل في الشبكة الصغرى لتقليل فاقد المياه.
تحديث تقني وشراكات دولية
وفيما يخص تحديث البنية التحتية، أعلن مدير الري عن دخول طلمبات جديدة الخدمة في مناطق استراتيجية مثل “نور الدين” و”الحداد الغربية”. كما كشف عن تعاقدات دولية لاستجلاب مضخات (بيارات) بمواصفات نمساوية عالية الجودة، مشيراً إلى أن الخطة المستقبلية تشمل “كهربة الري” في مناطق البرياب والحرقة، وهو ما سيمثل نقلة نوعية من الاعتماد على الديزل إلى الكهرباء، مما يعزز كفاءة الإنتاج ويقلل التكاليف.
ردٌ على الشائعات وحقائق الميدان
وفي رده على تساؤلات حول واقع البنية التحتية بعد الحرب، أكد المهندس محمد عثمان العوض أنه منذ تسلمه إدارة الري في نوفمبر 2025، واجه واقعاً يتطلب عملاً مضاعفاً لإصلاح ما خلفته الحرب من تخريب في البوابات والقنوات. ونفى العوض بشدة الأنباء التي تتحدث عن “تلوث مائي”، مؤكداً أن الفحوصات العلمية تنفي ذلك، وأن ما تم تداوله يفتقر للأساس العلمي والصحي.
رسالة طمأنة للمزارعين
واختتم العوض تصريحاته برسالة ثقة للمزارعين، واصفاً الإمداد المائي بـ “المرضي جداً” بفضل تصريف يومي يبلغ 34 مليون متر مكعب، كافية لتغطية محاصيل الذرة والفول والقطن. وأكد قائلاً: “مشروع الجزيرة نهض بصورة جيدة من ركام الحرب، والمياه متوفرة والتنظيم يسير وفق الخطة، ونحن عازمون على عبور الموسم الصيفي بنجاح وتقديم عروة شتوية تحقق تطلعات الجميع”.




