المهندس النجومي الطيب بشرى المدير العام لمنظمة (إعمار) لـ(العودة):

لا نريد إغاثة إلى الأبد والتنمية لا تنتظر نهاية الحرب

أبناء كوستي في المهجر يخططون لمشروعات مستدامة

المنظمة تبني طريقا من الإغاثة إلى التنمية

نسعى لتحسين البيئة المدرسية لأنها بداية الإصلاح

لا نريد إغاثة إلى الأبد والتنمية لا تنتظر نهاية الحرب

حوار: سراج الدين مصطفى

المهندس النجومي الطيب بشري لم تكن كوستي مجرد مدينة تركها خلفه حين هاجر إلى الولايات المتحدة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بل ظلت حاضرة في ذاكرته ووجدانه حتى عاد إليها محملا بخبرة سنوات طويلة ورغبة في رد الجميل. من هنا بدأ الحنين يتحول إلى فعل والعمل الطوعي إلى مشروع يتجاوز الإغاثة نحو التنمية والإعمار. بدأت الحكاية بمبادرات بسيطة في التعليم ثم اتسعت لتشمل دعم النازحين والأسر المتضررة ومشروعات تمس الصحة وتمكين الأسر وبناء القدرات. ومع تأسيس منظمة إعمار برز حلم أكبر يتمثل في إنشاء مستشفى تعليمي في كوستي ومشروعات مستدامة تؤكد أن إعادة بناء السودان مسؤولية مشتركة بين الداخل والمهجر وأن التنمية يمكن أن تبدأ بخطوة صغيرة لكنها قادرة على صناعة أثر كبير.

 

1. ماذا تعني لك مدينة كوستي بعد سنوات طويلة قضيتها مهاجرًا في الولايات المتحدة الأمريكية؟

 

كوستي بالنسبة لي ليست مجرد مدينة؛ إنها الأم الرؤوم التي احتضنتني وترعرعت بين أهلها، حتى وإن لم أمتلك فيها مسكنًا.

 

فيها كانت بداياتي الأولى، وفي مدارسها تعلمت؛ درست المرحلة الابتدائية في مدرسة نمرة 9، «جملون» حاليًا، ثم مدرسة النصر «المعهد» سابقًا، وبعدها في كوستي القوز، جامعة الإمام المهدي حاليًا.

 

هاجرت إلى الولايات المتحدة في منتصف الثمانينيات، لكنني لم أترك كوستي خلفي؛ فقد حملتها معي في داخلي، وظل حبها وأهلها الكرام جزءاً أصيلاً من وجداني. أشعر أنني انتسبت إليها، وهي بدورها لم تتنكر لي، بل ظلت وفية لي، أبادلها وفاءاً بوفاء.

 

وخلال سنوات الغربة، التقيت بعدد كبير من أبناء كوستي في الولايات المتحدة، ووجدت بينهم الإحساس نفسه تجاه مدينتهم. كانوا يتعاملون مع اسم كوستي باعتزاز، ويتكاتفون تمجيدًا لكرمها وأصالتها، ويواصلون نهج روادها في العمل العام والعطاء، ومنهم التجاني محمد خير، والأحمدين، وأحمد عبد القيوم، ومنيب عبد ربه، وغيرهم كثير.

 

وقد ظل أبناء كوستي في المهجر نموذجاً في حب الوطن والمدينة، وتقدموا الصفوف في المبادرات التي تخدم أهلهم، وهو ما يؤكد أن المسافة الجغرافية لا تستطيع أن تنتزع الإنسان من جذوره.

 

ولعل أجمل ما يعبر عن علاقتي بكوستي كلمات شاعرتنا المبدعة مواهب ركاب:

 

«كوستي برتاح لما تخطر

لمحة من إبداع فنونك

في الحواس ساكن ودادك

يحفظك مولاي يصونك»

 

هذه ليست مجرد أبيات شعر بالنسبة لي؛ إنها تلخص علاقة جيل كامل بمدينة نشأ فيها، وغاب عنها جسداً، لكنه ظل حاضراً فيها قلباً ووجداناً.

 

 

2. كيف حافظت على ارتباطك بمدينة كوستي وأهلها ومؤسساتها طوال فترة وجودك خارج السودان؟

 

حافظت على ارتباطي بكوستي من خلال الأسرة والمجتمع والعمل العام. فمنذ أن وُلد أبنائي في الغربة، نفيسة ومحمد وعبد الله، حرصت على أن يعرفوا أن مدينتهم في السودان هي كوستي، وأن الانتماء إلى الوطن لا تحدده المسافة ولا مكان الميلاد.

 

كما تحدثت مع الجاليات السودانية في المدن التي عشت فيها، وكان آخرها مدينة ريتشموند، التي تشرفت برئاسة جاليتها، وكنت دائماً أؤكد أن كوستي تستحق نصيبًا من الدعم الذي يقدمه السودانيون في المهجر لأهلهم ووطنهم.

 

ومن هذا الإيمان شاركت مع عدد من الإخوة الكرام، من بينهم الدكتور خالد محمد أحمد بانقير، والأخ معتصم إسماعيل محمد نور، والأخ حاج التوم الخير بله، إلى جانب إخوة أجلاء آخرين، في تأسيس سودان ريليف كجسم اعتباري يسعى إلى تقديم الدعم للمحتاجين في كوستي وغيرها من مدن السودان.

 

وكان حلمنا الأكبر ولا يزال هو الإسهام في إنشاء وتشغيل مستشفى تعليمي في كوستي، بمشاركة أبنائها وبناتها في الداخل والخارج، وبإسهام أبنائنا الذين ولدوا في المهجر ويحملون حباً عميقاً لمدينة ربما لم يروها، لكنهم يشعرون أنها جزء من هويتهم.

 

ومن المبادرات التي أسهمت في ربط أبناء كوستي في الولايات المتحدة، أنشأ أخونا الطيب «ود الحاجة» مجموعة عبر واتساب للتواصل بين أبناء المدينة. الطيب هو ابن الحاجة، الأستاذة آمنة قرندا، من الشخصيات التي ساهمت ايضا مع كوكبة من أبناء كوستي في تطوير هذه الفكرة، إلى أن تطورت إلى عمل مؤسسي منظم.اخونا حسن حاج علي و محمد بنزين و صلاح قمر واختنا نجلاء بنت ست زكية و استاذ محمد الحسن.

 

وهكذا انتقلت الفكرة من مجرد التواصل بين أبناء المدينة إلى العمل المؤسسي، فكانت سودان ريليف، ثم جاء مشروع «إعمار» ليحمل هذا الإرث ويترجمه إلى مشروعات عملية على الأرض.

 

وحرصنا كذلك على توثيق أعمالنا وإنجازاتنا عبر موقعنا الإلكتروني، حتى يرى الداعمون أثر مساهماتهم، ونستطيع من خلال ذلك تشجيعهم على مواصلة العطاء وتوسيع دائرة المشاركة.

 

فالفكرة بالنسبة لنا ليست تقديم المساعدة لمرة واحدة، وإنما تنفيذ مشروعات نموذجية ذات أثر واضح، ثم توسيع نطاقها كلما اتسعت دائرة الداعمين من أبناء السودان في المهجر، أو من المنظمات الدولية التي تتوافق مع رؤيتنا وشروطنا في التنفيذ.

 

 

3. ما أبرز المشاريع والمبادرات التي شاركت في دعمها من الولايات المتحدة لخدمة كوستي والمجتمعات السودانية؟

 

كانت البداية من موقف بسيط، لكنه ترك أثراً كبيراً فينا. فقد أخبرنا الأخ مالك التاج، رئيس نادي المريخ حالياً، وكان وقتها في كوستي، أن عدداً من البنات في إحدى المدارس يعانين من عدم وجود دورات مياه، ويضطررن لقضاء حاجتهن في العراء في ظروف مؤلمة وغير لائقة.

 

كانت الصورة صادمة بالنسبة لنا، فقررنا أن نتحرك. بدأنا بجمع أبناء كوستي في المهجر، وتمكنا من بناء ثماني دورات مياه، إلى جانب ترميم عدد من الفصول والسور، وتوفير بعض المقاعد والمستلزمات التعليمية الأخرى.

 

ومن هذه التجربة تعلمنا درساً مهماً: أن العمل الطوعي لا ينبغي أن يقتصر على بناء المنشأة وتسليمها، بل يجب أن تكون هناك مشاركة حقيقية من المستفيدين حتى يشعروا بأن المشروع مشروعهم، ويحافظوا عليه ويضمنوا استدامته.

 

ثم جاءت الحرب، فتغيرت الأولويات، وأصبح الاحتياج الإنساني أكثر إلحاحاً. وأسهمت سودان ريليف في دعم مطبخ مركزي للنازحين، من خلال شراكة مع إحدى المنظمات الوطنية التي ساهمنا في تأسيسها.

 

واستمر هذا الدعم خلال السنوات الثلاث التالية، كما شاركنا في مبادرة «كلنا وليد» لدعم أسرى القوات المسلحة والشرطة الذين أُفرج عنهم من سجون الدعم السريع، والذين أصبح بعضهم لاحقًا من المستفيدين من مشروعاتنا.

 

ومن أوائل المشروعات التي نفذتها منظمة إعمار مشروع الأضاحي، الذي شمل مناطق في الخرطوم وولاية النيل الأبيض، وكان هدفه الوصول إلى الأسر الأكثر احتياجاً وإدخال شيء من الفرح إلى بيوتها في ظل الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب.

 

 

4. لماذا قررت بعد سنوات الهجرة والاغتراب العودة والاستقرار في السودان بدلًا من مواصلة حياتك في الولايات المتحدة؟

 

بعد خمسة وعشرين عامًا من العمل في شركة الاتصالات العالمية كومكاست، بدأت أشعر أن الوقت قد حان لمرحلة جديدة من الحياة. كنت قد وصلت إلى سن التقاعد الاختياري، وقررت مع أسرتي الصغيرة أن نتجه شرقًا، إلى مكان يكون أقرب إلى السودان، الذي كنا نخطط منذ سنوات أن يكون موطننا في مرحلة ما بعد الحياة العملية.

 

توقفنا في مصر لفترة، وتناقشنا في إمكانية الاستقرار هناك، لكن الحنين إلى السودان كان أقوى. لذلك قررت، برفقة صديقي الصادق صديق، المستشار الأممي، أن نتجه إلى السودان.

 

كانت تلك الرحلة بداية مرحلة جديدة في حياتي؛ مرحلة أردت فيها أن أستثمر ما اكتسبته خلال سنوات الغربة والعمل في خدمة بلدي وأهلي، وأن أكون جزءاً من الحل، ولو بقدر محدود، بدلًا من أن أظل متفرجاً على ما يحدث من بعيد.

 

 

5. كيف أثرت الحرب الحالية على رؤيتك للعمل الطوعي وعلى قرارك بتأسيس منظمة إعمار؟

 

الحرب وجدتني منخرطاً بصورة أكبر في العمل الطوعي، لكنها في الوقت نفسه أعادت ترتيب أولوياتنا. ففي البداية كان التركيز على الإغاثة العاجلة، والمطابخ المركزية والتكايا، والوصول إلى الناس الذين فقدوا مصادر رزقهم ومساكنهم.

 

ومع استمرار الحرب، توسع نطاق عملنا ووصلنا إلى مدن بعيدة عن الخرطوم، ووجدنا أنفسنا أمام احتياجات إنسانية ضخمة لا يمكن التعامل معها بالاستجابة الطارئة وحدها.

 

وفي مرحلة معينة أدركنا أننا بحاجة إلى العودة إلى حلمنا الأكبر: المساهمة في بناء مستشفى تعليمي في كوستي، ولكن من خلال مشروعات ومبادرات تتناسب مع ظروف المرحلة وتبني الثقة والقدرة المؤسسية تدريجياً.

 

ومن هنا جاءت «إعمار»؛ كاستجابة للواقع الجديد، وكخطوة نحو الانتقال من مجرد الاستجابة للأزمة إلى الإسهام في إعادة بناء ما دمرته الحرب.

 

 

6. لماذا اخترت اسم «إعمار» وما الفكرة الأساسية التي قامت عليها المنظمة؟

 

اخترنا اسم «إعمار» لأنه يعبر عن احتياجات المرحلة التي يمر بها السودان. فبعد ما خلفته الحرب من دمار في الإنسان والمكان والمؤسسات، أصبحنا بحاجة إلى الانتقال تدريجياً من الإغاثة إلى إعادة البناء والإعمار.

 

والاسم لم يكن قراراً فردياً، وإنما اختارته الجمعية العمومية للمنظمة، لأنه يلخص رؤيتنا: أن نساعد في إعمار ما يمكن إعمارُه، وأن نعيد الأمل إلى المجتمعات المتضررة من خلال مشروعات عملية في الصحة والتعليم والخدمات الأساسية والعمل الإنساني.

 

إعمار بالنسبة لنا ليست مجرد منظمة، وإنما فكرة تقوم على أن السودان يمكن أن ينهض من جديد إذا تكاملت جهود أبنائه في الداخل والخارج.

 

 

7. كيف تعمل منظمة إعمار في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان حاليًا؟

 

تعمل منظمة إعمار في هذه الظروف وفق مبدأ أساسي، وهو أن العمل الإنساني لا يحتمل الانتظار، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى التخطيط والتنظيم حتى يكون أثره مستداماً.

 

نحن نعمل وفق الأولويات التي تفرضها حاجة الناس على الأرض، ونحاول أن نكون قريبين من المجتمعات المستفيدة، وأن نحدد الاحتياجات بصورة مباشرة قبل تصميم أي مشروع.

 

كما نعتمد قدر الإمكان على الشراكات مع المبادرات والمنظمات المحلية، لأن أبناء المنطقة هم الأقدر على معرفة احتياجات مجتمعهم.

 

وفي ظل صعوبة الظروف الأمنية والاقتصادية، نحرص على أن تكون مشروعاتنا واقعية وقابلة للتنفيذ، وأن تصل المساعدات إلى مستحقيها بأكبر قدر ممكن من الشفافية والفاعلية.

 

ونحن لا ننظر إلى العمل الإنساني باعتباره توزيعاً للمساعدات فقط؛ بل نراه مدخلاً لإعادة بناء قدرة المجتمع على الاعتماد على نفسه، ولذلك نعمل على أن تكون مشروعاتنا خطوة في طريق التعافي والإعمار.

 

 

8. ما أبرز المشروعات التي نفذتها المنظمة منذ تأسيسها في مجالات الصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية؟

 

منذ انطلاق العمل المؤسسي، ركزنا على ثلاثة مسارات رئيسية: التعليم، والصحة، والاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة.

 

في مجال التعليم، كانت من أوائل تجاربنا المساهمة في تحسين البيئة المدرسية، من خلال إنشاء دورات مياه، وترميم الفصول والأسوار، وتوفير بعض المستلزمات الأساسية.

 

وقد تعلمنا من هذه التجربة أن البيئة التعليمية جزء أساسي من جودة التعليم، وأن توفير الاحتياجات البسيطة يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً في حياة الطلاب.

 

وفي الجانب الإنساني، كان لنا دور في دعم المطابخ المركزية والتكايا التي تقدم الطعام للنازحين والأسر المتضررة من الحرب، إضافة إلى دعم بعض الفئات التي واجهت ظروفًا استثنائية نتيجة الحرب.

 

كما نفذنا مشروع الأضاحي في الخرطوم وولاية النيل الأبيض، ووصلنا من خلاله إلى عدد من الأسر الأكثر احتياجاً.

 

أما في مجال الصحة، فإن رؤيتنا تتجاوز تقديم المساعدات العلاجية المؤقتة إلى المساهمة في بناء مؤسسات صحية مستدامة. ولذلك يظل حلم إنشاء مستشفى تعليمي في كوستي أحد أهم الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها، متى ما توفرت الظروف والشراكات والموارد اللازمة.

 

 

9. في مشروع توزيع لحوم الأضاحي أخيراً، كيف حددتم المستفيدين؟ وهل رسمت الأضاحي البسمة على وجوههم؟

 

حاولنا أن يكون اختيار المستفيدين قائماً على الحاجة الفعلية، وليس على المعرفة الشخصية أو العلاقات. اعتمدنا على المعلومات التي توفرها لنا الجهات والمبادرات المحلية، وعلى معرفة المتطوعين الموجودين في الميدان بالأسر الأكثر احتياجاً.

 

كنا نبحث عن الأسر التي فقدت مصادر دخلها، والأسر النازحة، والأرامل والأيتام، والأسر التي تعيش في ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة.

 

أما عن البسمة، فهي ربما كانت أكبر عائد حصلنا عليه من المشروع.

 

في ظل الحرب، أصبح الحصول على وجبة تحتوي على اللحوم بالنسبة لبعض الأسر أمراً صعباً جداً. ولذلك لم تكن الأضحية بالنسبة لنا مجرد كمية من اللحم توزع على الأسر؛ كانت رسالة تقول لهم: «أنتم لستم وحدكم، وهناك من يفكر فيكم ويقف إلى جانبكم».

 

ورأينا بالفعل الفرح في وجوه الناس، وهذا بالنسبة لنا كان دافعاً للاستمرار.

 

 

10. ما الذي وجدتموه على أرض الواقع من احتياجات المواطنين في المناطق التي تعملون فيها بين الخرطوم وكوستي؟

 

ما رأيناه على الأرض أكبر بكثير من مجرد نقص في الغذاء أو الدواء. الحرب أضعفت قدرة الناس على توفير أبسط احتياجات الحياة، وأثرت على التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي وفرص العمل.

 

وجدنا أُسراً نزحت أكثر من مرة، وأطفالًا انقطعت عنهم الدراسة، ومرضى يجدون صعوبة في الوصول إلى العلاج، وأُسراً فقدت مصدر دخلها بالكامل.

 

لكن الشيء الذي لفت انتباهنا أكثر هو أن المجتمع نفسه لا يزال يمتلك قدرة كبيرة على الصمود والتكافل. في كثير من الأماكن وجدنا متطوعين يعملون بإمكانات محدودة جداً، ولكن بإرادة كبيرة.

 

وهذا جعلنا نؤمن بأن دور المنظمات ليس أن تحل محل المجتمع، وإنما أن تدعم قدرته الموجودة أصلاً، وأن توفر له الموارد والأدوات التي تمكنه من القيام بدوره بصورة أفضل.

 

 

11. هل ترى أن المبادرات الطوعية قادرة على سد الفجوات التي خلفتها الحرب في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية؟

 

لا أعتقد أن العمل الطوعي وحده يستطيع أن يسد كل الفجوات التي خلفتها الحرب، فحجم الاحتياجات أكبر من قدرة أي منظمة أو مبادرة منفردة.

 

لكنني أؤمن بشدة بأن المبادرات الطوعية تستطيع أن تكون جزءاً أساسياً من الحل.

 

الميزة الكبيرة للعمل الطوعي أنه قريب من الناس، وسريع الحركة، ويستطيع الوصول إلى أماكن قد يصعب على المؤسسات الكبيرة الوصول إليها. كما أن أبناء المجتمع أنفسهم يعرفون احتياجات مناطقهم بصورة دقيقة.

 

لكن المطلوب هو الانتقال من المبادرات الفردية المتفرقة إلى العمل المؤسسي المنظم، ومن الاستجابة المؤقتة إلى مشروعات طويلة الأجل.

 

والأهم من ذلك هو أن تتكامل جهود الدولة، والمنظمات الوطنية، والمنظمات الدولية، ورجال الأعمال، وأبناء السودان في المهجر. إذا اجتمعت هذه الجهود، يمكن أن نصنع أثراً أكبر بكثير من أي جهة تعمل منفردة.

 

 

12. ما أبرز المرافق الطبية والمدارس التي ساهمت منظمة إعمار في تأهيلها، وما الذي تحتاجه هذه المؤسسات اليوم؟

 

بدأ اهتمامنا بهذا المجال من المدارس، وكانت تجربتنا الأولى في تحسين البيئة المدرسية من خلال إنشاء دورات مياه وترميم الفصول والأسوار وتوفير بعض المستلزمات.

 

وقد علمتنا هذه التجربة أن احتياجات المؤسسات التعليمية والصحية ليست دائماً مشروعات ضخمة؛ أحياناً يكون التدخل البسيط، إذا جاء في المكان الصحيح، ذا أثر كبير.

 

أما المؤسسات الصحية، فنحن ننظر إليها من زاوية أوسع. السودان اليوم يحتاج إلى إعادة تأهيل المرافق التي تضررت، لكنه يحتاج أيضاً إلى كوادر ومعدات وأدوية وأنظمة تشغيل تضمن إستمرار الخدمة.

 

ولهذا فإن رؤيتنا المستقبلية لا تقتصر على ترميم المبنى، وإنما تشمل توفير البيئة التي تجعل المؤسسة قادرة على تقديم خدمة حقيقية ومستدامة.

 

ومن هنا يأتي حلمنا بإنشاء مستشفى تعليمي في كوستي، ليكون مشروعاً يجمع بين تقديم الخدمة الصحية، وتدريب الكوادر، وبناء مؤسسة يمكن أن تخدم كوستي والمناطق المحيطة بها.

 

 

13. ما المشروعات التي تستعد منظمة إعمار لتنفيذها خلال المرحلة المقبلة، وما الأولويات التي تضعونها أمامكم؟

 

أولويتنا في المرحلة المقبلة هي الانتقال تدريجياً من الاستجابة الطارئة إلى الإعمار والتنمية.

 

لدينا اهتمام بمواصلة دعم التعليم وتحسين البيئة المدرسية، ودعم المبادرات الصحية، والاستمرار في مساعدة الأسر الأكثر احتياجاً والنازحين، ولكننا نريد أن تكون هذه المشروعات أكثر تنظيمًا واستدامة،

لدينا مشروع للكفالة المجتمعية و مشروع لكفالة الايتام و مشاريع مدرة للدخل للاسر الضعيفة و المتعففة و مشروع بناء القدرات للشركاء و الجهات ذات الصلة بالاضافة للمشاريع الصديقة للبيئة

 

كما نعمل على تطوير فكرة المشروعات الصحية، وصولاً إلى مشروعنا الأكبر المتمثل في إنشاء مستشفى تعليمي في كوستي.

 

ونحن نؤمن بأن هذا المشروع لا يمكن أن يكون مشروع شخص أو منظمة واحدة؛ بل يجب أن يكون مشروع أبناء كوستي والسودان في الداخل والمهجر.

 

لدينا أبناء وبنات كوستي في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج وأستراليا وغيرها، ولدينا رجال أعمال وأطباء ومهندسون ومختصون يمكن أن يسهموا بخبراتهم أو مواردهم.

 

لذلك نريد أن نبني شبكة من الشراكات تجعل كل شخص قادراً على المساهمة يجد مكاناً له في هذا المشروع.

 

 

14. بعد كل هذه التجربة، ماذا تقول للسودانيين في الداخل والخارج عن مسؤولية الفرد تجاه وطنه في زمن الحرب؟

 

رسالتي للسودانيين في الداخل والخارج بسيطة: الوطن مسؤولية الجميع، وليس مسؤولية الحكومة وحدها أو المنظمات وحدها.

 

الحرب كشفت لنا أن الدولة مهما كانت إمكاناتها لا تستطيع أن تواجه كل الاحتياجات وحدها، وأن المجتمع عندما يتكاتف يستطيع أن يصنع فارقاً حقيقياً.

 

السوداني الموجود في الداخل يستطيع أن يخدم وطنه بعمله وتطوعه وحفاظه على مجتمعه، والسوداني في الخارج يستطيع أن يساهم بخبرته وماله وعلاقاته ووقته.

 

وليس مطلوبًا من كل إنسان أن يفعل شيئاً عظيماً؛ المهم أن يفعل شيئاً نافعاً.

 

أنا شخصيًا عشت سنوات طويلة خارج السودان، وعندما عدت وجدت أن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يرد بعض الجميل لوطن أعطاه الكثير.

 

وأقول لأبناء السودان في المهجر: لا تجعلوا المسافة بينكم وبين الوطن تتحول إلى قطيعة. يمكنكم أن تكونوا بعيدين جغرافيًا، ولكنكم تستطيعون أن تكونوا قريبين بالعمل والعطاء.

وأقول لأبناء السودان في الداخل: أنتم خط الدفاع الأول عن المجتمع، وأنتم الأقدر على معرفة احتياجاته، فلا تستسلموا لليأس.

 

أما رسالتي للجميع فهي أن السودان لن يُبنى بالشكوى وحدها، ولن يُبنى أيضاً بجهد فرد واحد. السودان سيُبنى عندما يقرر كل واحد منا أن يسأل نفسه:

 

ماذا أستطيع أن أفعل؟

 

ومن هنا جاءت «إعمار»؛ لأننا نؤمن أن الإعمار يبدأ بالإنسان، وبالأمل، وبخطوة صغيرة يضعها كل شخص في الاتجاه الصحيح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى