خبير إدارة المخاطر الاستراتيجية والاقتصادية يفكك الرسائل السودانية المصرية
د. عبد العزيز الزبير باشا: تسمح الاتفاقية بتدخل مصر لدعم السودان عسكريا

«كل اعتداء مسلح يقع على أي من الدولتين أو على قواتهما المسلحة يعتبر اعتداءً عليهما»
انتقلت الاتفاقية بين البلدين من التدريب إلى الردع
الغطاء الخارجي عبر اتفاقية الدفاع وآلية 2+2 يسقط قيمة القواعد في أصوصا وبحر دار
احتضنت القاهرة اجتماعاً رباعيا مصرياً – سودانياً برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا بعد اتهامها باستهداف أراضيها بالمُسيرات دعماً لمليشيا «الدعم السريع».. ويحمل الاجتماع رسائل مصرية – سودانية عديدة، أبرزها استمرار التنسيق والشراكة بعد أسابيع من حادثة حدودية، وتوجيه رسالة لإثيوبيا لوقف الاعتداءات على السيادة السودانية أو حقوق المياه بالنسبة للقاهرة والخرطوم.
ويعد ذلك أرفع اجتماع بين البلدين منذ أزمة مقتل عدد من المُعدِّنين السودانيين، الذين يُطلق عليهم «الدهابة»، بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان منتصف أكتوبر الماضي.. ووفق بيان مشترك، الاثنين، فإن «أواصر البلدين تضرب في جذور التاريخ مُحصنة تماماً ضد أي محاولات خبيثة واهية تسعي للإيقاع بين أبناء وادي النيل». وحذر البيان من «الانجرار خلف دعاة الفتنة الذين يسعون لبث السموم في العلاقات الأزلية».
ووفق بيان مشترك نقلته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، عقد وزراء الخارجية والري بالبلدين، بدر عبد العاطي وهاني سويلم من مصر، ومحيي الدين سالم وعصمت قرشي من السودان، اجتماعاً تناول سُبل تطوير العلاقات في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والثقافية والاجتماعية والإنسانية.
ويمثل هذا الاجتماع الجولة الثالثة لاجتماعات آلية «2+2» التشاورية لوزراء الخارجية والري، وسبقته الجولة الثانية في سبتمبر (أيلول) 2025، في حين عُقدت الجولة الأولى في الشهر نفسه.
الدفاع المشترك
في هذا الصدد استضافت (العودة) د. عبدالعزيز الزبير باشا – خبير إدارة المخاطر الاستراتيجية والاقتصادية للحديث عن اتفاقية الدفاع المشترك السودانية المصرية وقراءتها في ظل العدوان الإثيوبي الراهن فماذا قال؟
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها العلاقات السودانية الإثيوبية على خلفية الشكوى الرسمية التي أودعها السودان لدى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي بتاريخ 01 نوفمبر 2026، والتي يتهم فيها أديس أبابا باستخدام أراضيها منصة لإطلاق هجمات بمسيرات انتحارية استهدفت بنية مدنية و14 محطة كهرباء في تسع ولايات، وما تلاه من إعلان إثيوبيا إغلاق القنصلية العامة للسودان في أصوصا، تبرز اتفاقية الدفاع المشترك بين جمهورية السودان وجمهورية مصر العربية كمرتكز قانوني واستراتيجي لا يمكن تجاوزه في قراءة المشهد الراهن.
# بمعنى.. ؟
أولاً لابد من مناقشة الجذور القانونية والتاريخية للاتفاقية، وهي اتفاقية ليست مستحدثة حيث تم التوقيع عليها أول مرة في 15 يوليو 1976 بين الرئيسين محمد أنور السادات وجعفر نميري، وتتألف من ثمانية بنود. جوهرها في البند الأول الذي ينص على أن “كل اعتداء مسلح يقع على أي من الدولتين أو على قواتهما المسلحة يعتبر اعتداءً عليهما، وتلتزمان بأن تبادر كل منهما إلى معونة الدولة الأخرى وأن تتخذ جميع التدابير وتستخدم كل ما لديها من وسائل”. مدة الاتفاقية 25 سنة قابلة للتجديد تلقائياً لخمس سنوات. مرت بثلاث محطات: التوقيع 1976، إعلان سوداني منفرد بإلغائها عام 1989 دون بيان مصري رسمي، ثم إعادة تفعيل عملية بدأت باتفاقية تعاون عسكري موقعة في مارس 2021 شملت التدريب وتأمين الحدود ومواجهة التهديدات المشتركة، وأثمرت مناورات نسور النيل 1 و 2 في قاعدة مروي الجوية ومناورات حماة النيل وحارس الجنوب.
ثانياً: سياق التفعيل الراهن.. بتاريخ 02 نوفمبر 2026، وبعد 24 ساعة فقط من شكوى السودان ضد إثيوبيا، جددت القاهرة في ختام الجولة الثالثة لآلية 2+2 التي تضم وزيري الخارجية والري، التأكيد على جاهزيتها للتحرك وفق اتفاق الدفاع المشترك. هذا التفعيل ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لما أعلنته رئاسة الجمهورية المصرية في 18 ديسمبر 2025 خلال زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، حيث رسمت مصر لأول مرة خطوطاً حمراء واضحة تشمل الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدرات الشعب السوداني وعدم السماح بانفصال أي جزء أو قيام كيانات موازية. وأكد البيان أن الأمن القومي المصري مرتبط مباشرة بالأمن القومي السوداني، وأن القاهرة على استعداد لاتخاذ كل التدابير التي يجيزها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك.
# إذن ماهي القراءة الاستراتيجية في ظل العدوان الإثيوبي ؟
تقرأ الاتفاقية اليوم على ثلاثة مستويات، اولا المستوى القانوني حيث توفر الاتفاقية غطاءً قانونياً دولياً مستنداً إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة حق الدفاع الجماعي، يسمح لمصر بدعم السودان دون أن يوصف تدخلها عدواناً، خاصة وأن الهجمات المنطلقة من مطار أصوصا وقاعدة بحر دار ومنطقة الكرمك- قيسان تستهدف أعياناً مدنية محمية بموجب المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول.
وثانيا المستوى العسكري حيث انتقلت الاتفاقية من التدريب إلى الردع. مناورات نسور النيل التي كانت تدريبات جوية، يمكن أن تتحول إلى منظومة دفاع جوي وراداري مشترك لإغلاق المجال الجوي السوداني الإثيوبي أمام المسيرات الانتحارية والاستراتيجية.
وكذلك المستوى الاستراتيجي إذ تبدو الرسالة موجهة إلى أديس أبابا وليس فقط إلى المليشيا. ففي الوقت الذي تغلق فيه إثيوبيا سفارتها في أسمرا وقنصلية السودان في أصوصا بمهلة 48 ساعة وإعلان أشخاص غير مرغوب فيهم، وتسمح باستخدام مطار أصوصا كعقدة إرهاب عابر للحدود، تفعل القاهرة والخرطوم اتفاقية عمرها خمسون عاماً لحماية وحدة السودان.
# ماهي خلاصة هذا الحراك الاخير والتطورات المتوقعة ؟
أن اتفاقية الدفاع المشترك 1976 لم تعد وثيقة أرشيفية، بل تحولت إلى أداة ردع قانوني واستراتيجي. المعادلة الراهنة واضحة: الحسم الداخلي في الفاشر وبابنوسة ونيالا وهجليج وبليلة يقطع الحبل السري للمليشيا، والغطاء الخارجي المصري عبر اتفاقية الدفاع وآلية 2+2 يسقط قيمة القواعد الخارجية في أصوصا وبحر دار.
////////////////////



