(الكشّات) تطارد لقمة العيش في أسواق الخرطوم.. 

بسطاء بين مطاردة المحلية ومصادرة أدوات الرزق

باعة متجولون وفريشة وبائعات شاي: نريد مكاناً آمناً نعمل فيه.. لا نريد سوى أن نأكل بالحلال

الخرطوم – هيام المغربي

مع انبلاج كل صباح، تبدأ مطاردة جديدة في أسواق الخرطوم. عربات المحليات تتحرك بين الشوارع والأرصفة، والباعة المتجولون والفريشة وبائعات الشاي يترقبون المشهد بقلق؛ فظهور عربات الحملات يعني بالنسبة لكثيرين ساعات من الهروب، ومصادرة أدوات العمل، وربما خسارة يوم كامل من الرزق.

هنا لا تبدو «الكشّة» مجرد حملة لتنظيم الأسواق وإزالة المخالفات، بل معركة يومية يخوضها أشخاص أنهكتهم الحرب، ويحاولون العودة إلى أبسط حقوقهم: أن يعملوا ويكسبوا قوت أسرهم.

كرسي خشبي، صينية شاي، وابتسامة لاستقبال الزبائن.. أشياء بسيطة، لكنها بالنسبة إلى حواء عيسى تمثل مصدر رزق أسرة كاملة. وقبل أن يغلي الماء وتبدأ في إعداد الشاي، تصل حملة المحلية.

تُصادر الكراسي، وتُطالب برسوم، وينتهي الأمر قبل أن يبدأ العمل.

حواء ليست وحدها. عشرات الباعة في أسواق الخرطوم يعيشون المشهد ذاته بصورة شبه يومية، وسط شكاوى من المطاردات ومصادرة المعدات وفرض رسوم مالية، في وقت يؤكد فيه الباعة أنهم لا يرفضون دفع الرسوم، وإنما يطالبون بتنظيم واضح يتيح لهم العمل بعيداً عن المطاردة والمصادرة.

«عاوزين نشتغل ونأكل حلال»

من قلب السوق المركزي، تحدث فيصل، بائع عصير متجول، لـ«العودة» عن معاناته مع حملات المحلية، قائلاً: «تعبنا مع ناس المحلية دي، والله بعاني منهم جداً. المفروض يدونا محل معين نشتغل فيه كناس خضار ونأكل حلال. نحن ما عندنا مانع ندفع رسوم المحلية، وقاعدين ندفع فعلاً، لكن مرات الفترة الصباحية بنكون ما شغالين بسبب ناس المحلية، ومرات بشيلوا مننا درداقاتنا ويصادروا معداتنا».

ويضيف: «بقينا ما قادرين نشتغل معاهم. رجاءً الجهات المسؤولة تقيف معانا وتنظم لينا موضوع المحلية ده».

يوم عمل يبدأ بالإغلاق وينتهي بالمصادرة

أما محمد توم، أحد فريشة الخضار بالسوق المركزي، فيصف واقعاً يقول إنه أصبح جزءاً من يومياتهم.

«بتواجهنا مشاكل كبيرة من ناحية المحلية والمطاردات وما شابه ذلك. نحن في اليوم بنجي نفتح الصباح، بجونا يقولوا لينا اقفلوا، وبنقوم نقفل. بعد دا يظهر ليك جزء منهم يقول ليك لو عاوز تشتغل ادفع».

ويشير إلى أن بعض الباعة يتعرضون لمطالبات مالية متكررة، قائلاً: «بياخدوا حوالي 2000 من كل فريش. وبرغم إننا بندفع في بعض الأحيان، بجوا برفعوا بضاعتك. ولو البضاعة اترفعت، تاني الله يعوضك».

ويضيف: «ممكن تلقى جزء من بضاعتك لمن تمشي للإدارات، ومرات جزء كبير بكون اتسرب وما تقدر ترجع حقك. وبقفلوا ليك باب رزقك. في فريشة كتار سابوا الشغل بسبب الحاصل ده. وربنا يصلح الحال».

نساء الحرب.. المعيل الأخير

في السوق العربي، تبدو معاناة بائعات الشاي أكثر قسوة. فالكثير منهن دخلن سوق العمل بعد أن فقدن مصادر الدخل أو أفراداً من أسرهن بسبب الحرب.

تقول إخلاص خضر، بائعة شاي بالسوق العربي: «كل اليوم المحلية دي جايانا، شايلة كراسينا وصنادقنا بطريقة وحشية. دي مصدر رزقنا، نشتغل كيف ونأسس حياتنا كيف؟ نحن جايين من حرب».

وتتابع: «النسوان الشغالين هسي في الوقت الراهن ديل، كثير منهن ربات منزل وعندهن أطفال فقدوا آباءهم في الحرب، وبقت المرأة هي المعيل الوحيد للأسرة. وشغل الشاي ده مصدر رزق».

وترى إخلاص أن مصادرة أدوات العمل لا تعني فقط خسارة كرسي أو كانون، بل تعني قطع مصدر دخل أسرة بأكملها.

«حاجة مؤسفة جداً إنو المرأة تُهان بالطريقة دي. يعني كأنهم بمنعونا من الشغل، والزول ما يشتغل ما يأكل، وما يعلم أولادو، وما يقدر يؤسس حياته».

وتشير إلى أن بعض النساء يعُلن أسرهن في ظروف بالغة الصعوبة، قائلة: «في ستات أولادهم الكبار في خط النار بحاربوا، ورب الأسرة متوفي، وهي بتعول الأسرة. ما ممكن زول عايش نفس الظروف يجي يلقى نفسه في ظروف أصعب، في الشغل يمنعوه ويشيلوا عفشه وكراسيه».

وتضيف: «الرسوم كبيرة جداً، ممكن تصل إلى 59 ألف جنيه عشان تشيل كرسي، والدستة بـ280. ولمن تجي المحلية تشيل مني وأنا دافعة رسوم، أطلع الكرسي من وين؟».

وتطالب إخلاص بمنحهم استثناءات مؤقتة، قائلة: «حالياً نحنا عندنا استرحام وعاوزين استثناءات لحدي ظروف البلد تتحسن والناس تحسن ظروفها، لأن الظروف الاقتصادية صعبة جداً».

«من الصباح للظهر ما قدرت أشتغل»

 

بالنسبة إلى ضيف الله بريمة، بائع العصير المتجول، فإن يوم العمل قد ينتهي قبل أن يبدأ.

يقول: «ناس المحلية ما مريحننا. يوم أمس من الصباح لحدي الظهر ما قدرت أشتغل. مسكوا درداقتي، وشالوا ثلاث حفاظات ورفعوها، لكن في ناس منهم جاملوني وادوني الحفاظات».

ويضيف: «عندي جرادل بكب فيها الموية للآن ما لقيتها، وشالوا مني طربيزة ولحدي الآن ما جابوها لي. مرات بشيلوا مننا 2000، ومرات 1000، ومرات 500».

ويختصر ضيف الله معاناته قائلاً: «دي ما شغلتنا، لكن الظروف جبرتنا نشتغل عصير وما يخلونا. محتارين على أمرنا. نسأل الله التخفيف. نحنا سودانيين بقينا نحس نفسنا ما سودانيين، بنلقى مضايقة شديدة في لقمة العيش. وربنا يهديهم ويخفف».

 

حواء.. امرأة تبحث عن قوت أطفالها

 

قصة حواء عيسى تختصر جانباً كبيراً من مأساة هذه الفئة.

تقول: «أنا عندي عيال، وما عارفة أبوهم وين، وإخواني الأشقاء ما عارفة حيين ولا ميتين من الحرب. بيتي شفشفوه وحرقوه، وما عندي سراير أنوم فيها. بطلع من الساعة 3 صباحاً عشان أجي أطلع حق أكل عيالي».

وتحكي عن حملات المصادرة قائلة: «لمن نجي، في جزء من ناس المحلية كعبين، يرفعوا الكراسي في الدفار، والناس الكويسين بقولوا لينا: يا جماعة خشوا جوا، زمننا انتهى، نمشي برا».

وتضيف: «هم في النهاية إخوانا، وربنا يهديهم. ما بنقدر نسمعهم كلام ما حلو لأنهم رجال. وناس الكشّة الكعبين ربنا يهديهم».

حواء التي عملت في عمارة الضرائب منذ عام 2006، تقول إنها لا تبحث عن أكثر من فرصة للعمل، مضيفة: «المرة الفاتت شالوا القنايات والقطعة العامل بيها مظلة فوق راسي. مشيت اشتريت تاني. وجيراني برضو شالوا درداقاتهم، وجاري بتاع الريحة شالوا حقه ولسه ما لقى بضاعة».

وتختم حديثها: «ربنا يجمع ونحنا صابرين ومتحملين خسارة عشان نسترزق لعيالنا».

 

«عاوزين مكان نشتغل فيه بإطمئنان»

 

وتقول رانيا هارون، بائعة شاي بالسوق المركزي، إن المصادرات تطال كل أدوات العمل.

«المحلية ما مريحانا، طوالي بتصادر مننا عدة الشغل، من كانون وبنابر وكراسي، وحتى الصندوق برفعوه. لكن الحمد لله شغالين، والواحد بعاني عشان يطلع لقمة عيش لعيالو وصابرين».

وتطالب رانيا الجهات المسؤولة بحل جذري، قائلة:

«نتمنى من الجهات المسؤولة تخصص لينا مكان نشتغل فيه بإطمئنان. نحنا عندنا عيال، وده مصدر رزقنا من بيع الشاي. والحمد لله».

 

بين التنظيم ولقمة العيش

 

وبينما تحتاج الأسواق إلى التنظيم وضبط النشاط التجاري، تضع شهادات الباعة وبائعات الشاي سؤالاً أكبر أمام السلطات المحلية: كيف يمكن تنظيم الأسواق دون أن يتحول التنظيم إلى مطاردة يومية للفئات الأكثر هشاشة؟

فأصحاب هذه المهن لا يطالبون – بحسب إفاداتهم – بإلغاء الرسوم أو الفوضى، بل بمكان محدد للعمل، ورسوم واضحة، وإجراءات معلومة، تحفظ حق الدولة في التنظيم، وتحفظ في الوقت ذاته حق المواطن في العمل.

وفي مدينة أنهكتها الحرب، يحاول هؤلاء إعادة بناء حياتهم من الصفر؛ امرأة تضع كانون الشاي أمامها، وشاب يدفع درداقته في الشارع، وفريش يرتب خضاره فوق طاولة صغيرة.

كل ما يريدونه هو مساحة آمنة للعمل.

فبالنسبة لهم، الكرسي ليس مجرد كرسي، والكانون ليس مجرد قطعة حديد، والدرداقة ليست مجرد عربة.. إنها رأس مالهم الوحيد، ومصدر رزق أطفالهم، وربما آخر ما تبقى لهم بعد أن أخذت الحرب الكثير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى