حلاوة “العودة”

ذاكرة السودان على قماش
كمالا إسحق .. رائدة التمرد التشكيلي
البداية الفنية:
ولدت كمالا إبراهيم إسحق في أم درمان عام 1939 وبدأت رحلتها من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم التي تخرجت فيها عام 1963 ثم انتقلت إلى لندن لتدرس في الكلية الملكية للفنون وتتعرف على تجارب وأساليب جديدة فتشكلت مبكرا شخصيتها الباحثة عن مسار مختلف يوسع حدود اللوحة السودانية الحديثة وتلك كانت البداية.
مدرسة الخرطوم:
كانت عودتها إلى السودان محطة تحول مهمة إذ انضمت إلى المشهد التشكيلي الذي كان يتشكل حول مدرسة الخرطوم وأسهمت في صياغة لغة بصرية تستفيد من الموروث السوداني والعناصر الإفريقية والعربية الإسلامية لكنها لم تكتف بالموقع الذي صنعته المدرسة وسرعان ما بدأت تبحث عن أسئلة أخرى في تاريخها ومسيرتها الفنية.
رؤية مختلفة:
في السبعينيات اتجهت كمالا إلى مساحات أكثر تحررا من القواعد السائدة وارتبطت بتجارب الزار وحياة النساء والرموز الروحية والذاكرة الشعبية لتمنح لوحاتها عالما خاصا تتداخل فيه الوجوه والأشكال والطبيعة وقد جعلها هذا الاختيار مختلفة في رؤيتها وفتح أمام الفن السوداني المعاصر طريقا جديدا للتأمل والتجريب بعيدا عن التكرار والنسخ.
البيان الكريستالي:
بلغ التحول ذروته مع تأسيس المدرسة الكريستالية التي ارتبطت بكمالا إسحق ومحمد حامد شداد ونايلة الطيب وعدد من الفنانين والطلاب وقدمت الجماعة تصورا جديدا للفن يقوم على الشفافية والتنوع والأسئلة الوجودية وكان البيان الكريستالي إعلانا واضحا عن الرغبة في تجاوز القوالب التي حكمت التجربة التشكيلية تماما في المشهد السوداني آنذاك.
عالم اللوحة:
لم تكن كمالا فنانة تبحث عن الشهرة بقدر ما كانت تبحث عن معنى أعمق للصورة ولذلك ظلت تجرب خامات وأساليب متعددة وترسم على القماش والورق والقرع والحرير والجلد وتستدعي في أعمالها التاريخ والأسطورة والحكاية المحلية وحياة النساء فبدت لوحاتها أقرب إلى ذاكرة بصرية مفتوحة تتغير باستمرار في وجدان الفن السوداني.
أستاذة الأجيال:
وازدادت قيمة تجربتها من خلال دورها التعليمي فقد عادت إلى كلية الفنون بالخرطوم وظلت نحو ثلاثة عقود أستاذة للرسم وأسهمت في إرشاد أجيال من الفنانين السودانيين وبذلك لم تعد أعمالها وحدها جزءا من تاريخ الفن بل أصبحت طريقتها في التعليم والتوجيه أثرا ممتدا داخل أجيال متعاقبة في السودان وخارجه.
حضور عالمي:
اتسعت دائرة حضورها خارج السودان عبر معارض ومشاركات دولية وظهرت أعمالها في مؤسسات فنية بارزة كما وصلت مقتنياتها إلى مؤسسات عالمية ونالت عام 2019 جائزة الأمير كلاوس لتؤكد هذه المحطة اتساع الاعتراف بتجربتها وبقدرتها على تحويل خصوصية الثقافة السودانية إلى خطاب بصري قابل للحوار عالميا بصورة لافتة ومؤثرة.
أثر مستمر:
تبقى كمالا إبراهيم إسحق واحدة من التجارب التي غيرت صورة الفنانة السودانية ودور الفن التشكيلي نفسه لأنها لم تكتف بإنتاج اللوحة بل صنعت أسئلة جديدة حول المرأة والروح والذاكرة والهوية ومنحت أجيالا لاحقة شجاعة البحث عن أصواتها الخاصة لتظل تجربتها مفتوحة على المستقبل مثل بلورة لا تستقر على شكل واحد.
/////////////////////
نقر الأصابع.. سراج الدين مصطفى
محمود عبدالعزيز .. بين الذكري والنسيان !!
الاسم العريض:
كان محمود عبدالعزيز اسما عريضا لا يحتاج لتعريف فقد غير كثيرا من المقولات السائدة عن الغناء السوداني وحول سمح الغنا في خشم سيدو الى معنى جديد جعل سمح الغنا في خشم محمود واقعا فنيا وهذا التغيير لم تصنعه الفراغات بل صنعته موهبة استطاعت ان تفرض حضورها بين الكبار والشباب معا.
التنفيذ الموسيقي:
وكان اهتمام محمود بالتنفيذ الاوركسترالي واحدا من اسرار تميزه فهو لا يصعد الى المسرح الا ومعه اوركسترا مكتملة تمنح اغنياته صورتها الابهى ورغم تبدل افراد فرقته بحسب المزاج والعلاقات الشخصية ظل اهتمامه بالتفاصيل الموسيقية بوضوح وكان حريصا على ان يصل العمل الى الجمهور في صياغة موسيقية متماسكة وواضحة وممتعة ومختلفة.
محطات لحنية:
مرت تجربة محمود عبدالعزيز بمحطات لحنية متعددة كان ابرزها تعاونه مع الملحن عبدالله الكردفاني وفرقة البعد الخامس الموسيقية التي عاشت معه فترات مهمة من تجربته الثرة كما غنى ليوسف القديل الذي قدم له لهيب والشوق نور العيون وما تشيلي هم وغيرها من الاغنيات التي رسخت حضور محمود في ذاكرة المستمعين.
تجربة ناصر:
لكن تجربة محمود مع الملحن ناصر عبدالعزيز بدت اكثر نضجا ومغايرة فقد منحت صوته لونية جديدة تختلف عن تعاملاته السابقة وكانت امتدادا لمحاولة بدأها مع دكتور الفاتح حسين في سكت الرباب وفي بالي وهي تجربة شكلت ملامح مبكرة لمسار مختلف قبل ان يعود محمود لاحقا الى الشكل التقليدي للتنفيذ الموسيقي.
مشكلة التوثيق:
ولعل مشكلة محمود لم تكن في قلة التنوع بل في ان تجربته الواسعة كانت تحتاج الى قراءة نقدية متصلة تكشف مراحلها وتفصل بين ما استقر فيها وما تراجع عنها فالجمهور الكبير الذي صنعته موهبته لم يكن كافيا وحده لحماية تجربته من النسيان الذي يصيب كثيرا من التجارب بعد رحيل اصحابها.
مكتبة غنائية:
محمود ايضا ترك وراءه مكتبة غنائية ضخمة تحتاج الى مشروع توثيق حقيقي يعيد ترتيب الاغنيات بحسب مراحلها وملحنيها وموسيقييها وظروف انتاجها فالكثير من التفاصيل التي صنعت تلك التجربة مهددة بالضياع مع مرور السنوات بينما تبقى الذاكرة الجماهيرية محتفظة بالصوت والصورة اكثر من احتفاظها بالمعلومات التي تفسر كيف صنعت الاغنية نفسها.
الذكرى النقدية:
الحديث عن محمود عبدالعزيز اليوم لا ينبغي ان يتحول الى استدعاء عاطفي للذكرى فقط فالوفاء الحقيقي لتجربته يبدأ من دراستها بعين نقدية هادئة تضعها داخل سياق تطور الغناء السوداني وتبحث عن الاضافات التي قدمها وعن المساحات التي لم تكتمل حتى يمكن للاجيال الجديدة ان تفهم فعلا سر بقائه في الذاكرة.
اعادة الاكتشاف:
بين الذكرى والنسيان تقف تجربة محمود عبدالعزيز محتاجة الى اعادة اكتشاف لا الى الاحتفال السنوي وحده فالفنان الذي استطاع ان يصنع جمهورا بهذا الاتساع ويترك بصمته على اجيال كاملة جدا يستحق ان تحفظ تجربته بالتسجيل والدراسة والتوثيق وان يظل صوته مادة للبحث لا مجرد اغنيات تعود كلما حلت ذكرى الرحيل.
///////////////////
نص كلمة
فراج الطيب.. الغائب الحاضر في كل يوم
صوت خالد:
يمثل برنامج لسان العرب الذي كان يعده ويقدمه الراحل فراج الطيب نموذجا حيا لكيفية ان يبقى الانسان حاضرا بعد رحيله فقد ظل هذا البرنامج بمحتواه المفيد يبث يوميا على اثير اذاعة ام درمان محافظا على ثباته وجمهوره رغم مرور سنين طويلة على غياب صاحبه الذي غرس فيه روحه وجهده ومعرفته.
ذاكرة الاثير:
اهتم البرنامج بتقديم مادة لغوية وثقافية رصينة جعلته محطة يومية ينتظرها المستمعون لما يقدمه من فوائد في اللغة والادب والتراث الشعبي السوداني وقد نجح فراج الطيب في صياغة محتوى يجمع بين المتعة والفائدة باسلوب بسيط يصل الى مختلف شرائح الجمهور مما جعل البرنامج يحتفظ بمكانته رغم مرور الزمن وتغير الاذواق.
دروس باقية:
تبقى تجربة فراج الطيب درسا بليغا لكل العاملين في الاذاعة والصحافة عن قيمة الاخلاص في العمل وحسن اختيار المحتوى فالانسان يمضي وتبقى اعماله شاهدة عليه ان احسن صنعها وجعلها نافعة للناس وتستحق اذاعة ام درمان التقدير لحفاظها على هذا الارث الثقافي والاعلامي وابقائه حيا في وجدان المستمعين جيلا بعد جيل.
//////////////////
كلام فى الفن
مدني النخلي:
الشاعر مدني النخلي جزء اصيل من تجربة الراحل مصطفى سيد احمد اذ قدم له اشعارا غنائية ذات طابع تجديدي واضاف الى مسيرته الفنية نصوصا حملت روحا جديدة ولغة مغايرة عن السائد في تلك المرحلة وساهمت هذه الشراكة الابداعية في ترسيخ حضوره كاحد رواد التجديد في الاغنية السودانية الحديثة بشكل لافت.
اسرار بابكر:
تقريبا فقدت الفنانة اسرار بابكر الارضيات التي صنعتها في زمن سابق بسبب التوقف والظروف الاسرية الحاكمة وقد كانت تجربتها الغنائية في بداياتها تحمل الكثير من الطموح والحضور المميز غير ان الانقطاع الطويل عن الساحة الفنية اثر بشكل واضح على استمرارية هذا الحضور وجعل الجمهور يفتقد صوتها المميز طيلة تلك الفترة.
حيدر بورتسودان:
ما من شك ان الفنان حيدر بورتسودان واحد من الاسماء الموهوبة والمبدعة في الغناء السوداني وله اسلوب خاص وشخصية فنية وبصمة واضحة تميزه عن غيره من الاصوات فقد استطاع ان يقدم اعمالا فنية لاقت قبولا واسعا لدى الجمهور بفضل حسه الفني المرهف وقدرته على التجديد والابتكار في اختيار الالحان والكلمات.
رامي عمر:
الفنان الشاب رامي عمر واحدة من الاصوات الفنية الجادة التي تمضي بهدوء وخطوات محسوبة نحو ترسيخ حضورها في الساحة الغنائية السودانية دون استعجال او سعي وراء الاضواء بشكل مبالغ فيه ويعتمد في تجربته على انتقاء دقيق للاعمال التي يقدمها مع حرص واضح على تطوير ادائه الصوتي واسلوبه الفني بشكل مستمر.
محمد بشير الدولي:
اكثر ما يلفت نظري في الفنان الشاب محمد بشير الدولي ليس ذيوعه وانتشاره الفني بل انسانيته العالية وخلقه الرفيع وتواضعه الجم مع الجميع فهذه الصفات النادرة تضيف الى موهبته الفنية بعدا انسانيا جميلا يجعله محبوبا لدى كل من يتعامل معه او يستمع الى اعماله ويؤكد ان النجاح الحقيقي يقاس بالقيم.




