المؤرخ والمفكر البروفسير عبدالله علي إبراهيم للعودة (2-2)

لست ممن يعولون على هذه المبادرات
صفوتنا البرجوازية الصغيرة بتاعة “ركن نقاش” وهو ما تراه منهم الآن بإزاء دعوة للحوار
«الحرب الثانية» بين قحاطة وكيزان مستحقة عندهم أكثر من حرب الميدان التي يعدونها مجرد عرض جانبي
ليس في صفوتنا عادة الحوار.. ومتى كان الأمر امتشاق السلاح فهم لها
لم يطرق أذني من بين دعوات حفلاتهم الغنائية من قال أن لتكايا الفاشر مثلاً نصيباً مئوياً
======
يفتح المفكر و المؤرخ والأكاديمي السوداني البارز البروفيسور عبد الله علي إبراهيم نافذة تفكيكية عميقة على تعقيدات الأزمة السودانية الراهنة، مقدماً قراءة تفكك مقاربات المشابهة الشائعة مع تجارب اليمن وليبيا وسوريا، ومشدداً على الخصوصية الهيكلية للبنية العسكرية السودانية. وفي هذا الحوار يضع د. عبد الله أزمة “حصرية السلاح” في صلب الصراع العسكري الميداني، بينما يتجه لمشرحة الفكر السياسي السوداني لنقد المفاهيم السائدة حول الدولة، والشرعية، وطبيعة المبادرات الدولية. كما يشخص بجرأته التاريخية المعهودة أدواء الصفوة السياسية وانعكاسات الاستقطاب الممتد بين التيارين المدني والإسلامي، معتبراً أن ارتهان المشهد للغبائن التاريخية هو العقبة الأساسية أمام استعادة القرار الوطني وبناء حوار قومي يتجاوز أزمات البناء السياسي
حوار: أفراح تاج الختم
شهدت الأزمة السودانية تعدداً في المبادرات والآليات الإقليمية والدولية، من منبر جدة والرباعية وصولاً إلى الخماسية. كيف تقرأ هذا التعدد في المسارات؟ وهل يسهم في تقريب فرص التسوية، أم أن اختلاف الأجندات الإقليمية والدولية قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسار حلها؟
لست من يعول على هذه المبادرات. فانفجرت الحرب وقد حسبنا أننا قد رأينا الضوء في نهاية النفق بالاتفاق الإطاري في يناير 2023 بفضل دعم الآلية الثلاثية المشتركة بين الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) والبعثة الأممية (يونيتامس) بجانب ضغوطات هائلة من قبل اللجنة الرباعية المكونة من بريطانيا، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية والإمارات. من جهة أخرى فقد تعمل هذه الدوائر الدولية بعكس ما يشترط من يودعها شغله. فقد رفضت صمود قبل أسبوعين أو نحوه عرضاً من الخماسية (الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة إيغاد) الراعية لإحلال السلام في السودان شمل جلوسها مع الإسلاميين. بل واتهمت الخماسية في ذمتها بصيرورتها تحت خدمة القوات المسلحة. ولا خفاء أن صمود في تمنعها هذا معززة بالرباعية سيئة الظن بالإسلاميين. فقد دشنت الرباعية نفسها في بيان في الـ 13 من سبتمبر 2025 الماضي بالنص على أن “الإخوان المسلمين” وحدهم من سيخربون مساعيها لوقف الحرب. وأكدت أن مستقبل السلام بعد إنهاء الحرب تحت حكومة مدنية مستقلة “لا يمكن أن تمليه الجماعات المتطرفة العنيفة التي تنتمي أو ترتبط بصورة موثقة بجماعة ’ الإخوان المسلمين ‘ التي أدى نفوذها المزعزع للاستقرار إلى تأجيج العنف وعدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة”.
وتعرف قولنا “كنيزة ست الشملة رباعية وقدها خماسي” او نحوه. فحتى صدى الاصطلاح فينا كيئب.
يوظف المثل حين يضيع علينا الدرب.
أعلنت اللجنة التحضيرية لـ«الحوار السوداني-السوداني» تشكيلها، وأكدت استقلال المبادرة وشمولها لمختلف الأطراف. كيف تقرأ هذه الخطوة في ظل التجارب السابقة للحوار الوطني؟ وهل يمكن أن تمثل فرصة لاستعادة القرار الوطني، أم أنها قد تعيد إنتاج نمط حوارات «بمن حضر» التي تفتقر إلى المشروعية؟
في خضم ردود الفعل على دعوة الحوار طعن الدكتور الواثق كمير في الحوار في غير لغط الاستحقاق والطمأنينة وغيرها. فسأل قال كيف انشغلت الصفوة ببولتيكا دعوة الحكومة للحوار عن سؤال أنفسهم عن تمنعهم، وحال البلد على ما هي عليه، من المبادرة بنقاش وطني تكون ملكيته، رغم اختلافهم الشديد، لهم. لماذا صعب على اللاعبين المدنيين الجلوس حول طاولة مناقشات والحرب عوان لثلاث سنوات ونيف؟ وأذكر أن الواثق التمس مرة من رفيقه عبد العزيز الحلو أن يدعوه وقد أفرط في التوقيع على مواثيق التفاهم مع دوائر سياسة بعد الثورة بما فيهم البرهان، رئيس مجلس السيادة، وحمدوك، رئيس الوزراء، إلى عقد مؤتمر في كاودا طالما اجتمعوا معه على المعاني التي اتفققت ويقتلوها بحثاً وكانت يا عرب. ليست في صفوتنا عادة الحوار. فلم تقم مراكز التفكير لمخض المسائل بزمالة، ولا مجلة فكرية، ولا قناة تلفاز فكرية. وتعللوا بضعف ذات اليد. ولكن متى كان الأمر امتشاق السلاح فهم لها ما شكوا عجز ذات اليد كما يفعلون حيال المنابر التي ذكرنا. بل فقدوا طلاقة الحوار إلى التفكير بالصيغ في مثل قولهم بما يحسبونه من رجاحة العقل وسداده: “ليس المهم من يحكم السودان، بل كيف يحكم”. ويعدونها منتهى الأرب ولا يعرف القائل أنه بالعبارة ألغى الديمقراطية التي هي عن من يحكم البلد لا كيف يحكم. فكيف يحكم بلداً من لم يحظ بثقة الاقتراع على بينة من برنامجه ولو جاء فيه بالمن والسلوى. وهم فوق ذاك خلو من الدماثة. فيسمون المخالفين بغير ما سماهم آباؤهم: كاسات، مريسة، سفة، طرحة إلخ.
صفوتنا البرجوازية الصغيرة بتاعة “ركن نقاش”. وهو ما تراه منهم الآن بإزاء دعوة للحوار.
أكدت اللجنة رغبتها في عدم إقصاء أي طرف وإشراك المكونات السياسية والمجتمعية. في ظل استمرار الحرب وتعدد القوى المسلحة، ما الصيغة التي تضمن أوسع مشاركة ممكنة في الحوار، من دون أن يتحول إلى تفاوض بين القوى المتحاربة حول اقتسام السلطة؟
ليست حوائل الحوار هو السياسات من حوله. ما يجعل الحوار حلماً غير قريب هو الحرب الثانية من وراء الحرب في الميدان العسكري بين وعول القحاطة والكيزان التاريخية بغبائنها العاولة في أروقة السياسة الطلابية جيلاً بعد جيل منذ الاربعينات. وهي حرب مستحقة عندهم أكثر من حرب الميدان التي يعدونها مجرد عرض جانبي. فليس لأي منهما وجود ملموس بين الناس يرفع عن كاهلهم ثقل الحرب سواء من زعم إيقافها أو استمرارها حتى الظفر. حين أشاهد الفيديوهات حياة قطاع من السودانيين في مصر أقول، من فرط لهوها، في نفسي كناشط عمل بين الناس في الأحياء في شبابه، أن ليس بينهم رشيد يشتغل بالسياسة بينهم يسهر بالدعوة والتنظيم لتصب طاقاتهم النيرة وانشراحهم للحياة رغم الوجع في أنشطة منتجة لإسعاف ضحايا الحرب من غيرهم من يدهم والواطة. لم يطرق أذني من بين دعواتهم حفلاتهم الغنائية من قال أن لتكايا الفاشر مثلاً نصيباً مئوياً منها مما كانت النفيلة السياسة فينا منذ الحركة الوطنية. لو شفتها!
أحد أعقد التحديات التي تواجه مبادرة «الحوار السوداني- السوداني» هو مسألة التكليف وسلطة الدعوة لعقد ملتقى جامع، في ظل الانقسام حول مؤسسات السلطة القائمة. من واقع قراءتك للبنية السياسية السودانية، كيف يمكن توفير أساس شرعي لأي دعوة إلى حوار وطني، وكيف يمكن أن تصبح مخرجاته ملزمة للأطراف ؟
طالما لم تتوقف هذه الحرب الثانية بين قحاطة وكيزان بإعادة تعبئة الطاقة فيها إلى الخدمة الاجتماعية السياسية فالحوار مجرد نكد. وأحكى لك عن التاجر ود هبروك في القضارف الذي سار فيه المثل: “والله طالما ود هبروك في القضارف عربي بيلبس توب عشاري ما في”. قيل إنه كان مقصد عرب البادية لقضاء أغراضهم. وكان متى اشترى منه عربي ثوباً عشارياً أنقصه متراً أو مترين وهو يلهج بمكانة المشتري عند “ويا شيخ العرب” والذي منه بل ويدس له شيئاً من السكر في قماشة الثوب إكراماً له. ومتى لبس العربي الثوب اكتشف هول النقص. فسار المثل: طالما ود هبروك في القضارف عربياً بلبس توباً عشاري مافي”. وهكذا طالما كان فينا كيزان وقحاطة في هذا الدرك من التنمر سوداني بيأمن ما في.




