العملية السياسية.. شروط تهيئة المناخ

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وعلى أيام النشاط السياسي والدبلوماسي والعسكري للمعارضة السودانية للنظام السابق تحت لافتة “التجمع الوطني الديمقراطي”، والذي وُقِّع ميثاق تأسيسه في الواحد والعشرين من أكتوبر من ذات عام الانقلاب على النظام الديمقراطي، تدخلت أطراف إقليمية ودولية عبر مبادرات شهدتها عدد من عواصم الإقليم، كان الهدف منها إيجاد “أرضية” تصلح للنقاش والتحاور بين طرفي الأزمة آنذاك، وتقريب وجهات النظر المتباعدة إلى حد المواجهات العسكرية، إضافة إلى حالة الاستقطاب الحاد داخلياً وإقليمياً، الشيء الذي باتت معه الأمور تبدأ بالخروج عن السيطرة، وبدأ تأثيرها يتجاوز جغرافيا السودان إلى أمن وسلام الإقليم بأكمله.
وقتها ظهر على السطح، وفي لغة الوسطاء، ما عُرف بشروط “تهيئة المناخ”.
ولأن المناخ المحتقن وقتها لم يكن ليسمح بالتقدم خطوات باتجاه “لملمة” أطراف القضية السودانية، فإن النظام وقتها لم يعبأ كثيراً بفكرة “تهيئة المناخ”، بينما توقف كثيراً فقط لدى كلمة “شروط” التي سبقت ذلك حينها، وأصبحت هذه الشروط هي نفسها سبباً في تأجيج نيران الصراع السياسي، والسؤال عن من يملك الحق والقدرة على إملاء الشروط على الآخرين.
(*) مناخ الحرب .. هل التوقيت مناسب؟
والحرب المستمرة لأربعة سنوات في السودان تفرض طقسها على المشهد السوداني الداخلي، وتستدعي معها مناخ الاستقطاب الدولي والإقليمي. وعلى الرغم من تناسل المبادرات الدولية والإقليمية عبر منظمات الإقليم ودوله، والمجتمع الدولي مجتمعاً، أو عن طريق الدول صاحبة التأثير والممسكة بمفاتيح “المناخ” السياسي والأمني والعسكري، إلا أن ارتفاع درجات حرارة الحرب قطع كل مسارات التفاوض، وإكمال “الحلقة الثالثة” من وصفة الحل الشامل لأزمة السودان، والتي تبدأ بروشتة “وقف إطلاق النار”، ثم الانتقال إلى “البروتوكول الإنساني” الذي ينادي بفتح المسارات الإنسانية، ودخول قوافل الدعم الإنساني، وإدراك حال النازحين واللاجئين، وإنقاذ حياة المدنيين المتأثرين بالحرب.
ثم، من بعد ذلك، يأتي الحديث عن “العملية السياسية” والإجابة على سؤال: كيف ستكون الدولة السودانية في اليوم الأول بعد الحرب؟
وبقدر ما أن هنالك موافقات “مبدئية”، على الأقل على مستوى التصريحات واللقاءات الدبلوماسية، فيما يخص وقف إطلاق النار ودخول المساعدات الإنسانية، إلا أن مسألة “العملية السياسية” هي “قندول” الأزمة السودانية الذي “شنقل الريكة” في كل مبادرة تمضي خطوة أو خطوتين ناحية الحل.
دعونا نعترف بأن مناخ الحرب ليس هو الطقس المناسب لمزاج السياسة السودانية، وأنه أفسد حتى “الحدود الدنيا” التي كان من المحتمل أن يجتمع حولها السودانيون لمناقشة قضاياهم التي لم تُحسم منذ الاستقلال، على شاكلة قضايا “الدستور الدائم” للبلاد، وأشكال وهياكل الحكم، والهوية، ومرجعيات الدستور، وتقاسم السلطة والثروة. ومن الأصل أن الحرب، ومنذ أن اشتعلت في منتصف أبريل 2023م، لم تجد السودانيين على وفاق، بل وجدتهم محملين بأثقال عمرها ثلاثة عقود من الديكتاتورية والاختلاف، ولا تزال البلاد تلعق جراحها من خطاب الكراهية والعنصرية والتطرف العنيف، فزادت النار المشتعلة وقوداً أكل الأخضر في السياسة السودانية واليابس منها.
وهنا يأتي السؤال حول المحاولات المستمرة للمجتمع الدولي والإقليمي للحفاظ على التراتبية الموجودة في وصفة حل الأزمة السودانية: “وقف إطلاق نار / مساعدات إنسانية / عملية سياسية”، وهل هي، وفي هذا التوقيت، البروتوكول العلاجي الأنسب للحالة السودانية، أم أن الأمر، وبعد اصطدامه بحائط الفشل لأكثر من مرة، على الرغم من الحشد الدبلوماسي الكبير لإنجاحه عبر المبعوثين الخواص، وبقاء الملف السوداني على منضدة ومنصات إقليمية ودولية كثيرة، يحتاج إلى قراءات مختلفة تنقله إلى نقطة تحققه على أرض الواقع.
على المستوى الداخلي، وبعد المتابعة المتكررة للغة الحوار بين “الحلفاء” والمصطفين إلى جانب واحد من الحرب، كنا نعتقد بأن وحدة “الخنادق” و**”البنادق”** كانت كفيلة بصناعة مزيج متماسك في الموقف السياسي، إلا أن ذلك لا يبدو متوقعاً، فالخطاب واللغة التي نراها في الإعلام والناشطين المحسوبين على هذه الأطراف يكاد يكون بذات الملامح والشبه من اللغة والخطاب الموجهين نحو العدو، ووفقاً للمناخ الناتج عن هذه اللغة وهذا الخطاب يمكننا القول بأن هنالك حاجة ماسة لإصلاح المناخ وتهيئته لصناعة خطوات إيجابية نحو الحل.
اللقاء الأخير الذي جمع السيد رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان بالكتلة الديمقراطية ربما يمكننا النظر إليه من زاوية أنه خطوة باتجاه تهيئة المناخ لإجراء عملية سياسية شاملة في البلاد.
وعلى الرغم من أن “الكتلة الديمقراطية” نفسها لم تعد “كتلة” واحدة تحمل رؤى ومواقف واحدة يمكن بها بناء عملية سياسية، فكيف هو الحال في مقابل قوى سياسية أخرى تقف في الضفة الأخرى من نهر الأزمة السودانية بمواقف سياسية متباينة تماماً؟
(*) تهيئة المناخ .. الممكن والمستحيل..
بالضرورة فإن المشاكل الداخلية والهيكلية داخل الكتلة الديمقراطية هي شأن داخلي يخص الكتلة وعضويتها، وهي المسؤولة عن إجراء المعالجات فيها لتكون الكتلة مهيأة لإجراء حوار سياسي يناقش تقديم حلول على مستوى الدولة السودانية، وهو، على ما يبدو، يدخل في إطار الممكن تنفيذه في الوقت الحالي، وأن ما تم استعراضه من خلافات لا يبدو معقداً بالدرجة التي تمنع الحل، طالما أن كل الأطراف متفقة على الخطوط العريضة.
الذي يبدو صعباً الآن لتهيئة المناخ هو تحقق “الشرط الوطني” الواحد، والتفاف الكل حوله للمضي قدماً نحو حل الأزمة السودانية بتعقيداتها. وإن لم يكن هذا الأمر في عداد المستحيل، فالمتابع يعلم بأن حالة الانقسام السودانية الحادة هي حالة سابقة لحالة الحرب، وأن الحرب زادتها وقوداً، وبالتالي فإننا أمام مهمة شبه مستحيلة لتقريب وجهات النظر بين هؤلاء الفرقاء، ليكون الأمر صالحاً بالجلوس معاً حول طاولة واحدة للحل.
الأقرب من الحلول المطروحة حالياً للأزمة السودانية، في الغالب، يعتمد على طرف دولي أو إقليمي، وهنا يأتي التعقيد في معادلة قبول الكل لهذا النمط من الحلول، وهو نمط لم توجده الصدفة، فهو أيضاً نتاج حالة يأس كبيرة من فكرة الحل “السوداني” الخالص.
من المستحيل أن يكون هنالك مناخ يساعد على حل الأزمة السودانية، وهناك عدم اتفاق حول الحرب نفسها؛ فهناك من يراها “الحل” الجذري لكل ما استعصى على الحلول السياسية، بينما يراها آخرون أصل الأزمة السودانية، وهي المناخ غير المناسب لاستعادة استقرار الدولة.
من الصعب جداً الاجتماع حول طاولة حل للأزمة السودانية بدون وجود “إرادة وطنية” خالصة ومتحررة من أي تأثير خارجي، وهو مطلوب أساسي لإكمال أي عملية سياسية تستهدف حلاً شاملاً للأزمة السودانية.
لا يمكن أبداً أن تكون لغة التخوين والتجريم والاتهام بالعمالة والارتزاق عاملاً إيجابياً من عوامل تهيئة المناخ، وبالتالي ينبغي الالتفات إلى أن هذه اللغة، وبغير أنها تخلق مزاجاً عاماً معادياً تماماً لأي حلول سياسية للأزمة الحالية، فإنها تباعد كثيراً بين الأطراف المطلوب منها الجلوس لمناقشات الحل.
هنالك إجراءات سياسية وقانونية ضد المعارضين والمختلفين سياسياً، في وقت من الأوقات كانت هي الرصيد المضاف لحملات التعبئة والتحشيد لأجواء الحرب، إلا أن هذا، بالضرورة، غير مناسب تماماً للأجواء المطلوبة لتهيئة مناخ السلام والعملية السياسية.
تبدأ الحلول من نقطة السيطرة على الخطاب الإعلامي، وضبط اللغة السياسية، بحيث يخدم ذلك المناخ المطلوب لأي عملية سياسية في العالم، والتعامل بمسؤولية أكبر مع ما تمر به البلاد الآن ومواطنوها من أزمة إنسانية وصفتها التقارير بأنها الأسوأ من بين كل الأزمات في هذا التوقيت، وبالتالي فإن تقديم المصلحة الوطنية على المصلحة السياسية شرط وجوب لتهيئة مناخ جيد للعملية السياسية.
النظر إلى تكاليف الحرب على الشعب السوداني كفيل بأن يستدعي الاستعجال بإزالة كل الشوائب التي تعكر صفو النقاش حول مطلوبات الحل للأزمة السودانية.
هذه المطلوبات يجب أن تتم في مناخ أمني مستقر يضمن سلامة الكل والمحافظة عليهم، ومناخ سياسي يكفل الحرية والمساواة للجميع ويحفظ حقوقهم الدستورية، ومن قبل ذلك إطار قانوني ودستوري لا تتم فيه مصادرة الحقوق الأصيلة لكل الأطراف، ويتم الاتفاق على تعريف من يحق له أن يكون جزءاً من العملية السياسية، وأسس وضوابط المشاركة دون إغراق يعطل ويخرب المناخ العام.
جزء مهم من شروط تهيئة المناخ لحل الأزمة السودانية هو أنه لا يجوز لأي جهة “احتكار” عملية التفاوض نفسها، وتحديد قائمة المشاركين لأسباب لا تبدو موضوعية أو خادمة للحراك الإيجابي.
واحدة من أسباب إفساد المناخ السياسي هي التعامل مع العملية السياسية بسقوفات مفتوحة دون إطار زمني يحدد متى تبدأ العملية وكيف تمضي، والإجابة على سؤال الضمانات المتعلقة بتنفيذ ما سيتم الاتفاق والتوقيع عليه.
شرط مهم جداً أن يتم فهم الحرب في إطارها الصحيح بأنها نتاج طبيعي لأزمة سياسية في إدارة الدولة، وبالتالي فهي تحتاج إلى مناخ وشروط مناسبة لمناقشة الحلول المطروحة لها.
إن تهيئة المناخ ليست مجرد بند يسبق التفاوض، بل هي العملية السياسية نفسها في مرحلتها الأولى. فلا يمكن بناء سلام دائم فوق انعدام الثقة، ولا إنتاج انتقال مستقر وسط استمرار الحرب وخطاب الكراهية والانقسام. لذلك فإن نجاح أي مبادرة لن يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات، وإنما بقدرتها على تهيئة البيئة التي تجعل السلام ممكناً، وتجعل السياسة بديلاً دائماً للبندقية.



