الكتلة الديمقراطية.. هل بدأت مراجعة الخطاب السياسي؟

ما وراء الخبر
تقرير تحليلي/علم الدين عمر
ثمانية مبادئ ترسم ملامح خطابها السياسي الجديد..
من إدارة الخلاف إلى البحث عن القواسم الوطنية المشتركة..
العمل المؤسسي بديلاً لسياسة ردود الأفعال والتحالفات المؤقتة..
الحوار السوداني–السوداني بوصفه المدخل الوحيد لبناء الدولة بعد الحرب..
هل بدأ موسم العودة للمنطق؟؟!!
منذ اندلاع الحرب.. ظل المشهد السياسي السوداني أسيراً لخطابات متقابلة تتنازع التفاصيل أكثر مما تتنافس حول الرؤى الكبرى..وبينما انشغلت القوى السياسية بتبادل الإتهامات وتصفية الحسابات القديمة.. كانت الدولة تواجه أخطر إختبار وجودي في تاريخها الحديث.. ولذلك فإن أي تحول في طبيعة الخطاب السياسي لأي كتلة فاعلة يستحق التوقف عنده.. ليس من باب الإحتفاء.. وإنما من باب قراءة الإتجاهات الجديدة التي قد تؤسس لمرحلة مختلفة..
في هذا السياق جاءت المبادئ الثمانية التي طرحها جعفر الميرغني خلال الندوة الأخيرة للكتلة الديموقراطية كمؤشرات تستحق القراءة التحليلية.. لأنها انتقلت – على الأقل في ظاهرها – من الإشتباك مع التفاصيل اليومية إلى محاولة رسم خطوط عامة يمكن أن تتحول إلى أرضية مشتركة للنقاش الوطني..
من خطاب المواقف إلى خطاب المبادئ..
*الملاحظة الأولى* أن المبادئ المطروحة لا تنشغل بالأشخاص أو الوقائع الآنية..وإنما تتناول الأسئلة الكبرى المتعلقة بشكل الدولة وطبيعة السلطة ومستقبل العملية السياسية..
حين يضع الخطاب “الدولة أولاً ولا موازي لها” في مقدمة الأولويات.. فهو يتجاوز النقاش التقليدي حول موازين القوى إلى قضية إحتكار الدولة للسلطة والسيادة..وحين يؤكد على أن “الجيش الواحد وحصر السلاح في المؤسسة العسكرية الوطنية”..فإنه يعالج أحد أهم الدروس التي كشفتها الحرب.. وهو أن تعدد مراكز القوة المسلحة يمثل تهديداً مباشراً لبقاء الدولة..
كما أن التأكيد على أن الشرعية لا تُكتسب إلا عبر صندوق الاقتراع.. يمثل محاولة لإعادة النقاش إلى قواعد التداول السلمي للسلطة..بعيداً عن شرعية السلاح أو شرعية التدخلات الخارجية أو شرعية الاتفاقات الجزئية..
هذه المبادئ..إذا تحولت إلى التزام سياسي حقيقي.. يمكن أن تشكل قاعدة صلبة لأي عملية إنتقال سياسي مستقرة..
مراجعة للخطاب أم إعادة للتموضع؟
اللافت في الخطاب الجديد أنه يبدو أقل انشغالاً بالخلافات التفصيلية وأكثر تركيزاً على العناوين الجامعة..
فالكتلة الديمقراطية..التي ارتبط خطابها خلال مراحل سابقة بمواقف حادة تجاه خصومها السياسيين.. تبدو اليوم وكأنها تحاول الإنتقال إلى مساحة أكثر اتساعاً.. تستوعب فكرة الحوار الوطني دون أن تتنازل عن ثوابتها المعلنة..
ويبرز ذلك بصورة أوضح في الحديث عن عدم الإقصاء الجزافي.. وربط المحاسبة بالأفعال بدل الهويات السياسية..وهي صياغة تحمل دلالات مهمة لأنها تنقل النقاش من تصنيف القوى السياسية إلى مناقشة المسؤولية القانونية والسياسية لكل طرف وفق أفعاله..
هذه المقاربة.. إذا جرى الإلتزام بها عملياً..يمكن أن تفتح الباب أمام إعادة بناء المجال السياسي على أساس العدالة وسيادة القانون..وأستبعاد فكرة الانتقام السياسي أو الإقصاء الجماعي..
غير أن نجاح هذا التحول سيظل مرهوناً بقدرة الكتلة ا على ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسات سياسية ثابتة..لأن الخطابات وحدها لا تكفي لإحداث التحولات الكبرى..
تجاوز مطبات المرحلة..
التجربة السودانية خلال العقود الماضية أثبتت أن معظم المبادرات السياسية تعثرت بسبب غياب الإطار المؤسسي الجامع.. وسيطرة ردود الأفعال والإنفعالات اللحظية..
المرحلة المقبلة تحتاج إلى إدارة سياسية أكثر هدوءاً تدرك أن الحرب أعادت تشكيل الواقع السوداني بصورة عميقة..وأن استعادة الدولة تتجاوز محطة الإنتصارات العسكرية واستعادة المدن لإعادة بناء الثقة بين المكونات الوطنية..
المرونة السياسية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تنازلاً عن المبادئ..إنما هي قدرة على إدارة الإختلاف داخل إطار وطني جامع..
المرحلة ليست مرحلة إنتاج خصومات جديدة.. بقدر ما هي مرحلة إنتاج توافقات جديدة..دون التفريط في العدالة أو المساس بسيادة الدولة..
ولهذا تبدو الدعوة إلى الحوار داخل السودان وبملكية سودانية كاملة من أكثر المبادئ أهمية.. لأنها تعيد القرار الوطني إلى الداخل.. وتؤكد أن السودانيين هم الأقدر على إدارة خلافاتهم إذا توافرت الإرادة السياسية الحقيقية..
السلام بين الواقعية والثوابت..
ومن بين أكثر المبادئ وضوحاً.. يأتي الحديث عن “سلام دون تفريط”.. ورفض أي ترتيبات تمنح شرعية لما فرضه السلاح..
وهنا يبرز أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.. وهو كيفية تحقيق السلام دون إنتاج أسباب حرب جديدة..
فالسلام المستدام لا يمكن أن يقوم على مكافأة إستخدام القوة المسلحة..كما لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقوق أو إغلاق ملفات العدالة..
المعادلة المطلوبة هي تحقيق السلام الذي يحافظ على وحدة الدولة وهيبتها..وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام التسويات السياسية التي تنهي أسباب الصراع..بعيداً عن فرض الوقائع بالقوة..
العمل المؤسسي.. التحدي الحقيقي..
المبادئ وحدها لا تبني الدولة.. المؤسسات هي التي تفعل..
ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام الكتلة الديمقراطية.. وغيرها من القوى السياسية..يتمثل في الإنتقال من البيانات والخطابات إلى تحديد آليات بناء مؤسسات قادرة على إنتاج السياسات وصناعة التوافقات وإدارة الحوار..
فالعمل المؤسسي يعني وجود رؤية مكتوبة..وآليات لاتخاذ القرار.. وبرامج زمنية.. وفرق متخصصة.. وخطط للتواصل مع المجتمع.. بدلاً من الاكتفاء بردود الأفعال أو التحالفات الظرفية..
كما يعني أن تتحول المبادئ الثمانية إلى برنامج سياسي متكامل..يحدد أولويات إعادة بناء الدولة..والإصلاح المؤسسي.. والاقتصاد..والعدالة الانتقالية.. وإعادة الإعمار..والعلاقات الخارجية..
نحو برنامج وطني جامع..
إذا كان ثمة ما يمكن إستخلاصه من هذا الطرح.. فهو أن السودان أصبح بحاجة إلى الإنتقال من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “بناء المشروع الوطني”..
فالحرب غيرت كثيراً من المعادلات.. وأثبتت أن بقاء الدولة يتطلب توافقاً واسعاً حول الثوابت الكبرى..حتى مع استمرار التنافس السياسي المشروع..
ومن هنا فإن المطلوب لم يعد مجرد تفاهمات سياسية محدودة.. وإنما تصميم برنامج وطني شامل يشارك في صياغته السودانيون أنفسهم.. ويستند إلى حوار سوداني–سوداني حقيقي يتجاوز الإصطفافات القديمة..ويضع أسساً جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع والقوي السياسية..
أخيراً..
قد يكون من المبكر الجزم بأن الكتلة الديمقراطية دخلت بالفعل مرحلة جديدة..لكن المؤشرات اللغوية والسياسية في خطابها الأخير توحي بوجود محاولة للإنتقال من خطاب المواجهة إلى خطاب المبادئ.. ومن الإشتباك مع التفاصيل إلى البحث عن العناوين الجامعة..
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المبادئ إلى مشروع سياسي مؤسسي..يتجاوز التقلبات المرحلية.. ويستوعب تعقيدات الواقع السوداني.. ويؤسس لحوار وطني شامل لا يُقصي أحداً بسبب هويته،د..ولا يتهاون مع من تثبت مسؤوليته القانونية.. ويعيد بناء المجال السياسي على قاعدة الدولة أولاً.. وسيادة القانون.. والشرعية الشعبية..
فالسودان..بعد هذه الحرب..لا يحتمل المزيد من الخطابات المتقابلة.. بقدر ما يحتاج إلى مشروع وطني متماسك يعيد تعريف الأولويات.. ويؤسس لمرحلة يكون فيها التنافس على البرامج وعلى بناء الدولة وكيف تحكم.




