في الملعب يتصافح الخصوم وفي السودان يتوارثون الكراهية

من مباراة إنجلترا وفرنسا إلى حرب السودان لماذا تنتهي معارك الملاعب بالمصافحة بينما تتحول خلافات السياسة إلى دم وخراب؟

وطن يبحث عن من يمد إليه يده بعدما أتعبته البنادق وأرهقته الصراعات!!

بقلم/ محمد فؤاد عيد

حينما كنت أتابع مباراة كأس العالم بين إنجلترا وفرنسا استمتعت بمباراة مثيرة حملت كل ما يمكن أن تقدمه كرة القدم من تنافس وندية وإصرار على الفوز من كلا افراد الفريقين .

المباراة التي جمعت بين الفريقين وتابعها عشاق الكرة لم تكن مجرد لقاء رياضي بل درس إنساني بكل ما تحمله الكلمة من معنى كانت لقاءً بين فريقين ينتميان لبلدين مختلفين لغتين متباينتين وثقافتين لا يربطهما رابط تاريخي وثيق إلا أن روح المنافسة الشريفة كانت هي السيد المطاع حيث تقدم المنتخب الإنجليزي بأربعة أهداف دون مقابل في الشوط الأول وبدا أن المباراة تسير نحو نهاية محسومة لكن منتخب الديوك الفرنسي عاد في الشوط الثاني بقيادة قائده كيليان امبابي وقاتل حتى الرمق الأخير قبل أن تنتهي المباراة بفوز المنتخب الإنجليزي بستة أهداف مقابل أربعة للفرنسيين .

كانت مباراة حافلة بالأهداف واللعب الممتع الذى يفرض على المشاهد التسمر خلف الشاشة لكن فجاءة واثناء اللحظات الاخيرة من سير تلك المباراة وجدت نفسى مسحوبآ ودون إرادة سارحآ بمقدمة طويلة وشريط متسلسل من الذكريات وشعرت ان ما يعنيني فى تلك اللحظات لم يكن هدفًا ولا هجمة ولا تصديًا لحارس مرمى رغم ان الملعب كان يكتظ بالكثير الممتع من المشاهد الإنسانيًة الرائعة…

انها الروح التى اكتسبتها المباراة نفسها وما كان يعج فيها من تسامح حيث ترى أمام عينك لاعب يسقط على الأرض وخصمه يمد له يده ليساعده على النهوض وهما كانا قبل ثوان يتصارعان على الكرة كل منهما يريد أن ينتزعها من الآخر وربما تسبب أحدهما في سقوط الآخر لكن لحظة السقوط أعادت الاثنين إلى حقيقة أكبر من المنافسة أنهما في النهاية بشر ويحق للاعب ان يتألق ويسجل الفوز لفريقة وللأخر التسليم بالخسارة دون ان يحسد وينتقص غريمة فرحة النصر والفوز

 

*الروح الرياضية:*

ما أبهى ما رأيته هناك! فالمنافسة لم تُلغِ الإنسانية كلما سقط لاعب على أرض الملعب سارع منافسه لمده يد العون والمساعدة بلا كراهية ولا ضغينة المصافحات بعد كل لمسة والاحترام المتبادل في كل مواجهة، كانت رسالة واضحة وهو التحدي لا يعني إلغاء الآخر ولما انتهت المباراة لم يتردد مدرب الفريق الفرنسي في تقديم التهنئة لنظيره الإنجليزي معترفًا بجدارة الفوز بكل روح رياضية نقيّة وفي تلك اللحظات سرحت بتفكيري بعيدًا عائدًا إلى وطني السودان فأصابني ألم عميق تساءلت لماذا تغيب هذه الروح تمامًا عن ساحتنا السياسية؟ بين فريق الجيش والحكومة المدنية وبين من اختاروا الجلوس في مقاعد المعارضة لا نرى إلا الشد والجذب والتصادم والانغلاق. لا يجمعهم هدف مشترك يخدم الوطن ولا برنامج واحد يرتقي بالشعب بل تملأ النفوس الضغائن وتسود نظرة الحقد وتتغلب رغبة الانتقام على مصلحة البلاد.

الحرب في السودان سادتى لم تعد مجرد صراع على السلطة بل أصبحت حربًا على الإنسانية الضغائن تملأ النفوس والكراهية أصبحت أيديولوجيا لا برنامج وطني موحد ولا رؤية مشتركة تخدم المواطن الجميع يتحدث باسم “الوطن” بينما الوطن نفسه يحترق المدن مدمرة والقرى مهجورة والملايين نازحون داخل أرضهم يهيمون في بحار من الدموع والألم هنا فقط أدركت أن الروح الرياضية ليست مجرد مصطلح نردده في الملاعب وإنما ثقافة كاملة في كيفية إدارة الاختلاف.

أن تنافسني لا يعني أن تكرهني.

أن تهزمني لا يعني أن تهينني.

أن أختلف معك لا يعني أن أتمنى زوالك.

وأن أسقط أمامك لا يعني أن تتركني على الأرض.

تلك هى الشعارات والروح التى سادت المباراة فكانت عنفوان من الروح الرياضية التى توصف بالروعة فى قوتها.

وحين انتهت المباراة انتهى الصراع، صافرة واحدة كانت كافية لكي يتحول المتنافسون إلى متصافحين متسامحين مدرب الفريق المهزوم مد يده إلى المنتصر مهنئًا ترتسم ابتسامة على وجهه.

اللاعبون تبادلوا التحية كذلك الفائز احتفل بانتصاره والمهزوم تقبل خسارته ثم خرج الجميع من الملعب بعد انقضاء وقت ممتع بين من لعب ومن تابع وفى نهاية اللقاء تمثلت بعض القيم الانسانية وطبقت فى روعة يعجز حبر قلمى عن توصيفها.

عندها سرحت بعيدًا..! بعيدًا جدًا حيث اصبح مرسى افكارى وطنى، نعم وجدت نفسي.. ذهبت إلى السودان الوطن المجروح..

إلى وطن يبدو وكأنه دخل الى مباراة سياسية وعسكرية ظل يعانى منها منذ سنوات، لكنه لم يجد حتى اليوم حكمًا عادل يطلق صافرة النهاية ليوقف ما حل بة من ابتلأات ووجدت حالى يسبح فى بحر من التساؤلات .

*لماذا لا نعرف كيف نختلف؟*

وأنا أتابع تلك المشاهد الانسانية يحق إطلاق العنان لسيل من الاستفهامات اولها.. ماذا لو امتلكنا في السودان نصف هذه الروح؟

ماذا لو عرف الحاكم أن المعارض ليس عدوًا؟

وماذا لو عرف المعارض أن إسقاط الحاكم لا يعني إسقاط الدولة؟

وماذا لو عرف العسكري أن السلاح لا يستطيع وحده بناء وطن؟

وماذا لو أدرك المدني أن الدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها؟

وماذا لو فهم الجميع أن السودان أكبر من الجيش وأكبر من الأحزاب وأكبر من الحركات وأكبر من الأشخاص؟

لكن مشكلتنا أن السياسة عندنا لم تعد في كثير من الأحيان تنافسًا حول البرامج وإنما تحولت إلى صراع حول الوجود نفسه كل فريق يريد أن يثبت أنه السودان وكل طرف يريد أن يحتكر تعريف الوطنية فمن يقف معه وطني ومن يختلف معه هو خائن ومن يؤيد هذا المعسكر يصبح عدوًا للمعسكر الآخر ومن ينتقد الجيش يُتهم بأنه يقف ضد الدولة ومن ينتقد القوى المدنية قد يوضع في خانة أعداء الديمقراطية ومن يرفض الحرب يتهمه البعض بالخيانة ومن يؤيد استمرارها حتى تحقيق أهداف معينة يُتهم بأنه يتاجر بدماء السودانيين وهكذا تضيق المساحة بين السوداني والسوداني حتى يصبح الحوار نفسه مغامرة.

 

*عندما يصبح الخصم عدوًا :*

في الرياضة هناك خصم.. وفي الحرب هناك عدو أما في السياسة السودانية فقد اختلطت الحدود بين الاثنين تحول الخصم السياسي إلى عدو وجودي لا يكفي أن تهزمه في الانتخابات بل يجب أن تنهي مستقبله السياسي لا يكفي أن تختلف معه بل يجب أن تشكك في وطنيته لا يكفي أن تنتقده.. بل يجب أن تبحث في تاريخه عن كل ما يمكن أن يدينه.

*السوشيال ميديا:*

ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي والغرف الإلكترونية لتصب المزيد من الزيت على النار.

أصبح التخوين أسرع من التفكير…. والشتيمة أسرع من الحوار…. والاتهام أسهل من تقديم الدليل… كل فريق يملك جيشًا إلكترونيًا يدافع عنه… وكل معسكر يصنع روايته الخاصة وفي المنتصف يقف المواطن السوداني حائرًا لا يعرف أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الدعاية.

*الحكومة والمعارضة معركة بلا حكم يعدل بينهم:*

 

في أي دولة طبيعية توجد حكومة ومعارضة الحكومة تحكم والمعارضة تراقب وتنتقد وتقدم البديل ثم يأتي المواطن ليقرر عبر أدوات السياسة والدستور والانتخابات من يستحق أن يحكم لكن في السودان كثيرًا ما تحولت العلاقة بين الحاكم والمعارض إلى علاقة كسر عظم الحاكم يريد معارضة ضعيفة…

والمعارض يريد حكومة تسقط.

والعسكري يخشى المدني.

والمدني يخشى العسكري.

والحركات المسلحة تخشى العودة إلى الهامش.

والأحزاب تخشى بعضها بعضًا.

والجميع يتحدث باسم المواطن.

لكن المواطن نفسه نادرًا ما يجد من يسمعه.

لقد أصبح السوداني البسيط مثل متفرج أُجبر على الجلوس في ملعب تحولت فيه المباراة إلى معركة حقيقية يريد الخروج فلا يستطيع ويطلب من اللاعبين التوقف فلا يسمعونه ثم يكتشف في النهاية أنه هو من سيدفع ثمن إصلاح الملعب الذي دمره المتنافسون.

*من يدفع فاتورة الكراهية؟:*

الحروب تبدأ بالرصاص لكنها لا تنتهي عندما يصمت الرصاص هناك شيء أخطر يبقى بعدها.

الكراهية- الضغائن- الرغبة في الانتقام – ذاكرة الموت – صور القتلى – حكايات البيوت التي نُهبت – المدن التي دُمرت – الأسر التي تشردت – الأطفال الذين حُرموا من مدارسهم ومن حق التعليم والتعلم – الأمهات اللواتي انتظرن أبناء لم يعودوا كل هذه الأشياء لا تختفي بمجرد توقيع اتفاق سياسي وهنا تكمن المأساة الحقيقية السودان قد ينجح يومًا في وقف الحرب لكن هل سينجح في وقف الكراهية التي صنعتها الحرب؟

هل يستطيع السوداني الذي فقد أخاه أن يسامح ؟ هل يستطيع من فقد منزله أن ينسى؟ هل يستطيع من عاش النزوح أن يعود إلى مدينته وكأن شيئًا لم يحدث ؟

وهل تستطيع القوى التي قاتلت بعضها بعضًا أن تجلس غدًا حول طاولة واحدة؟

إنها أسئلة أصعب من سؤال من انتصر في المعركة.

*الجميع يريد النصر فمن يريد إنقاذ السودان؟ :*

 

كل طرف في الحرب يبحث عن النصر لكن قليلين يسألون:

ماذا سيبقى بعد النصر؟ ماذا لو انتصر طرف وخسر السودان؟ ماذا لو سيطر فريق على السلطة لكنه ورث دولة مدمرة ؟ ماذا تعني الحكومة إذا لم تجد شعبًا مستقرًا تحكمه ؟ وماذا تعني المعارضة إذا لم تجد دولة تعارض حكومتها ؟ وماذا يعني الانتصار العسكري إذا كانت المدن قد تحولت إلى ركام ؟ الوطن ليس غنيمة يحصل عليها المنتصر والسلطة ليست كأسًا يرفعه الفريق الفائز السودان بيت كبير وإذا احترق البيت فلن يسأل الحريق من كان في الحكومة ومن كان في المعارضة لن يسأل من كان عسكريًا ومن كان مدنيًا سيحرق الجميع.

*مد يدك لمن أسقطته :*

عدت بذاكرتي مرة أخرى إلى المباراة إلى ذلك اللاعب الذي أسقط خصمه ثم مد يده إليه للمساعدة ليستعيد وقفتة يا له من مشهد بسيط ويا له من درس عظيم ماذا لو طبقناه في السياسة؟ ماذا لو قال المنتصر للمهزوم اختلفت معك لكن لك مكان في هذا الوطن؟

ماذا لو قال العسكري للمدني: نختلف لكننا لسنا أعداء؟

وماذا لو قال المدني للعسكري: الدولة تحتاج إلى جيش وطني مهني كما تحتاج إلى حكم مدني ومؤسسات سياسية مستقرة وماذا لو قالت الحكومة للمعارضة انتقدينا لكن لا تهدمي الوطن وماذا لو قالت المعارضة للحكومة سنعارضك لكننا لن نستعين بخراب السودان لإسقاطك؟ ربما يبدو ذلك مثاليًا في زمن الحرب لكن البديل هو ما نراه الآن..

دم – نزوح – جوع – خراب.

وطن يتآكل أمام أعين أبنائه.

 

*السودان ليس ملكًا للمنتصر :*

هذه ربما هي الحقيقة التي يجب أن يفهمها الجميع السودان لن يكون ملكًا لمن ينتصر عسكريًا ولن يكون ملكًا لمن يكسب المعركة السياسية ولن يكون ملكًا لمن يحصل على أكبر دعم خارجي ولن يكون ملكًا لمن يمتلك السلاح الأكثر.

*السودان ملك للسودانيين :*

لذلك فإن أي تسوية سياسية حقيقية يجب ألا تقوم على من انتصر ومن انهزم بل على سؤال مختلف تمامًا كيف نمنع السودان من الهزيمة لأن هزيمة السودان هي الهزيمة الوحيدة التي لن ينجو منها أحد.

*صافرة النهاية التي لم تأت بعد :*

في مباراة إنجلترا وفرنسا كان الجميع يعرف أن هناك لحظة ستنتهي فيها المنافسة هناك حكم – هناك قانون هناك وقت محدد – وهناك صافرة أخيرة.

لكن في السودان تبدو المباراة وكأنها بلا حكم وبلا قانون وبلا زمن.

كلما اقتربت فرصة للسلام ظهر من يشكك فيها.

وكلما لاحت إمكانية للحوار ارتفعت أصوات الحرب.

وكلما تحدث طرف عن التفاوض اتهمه آخر بالخيانة.

وكأن السلام نفسه أصبح تهمة.

لكن الحرب مهما طالت ستنتهي.

السؤال ليس هل ستنتهي؟

السؤال هو:

كم سندفع قبل أن تنتهي؟

كم مدينة ستدمر؟

كم طفلًا سيحرم من التعليم؟

كم أسرة ستنزح؟

كم أمًا ستبكي؟

وكم عامًا سنحتاج بعد ذلك لكي نعيد بناء ما دمرناه بأيدينا؟

*الانتصار الحقيقي:*

في تلك المباراة فاز فريق واحد

لكن الفريقين خرجا محتفظين باحترامهما.

أما في السودان فإننا نخشى أن يظل الجميع يبحث عن الكأس حتى يكتشفوا أن الملعب نفسه لم يعد موجودًا.

نحتاج اليوم إلى تعريف جديد للنصر.

النصر ليس أن تهزم خصمك.

النصر أن تمنع وطنك من الانهيار.

النصر أن يعود النازح إلى بيته.

أن يعود الطفل إلى مدرسته.

أن تفتح المستشفيات أبوابها.

أن تعود الأسواق إلى الحياة.

أن يسافر السوداني من مدينة إلى أخرى دون خوف.

أن تختلف مع خصمك صباحًا ثم تجلس معه مساءً لأن بينكما وطنًا أكبر من خلافكما.

في كرة القدم يمد اللاعب يده لخصمه عندما يسقط أما السودان فقد سقط.

 

*هل من منتبة:*

والسؤال الذي سيحاكم التاريخ عليه الجميع عسكريين ومدنيين حكومة ومعارضة قادة أحزاب وحركات وقوى سياسية لن يكون فقط:

من الذي أسقط السودان؟

بل سيكون أيضًا:

من الذي رآه ساقطًا ورفض أن يمد إليه يده ؟

لقد آن الأوان أن يدرك الجميع أن الوطن ليس مباراة يجب أن ينتصر فيها فريق ويهزم الآخر.

الوطن هو الملعب الذي يقف عليه الفريقان.

فإذا دمرتم الملعب فلن تكون هناك حكومة ولا معارضة.

لا منتصر ولا مهزوم.

سيكون هناك فقط شعب أنهكته الحرب وأمهات يملأن بحارًا من دموع الألم وأطفال يبحثون بين الركام عن وطن كان اسمه يومًا السودان.

لقد علمنا الملعب أن الاختلاف لا يُفسد للود قضية وأن المنافسة لا تُلغي الاحترام فهل يستفيد من هم في مواقع المسؤولية في السودان من هذا الدرس؟ هل ندرك أن الوطن أكبر من الأفراد وأسمى من المصالح الضيقة؟ فما نعيشه الآن ليس سوى نتيجة غياب الروح التي رأيناها في ملعب الكرة وبدون عودة هذه الروح سيظل السودان يعاني وسيظل أهله يدفعون الثمن باهظًا.

متى نفهم أن الروح الرياضية ليست ترفًا بل ضرورة وطنية؟

متى نمد أيدينا لبعضنا قبل أن يحترق ما تبقى من السودان؟

الوقت يضيق والدماء تسيل والدموع لا تنضب والمباراة في السودان لا تزال مفتوحة… لكن من دون جمهور ومن دون ملعب وبدون أمل واضح في صافرة نهاية إنسانية فهل آن الأوان لنتعلم أن الفوز الحقيقي لا يكون بهزيمة الطرف الآخر بل ببناء وطن يتسع للجميع.. فمدوا أيديكم إلى بعضكم قبل أن يصبح الوطن أبعد من أن تصل إليه الأيادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى