حلاوة “العودة”

صنع طريقه عبر الطواف والسفر المستمر 

ود البكري.. فنان الأرياف الأول !!

 

تقرير: سراج الدين مصطفى

 

صوت الولايات :

 

يمثل الفنان ود البكري واسمه عبد الباقي محمد البكري واحدة من التجارب اللافتة في مسيرة الغناء الشعبي السوداني المعاصر وقد استطاع خلال سنوات طويلة ان يصنع لنفسه حضورا جماهيريا واسعا ارتبط بالشوق والغربة والحنين الى الوطن واستحق عن جدارة لقب فنان الولايات الاول بعد ان جعل من الاقاليم مسرحا رئيسيا لانتشاره الفني.

 

جذور كردفانية :

 

ينحدر ود البكري من بيئة كردفانية كان لها اثر واضح في تكوينه الفني وفي طبيعة صوته واختياراته الغنائية فقد حمل معه ملامح المكان الى تجربته ونجح في التعبير عن الوجدان الشعبي من خلال اداء يجمع بين البساطة والقوة ويقترب من تفاصيل الناس اليومية واحلامهم واشواقهم ورحلاتهم الطويلة.

 

هوية شعبية :

 

تقوم هوية ود البكري الفنية على مزج واضح بين اغنية الشايقية والموروث الكردفاني مع اهتمام خاص بفنون الدوبيت والموال والرميات وهو مزج منحه شخصية ادائية مميزة وجعل تجربته قادرة على مخاطبة جمهور واسع يمتد من مناطق كردفان الى مختلف انحاء السودان ويجد فيها المستمع صدى لثقافته وذاكرته.

 

طريق الانتشار :

 

لم يبدأ انتشار ود البكري من بوابات الاجهزة الاعلامية الرسمية بل صنع طريقه عبر الطواف المستمر بين الولايات والمشاركة في المناسبات الاجتماعية والفنية المختلفة وقد اتاح له هذا الحضور المباشر الاقتراب من الجمهور والتعرف على ذائقته وتحويل المناسبات الشعبية الى مساحة حقيقية لبناء قاعدة جماهيرية واسعة ومستمرة.

 

اغاني الغربة :

 

احتلت ثيمة السفر والغربة والشوق مساحة كبيرة في تجربة ود البكري الغنائية وبرز ذلك في عدد من الاعمال التي لامست مشاعر السودانيين في الداخل والخارج ومن بينها (قلبي يا طيب) و(كل حاجة ولا السفر) و(داير اسافر وداير اسيبك وارحل بعيد) وهي اغنيات ارتبطت بتجارب الفراق والحنين.

 

ملامح التراث :

 

لم يكتف ود البكري باغاني الشوق والغربة وانما حافظ على حضور واضح للموروث الشعبي في مشروعه الفني وقدم اعمالا تحمل اسم المكان وروحه مثل اغنية كردفان والسمحة ما لمتك انا ولو جنيت انا ما ملام ليؤكد اهتمامه بتوظيف المفردة الشعبية والايقاع المحلي في بناء تجربته الغنائية.

 

حضور نبوي :

 

امتدت تجربة ود البكري الى المديح النبوي الذي قدمه بروح شعبية وجدانية قريبة من جمهور المناسبات الدينية والاجتماعية واصدر في هذا المجال عدة اعمال من بينها ما احلى رسول الله ومن مكة ليل سرى ليضيف بعدا روحيا الى مسيرته ويكشف عن قدرة صوته على الانتقال بين الغناء والمديح.

 

ذاكرة جماهيرية :

 

تكمن قيمة ود البكري في قدرته على بناء علاقة مباشرة مع الجمهور وتحويل الاغنية الشعبية الى مساحة للتعبير عن قضايا الشوق والسفر والانتماء والذاكرة وقد ظل حضوره مرتبطا بالولايات واهلها لذلك بقي لقبه فنان الولايات الاول تعبيرا عن تجربة صنعت انتشارها من الميدان قبل المنابر الاعلامية الرسمية.

/////////////////

نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى

 

أغنية الود حين لم يفهمها الناس!!

 

أثر مصري :

 

لم يكن الغناء المصري مجرد صوت عابر في الاذن السودانية بل كان تجربة كاملة تسللت الى وجدان المتلقي ودفعت كثيرا من الفنانين السودانيين الى محاولة الاقتراب من نماذج ام كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الاطرش فظهرت انعكاسات ذلك التأثير في الالقاب والاسماء والالحان والمقدمات الموسيقية دون ان يلغي الخصوصية السودانية.

 

تشابه الألقاب :

 

كان تأثير النجوم المصريين واضحا حتى في صناعة الصورة الذهنية للفنان السوداني فقد حملت عائشة الفلاتية لقب ام كلثوم السودان بينما ارتبط زيدان ابراهيم بلقب العندليب الاسمر وحمل عثمان الاطرش اسما يحيل مباشرة الى فريد الاطرش وهي تسميات تكشف حجم الحضور المصري في المخيلة الفنية السودانية خلال مراحل مختلفة.

 

هوية سودانية :

 

لكن التأثير المصري لم يكن يعني ذوبان الشخصية الموسيقية السودانية داخل النموذج المصري فالغناء السوداني ظل محتفظا بالسلم الخماسي باعتباره احد ابرز ملامح هويته الموسيقية وهذا التفاعل بين التأثر والانتماء خلق حالة فنية فريدة استفادت من التجربة المصرية في بعض ادواتها دون ان تتخلى عن جذورها المحلية وخصوصيتها التعبيرية.

 

تجربة وردي :

 

ولعل تجربة الهرم محمد وردي تقدم نموذجا بالغ الدلالة على كيفية تعامل الفنان السوداني الكبير مع المؤثرات المصرية فقد كان تأثير تلك المدرسة واضحا في استلهام المقدمات الموسيقية غير ان وردي لم يتعامل معها باعتبارها قوالب جاهزة بل اعاد صياغتها داخل رؤيته الخاصة وروحه السودانية ومشروعه الموسيقي المتفرد.

 

أغنية الود :

 

تظهر هذه المسألة بوضوح في اغنية الود التي بدأ وردي تلحينها عام 1965 ولم يكتمل اللحن الا عام 1970 وهي فترة طويلة تكشف عن طبيعة التحدي الذي واجهه الفنان امام نص مختلف في مفرداته وفكرته فقد كان عليه ان يبحث عن لحن قادر على تفسير الكلمات وجمالياتها للمستمع.

 

صعوبة المفردة :

 

يرى وردي ان تأخر اكتمال لحن الود ارتبط بصعوبة كلماتها ومفرداتها الى جانب اختلاف فكرتها عن السائد في الساحة الفنية وقتها ولذلك لم يكن التلحين بالنسبة اليه مجرد وضع موسيقى للنص وانما محاولة لفهم الكلمات وتفسيرها وتحويل معانيها الى حركة موسيقية يستطيع المتلقي الاقتراب منها واستيعاب تفاصيلها تدريجيا.

 

قبول متأخر :

 

عندما قدم وردي اغنية الود لم يفهمها الناس مباشرة ولم يتقبلوها بسهولة لانها جاءت بشكل غنائي جديد ونمط مختلف عن المألوف لكن الزمن انصف التجربة فمع تكرار الاستماع بدأت الاغنية تكشف عن جمالياتها ووجدت طريقها الى وجدان الجمهور بعدما اعتاد المستمعون على بنائها الموسيقي المختلف وخصوصيته التعبيرية.

 

خلود التجربة :

 

وهنا تكمن المفارقة الجميلة في التجارب الموسيقية المؤثرة فالفنان قد يستلهم نموذجا خارجيا لكنه يصبح خالدا حين يعيد انتاجه بلغته الخاصة وتجربته المحلية والود واحدة من الشواهد على ذلك فقد عبرت سنواتها الطويلة لتؤكد ان التجديد قد يواجه الرفض اولا لكنه يصبح جزءا من الذاكرة حين يكتشف الجمهور جماله الحقيقي.

///////////////////////

نص كلمة

 

 

إنصاف فتحي .. فنانة خارج المألوف !!

 

حضور لافت:

 

أثبتت الفنانة انصاف فتحي خلال مسيرتها الفنية امتلاكها قدرات عالية في الاداء والصوت مكنتها من صناعة حضور واسع بين المستمعين ووضعتها في موقع متقدم بين الاصوات السودانية المعاصرة فهي لا تعتمد على جمال الصوت وحده وانما تمضي نحو بناء تجربة فنية جادة تبحث عن مكانها في الوجدان الجمعي بثبات واضح ومتزايد.

 

اختيارات واعية:

 

تسير انصاف فتحي في درب الكبار من خلال مشروع غنائي يبدو اكثر نضجا ووعيا بقيمة الاختيار فهي تنتقي الحانها وكلماتها بعناية وتتعامل مع الاغنية باعتبارها بناء متكاملا يحتاج الى رؤية واضحة كما تمنح التراث مساحة مهمة داخل تجربتها لتعيد تقديمه بروح معاصرة تحافظ على اصالته وجماله.

 

تجربة متكاملة:

 

ما يميز تجربة انصاف فتحي انها لا تكتفي بصناعة حضور جماهيري سريع بل تبدو منشغلة بتأسيس مشروع يمكنه الاستمرار ومراكمة القيمة الفنية عبر الزمن وهذا ما يجعل تجربتها جديرة بالاحترام فهي تجمع بين القدرات الصوتية والاختيارات الشعرية واللحنية والاقتراب من التراث في صيغة تمنحها خصوصية واضحة بين جيلها.

////////////////

كلام فى الفن

 

الدكتور جلال حامد:

 

يحمد للدكتور جلال حامد انه يدفع من ماله الكثير لانتاج الدراما التلفزيونية في وقت تراجع فيه اهتمام الدولة بتمويل هذا القطاع المهم ورغم اختلاف الرؤى حول تجربته يظل اسهامه جديرا بالتقدير لانه يراهن على استمرار الدراما ويمنح العاملين فيها فرصة جديدة لصناعة محتوى سوداني قادر على الحضور والاستمرار في المشهد.

 

امجد حمزة:

 

اتفقنا او اختلفنا حول الشاعر والملحن امجد حمزة يظل قادرا على صناعة الاغنيات سريعة الانتشار وهذه قدرة لا تتوفر بسهولة لكل المبدعين فهو يعرف كيف يلتقط الايقاع القريب من الجمهور ويصوغ الكلمات والالحان بصورة تجعل العمل قابلا للتداول والحضور في الذاكرة خلال وقت قصير وبطريقة مؤثرة وقريبة من المستمع.

 

ندى القلعة:

 

عادت الفنانة ندى القلعة الى العاصمة الخرطوم والى بيتها في خطوة تحمل كثيرا من الدلالات الانسانية والوطنية ويحمد لها انها ظلت حاضرة في المشهد باعتبارها فنانة وطنية صاحبة مواقف قوية فقد ارتبط حضورها دائما بالتعبير عن قضايا الناس ومشاعرهم والاقتراب من تفاصيل حياتهم في مختلف الظروف والمراحل التي مرت بها البلاد.

 

طه سليمان:

 

في الآونة الاخيرة بدا الفنان طه سليمان اكثر اهتماما بمظهره وبمحتوى اغنياته كما اصبح يمنح الاضواء المسرحية مساحة اكبر ضمن تفاصيل عروضه وهذا الاهتمام يعكس وعيا متزايدا بالصورة الفنية المتكاملة فالفنان المعاصر لا يعتمد على الصوت وحده وانما يقدم حضورا بصريا وادائيا يواكب تطور الجمهور وذائقته المتغيرة ويمنح العرض حيوية اكبر.

 

عبدالقادر سالم:

 

يجب ان اقول ان الاسرة الفنية في السودان فقدت برحيل الدكتور عبدالقادر سالم فنانا تتجلى فيه الانسانية قبل الفن فقد كان حضوره مرتبطا بالاحترام والمحبة والعطاء وظلت تجربته شاهدا على قيمة الفنان حين يجمع بين الموهبة والخلق الرفيع وسيبقى اثره حاضرا في ذاكرة الموسيقى السودانية زمنا طويلا ومحفورا في وجدان الاجيال.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى