جلسة مجلس الأمن.. تعثر مشروع العقوبات أمام معادلة السودان المعقدة..

المشهد الآن / علم الدين عمر 

جلسة مجلس الأمن.. تعثر مشروع العقوبات أمام معادلة السودان المعقدة..

أربعة عناوين تختصر المشهد

واشنطن ترفع سقف الضغط.. لكن مجلس الأمن لم يمنحها القرار..

 لا حظر جوي ولا عقوبات جديدة.. الطرح الأميركي بقي خارج مربع التصويت..

روسيا ترفض معادلة الضغط على الدولة.. وباكستان تضع الجيش والمليشيا في ميزان مختلف..

الخرطوم تدخل المجلس من موقع الدفاع عن السيادة

 

لم تكن جلسة مجلس الأمن الخاصة بالسودان التي انعقدت في نيويورك أمس الاثنين 24 أغسطس مجرد جلسة جديدة في سلسلة الإجتماعات الدولية حول السودان.. حربه.. وسلمه.. إذ بدا من اللافت أن النقاش ذهب بعيداً في اتجاه الضغط على السودان.. بينما انتهى الإجتماع من دون قرار جديد.. ومن دون تصويت.. ومن دون فرض حظر جوي.. ومن دون نجاح في تحويل المقترحات المتداولة إلى إجراءات تنفيذية ملزمة..وقد جاء الإجتماع أساساً لبحث حماية المدنيين والتداعيات الإنسانية للحرب.. في ظل تصاعد القتال واستخدام المسيرات..لا سيما في كردفان ودارفور..

الأهم أن الولايات المتحدة دفعت باتجاه توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان.. وهو طرح شديد الحساسية لأنه ينقل العقوبة من نطاق جغرافي محدد إلى الدولة بأكملها.. بما يمكن أن يطال الجيش السوداني والمؤسسات العسكرية والأمنية.. وفق المعطيات المتداولة.. فإن الحظر الحالي على دارفور قائم منذ أكثر من عقدين.. ومن المقرر أن تنتهي صلاحيته في 12 سبتمبر ما لم يتوصل المجلس إلى اتفاق بشأنه..

 

الإختبار الأول.. من الحديث عن المدنيين لمحاولة إعادة تعريف ميزان القوة..

 

ظاهرياً..كان عنوان الجلسة إنسانياً بامتياز..المدنيون.. المساعدات.. الهجمات على المنشآت الحيوية.. والمسيرات..وقد قدمت الأمم المتحدة صورة شديدة القتامة عن الوضع..مشيرة إلى نزوح نحو 13 مليون شخص.. وإلى توثيق نحو 1400 وفاة بين المدنيين خلال النصف الأول من العام..بينها نحو 1100 وفاة مرتبطة بضربات المسيرات بحسب إفادة وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو..

لكن خلف العنوان الإنساني تكمن معركة سياسية أكثر تعقيداً..وذلك للإجابة علي سؤال متعلق بهل تتم معالجة الأزمة السودانية باعتبارها حرباً داخل دولة ذات سيادة..أم باعتبارها أزمة يمكن أن تبرر إعادة هندسة ميزان القوة من الخارج؟..

وهي نقطة حساسية الطرح الأميركي بتوسيع حظر السلاح.. فالإجراء..إذا تحول إلى قرار ملزم..لن يكون مجرد أداة إنسانية لتقليل تدفق السلاح.. بل يمكن أن يتحول عملياً إلى عامل مؤثر في موازين الحرب..خصوصاً إذا لم تُراعَ الفوارق بين القوات المسلحة الرسمية والمليشيا المتمردة..

هذه نقطة أهمية عدم إنتقال هذا الطرح في جلسة أمس إلى مرحلة التصويت أو القرار التنفيذي..

 

روسيا على الخط.. العقوبات ليست طريقاً محايداً..

 

الموقف الروسي مثل إحدى أهم نقاط التوازن في المشهد..فموسكو حذرت من إجراءات جديدة يمكن أن تمس الجيش السوداني.. في وقت دفعت فيه واشنطن بإتجاه توسيع حظر السلاح ليشمل كامل البلاد..

وهذه ليست مجرد ممانعة روسية روتينية فجوهرها السياسي أن العقوبات..عندما تُفرض على السودان وهو في حالة حرب..يمكن أن تتحول من أداة ضغط على أطراف النزاع إلى وسيلة تؤثر في قدرة الدولة نفسها على الدفاع عن أراضيها..

ما يفسر أهمية غياب التصويت..لم يكن هناك فيتو روسي أو صيني لأن مشروع قرار جديد لم يصل أصلاً إلى صندوق الإقتراع.. وهذه نقطة ينبغي تثبيتها بدقة..لأن الحديث عن «فيتو» في جلسة أمس غير صحيح إجرائياً..

لكن غياب التصويت لا يعني أن المعركة الدبلوماسية انتهت.. بالعكس.. ربما تكون قد بدأت مرحلة أكثر تعقيداً..عنوانها محاولة بناء توافق حول صيغة العقوبات قبل طرحها رسمياً..

 

باكستان تكسر معادلة المساواة..

 

من أكثر المواقف دلالة في الجلسة الموقف الباكستاني.. الذي شدد على ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدته ومؤسساته الوطنية..والتحذير من أي مقاربة تضعف مؤسسات الدولة أو تمنح مساحة لهياكل عسكرية أو سياسية موازية..كما أدان الموقف الباكستاني بوضوح هجمات قوات الدعم السريع على المدنيين والمنشآت المدنية.. وحذر من مخاطر التصعيد في محيط الأبيض..

هذه النقطة بالذات تمنح الموقف السوداني مساحة مهمة داخل النقاش الدولي.. ليس المطلوب فقط حماية المدنيين.. وإنما حماية الدولة أيضاً..

إذا كانت الأمم المتحدة تتحدث عن حماية المدنيين.. فإن السؤال الذي تفرضه الخرطوم هو.. من يحمي الدولة من التفكك؟ ومن يمنع تحويل الحرب إلى بوابة لإنشاء سلطات موازية؟ ومن يضمن ألا يصبح الضغط على القوات المسلحة الرسمية عاملاً مساعداً للمليشيا التي تقاتل الدولة؟

ولهذا تبدو الإشارة الباكستانية إلى ضرورة عدم إضعاف المؤسسات الوطنية ذات قيمة سياسية كبيرة..لأنها تنقل النقاش من الثنائية التقليدية «جيش ضد مليشيا» إلى معادلة أوسع معنية بدولة تحاول الحفاظ على وحدتها في مواجهة مشروع مسلح يسعى إلى فرض واقع موازٍ..

 

موقف السودان..لا رفض للسلام.. بل رفض لتغيير قواعد الحرب..

 

في المقابل..جاء الموقف السوداني أكثر وضوحاً في وضع شروطه السياسية والعسكرية..فقد أكد ممثل السودان أن أي تسوية مستدامة يجب أن تكون سودانية..بقيادة وملكية سودانيتين.. وأن تعدد مسارات الوساطة والتفاوض أضر بفرص الوصول إلى حل متماسك.. كما شدد على أن الحكومة لا ترفض وقف إطلاق النار من حيث المبدأ.. لكنها ترفض أي ترتيبات تستفيد منها المليشيا أو تفرض انسحاب القوات المسلحة من المدن التي تسيطر عليها..

هذه الجزئية تعني أن الخرطوم تحاول نقل مركز النقاش من سؤال «متى يتوقف إطلاق النار؟» إلى سؤال أكثر جوهرية..ما الذي سيحدث في اليوم التالي لوقف إطلاق النار؟..

فوقف إطلاق النار الذي يبقي قوات الدعم السريع في مواقعها..أو يمنحها شرعية سياسية موازية..أو يسمح لها بإعادة بناء قدراتها العسكرية.. لن يكون في نظر الحكومة نهاية للحرب..بقدر ما هو إعادة إنتاج لها بصورة مختلفة..

ولهذا جاء التشديد السوداني على انسحاب المليشيا من دارفور وكردفان.. ورفض أي صيغة تساوي بين الجيش الوطني والمليشيا المسلحة.. مع طرح مسار سياسي وطني يشارك فيه المدنيون والقوى السياسية والمجتمع المدني والنساء والشباب والقوات المسلحة وبقية مؤسسات الدولة..

 

ماذا يعني عدم صدور قرار؟..

 

المفارقة الكبرى في جلسة أمس أن مجلس الأمن ناقش واحدة من أكثر مراحل الحرب السودانية خطورة.. واستمع إلى دعوات واسعة لوقف التصعيد وحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية ومنع تدفق السلاح.. لكنه لم يخرج بإجراء تنفيذي جديد..

وهذا يعني سياسياً أن الولايات المتحدة والقوى الداعمة لاتجاه تشديد العقوبات لم تنجح في تحويل الضغط السياسي إلى قرار جديد داخل المجلس في هذه الجلسة.. لكنه لا يعني سقوط الفكرة نهائياً.. فالمسألة قد تعود في صورة مشروع قرار..خصوصاً مع اقتراب موعد انتهاء نظام حظر السلاح الخاص بدارفور..

أما الحديث عن منطقة حظر جوي.. فقد ظل في نطاق المقترحات والنقاشات ولم يتحول إلى قرار صادر عن المجلس.. كما أن الحكومة البريطانية كانت قد أوضحت في يوليو أنها لا تقترح في ذلك الوقت فرض منطقة حظر جوي على السودان..

 

خلاصة المشهد..

 

السودان خرج من الجلسة بلا عقوبة جديدة.. لكنه لم يخرج من دائرة الإستهداف السياسي

المشهد الحقيقي بعد جلسة مجلس الأمن ليس أن السودان إنتصر دبلوماسياً..ولا أن الضغوط الدولية انتهت..وإنما أن محاولة نقل الأزمة من مربع الضغط السياسي إلى مربع الإجراءات التنفيذية لم تنجح في جلسة أمس..

وهنا تظهر نقطة في غاية الأهمية حول الموقف السوداني.. الخرطوم لم تدخل النقاش الدولي من بوابة الدفاع عن أداء حكومتها فقط.. إنما حاولت تثبيت ثلاث قواعد..الدولة لا تُساوى بالمليشيا.. والسيادة لا يمكن حصرها في وقف إطلاق النار.. والسلام لا يمكن أن يكون مدخلاً لتكريس سلطة موازية..

في المقابل..فإن واشنطن وحلفاءها أمام معضلة حقيقية.. كيف يمكن فرض حظر شامل للسلاح دون أن يتحول الحظر إلى قيد على قدرة الدولة السودانية في الدفاع عن أراضيها..وكيف يمكن حماية المدنيين دون إنتاج فراغ أمني في حال الإصرار علي تحييد الدولة؟؟!! وكيف يمكن إنهاء الحرب دون مكافأة الطرف الذي أسس واقعاً عسكرياً موازياً؟!!

لذلك ربما تكون أهم نتيجة خرجت بها جلسة 24 أغسطس أن المعركة القادمة لن تكون فقط في كردفان ودارفور..قد تنتقل المعركة لنيويورك أيضاً.. حيث يحاول كل طرف تعريف الحرب..وتحديد من هو «الدولة» ومن هو «المتمرد»،..ومن يملك حق الدفاع عن السودان.. ومن سيدفع ثمن الحرب في صيغة القرار الدولي المقبل..

في هذه المعركة تحديداً..فإن عدم صدور قرار جديد أمس هو تأجيل للمعركة الأكثر حساسية..معركة صياغة القرار الدولي بشأن السودان..ومن الواضح أن الدولة حتي الآن متحكمة في أدواتها عبر خطابها الدبلوماسي القوي وخطها السياسي الواضح..وحشدها المتقدم لحلفاء من العيار الثقيل لديهم قناعة بضرورة دعم مؤسسات الدولة والحفاظ عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى