إجازات غير مدفوعة وتعديل قانون: البنك الزراعي في مفترق طرق

تقرير – عماد النظيف
خبير مصرفي: الأزمة في البنك الزراعي تتطلب إدارة جديدة شفافة ومساءلة
خبير إدارة المخاطر: التعديل يؤدي إلى اضطرابات في نظام التمويل و ينشئ فراغًا تشريعيًا.
“إصلاح أم تصفية؟” هكذا تتجلى التساؤلات حول مستقبل البنك الزراعي السوداني، الذي يشهد تحولات جذرية في إطار برنامج إصلاحي شامل. بعد قرار البنك بإصدار إجازات غير مدفوعة للعاملين غير المداومين ، دخل البنك منعطفًا جديدًا بإعلانه عن مساعيه لتعديل قانون البنك. هذه الخطوة، التي أثارت جدلاً واسعًا في أوساط العاملين والمراقبين على حد سواء، تثير مخاوف حول مستقبل البنك ودوره في دعم القطاع الزراعي، خاصةً مع اقتراب موعد تطبيق الإجراءات الجديدة. فهل يسعى البنك إلى تعزيز دوره التنموي أم أنه يسير نحو مسار آخر؟
فلاش باك
يُعتبر البنك الزراعي إحدى المؤسسات الحكومية الداعمة والمُعزِّزة للقطاع الزراعي، حيث تأسس في عام 1957. ومنذ ذلك الحين، أصبح أحد الأعمدة الأساسية للأنشطة الزراعية في البلاد. يُقدِّم البنك مجموعة من الخدمات المالية والفنية التي تسهم في تحقيق التنمية المستدامة في هذا القطاع، مما يعزز الأمن الغذائي ويُحسِّن مستوى معيشة المزارعين والمجتمعات الريفية.
ومع ذلك، فإن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في قدرة البنك على الوفاء بدوره تجاه المزارعين وتحقيق الأهداف التي تأسس من أجلها. وقد وصل البنك إلى مرحلة صعبة تتطلب إقرار إجازات غير مدفوعة للعاملين، بالإضافة إلى تعديل القانون الذي قوبل برفض واسع من قبل المعنيين.
رفض التعديل
يرى العاملون أن المساعي الرامية إلى تعديل قانون البنك الزراعي في هذا التوقيت تعد خطوة محفوفة بالمخاطر، لما قد تفتحه من أبواب للتصرف في أصول البنك أو تغيير رسالته التمويلية الأساسية التي أُنشئ من أجلها. وعليه، فإن رفض هذا التعديل يأتي انطلاقا من الحرص على صون المال العام، وحماية الدور التنموي الحيوي الذي يضطلع به البنك في دعم القطاعات الإنتاجية
منهج تشريعي
حذر الخبير في إدارة المخاطر الاقتصادية والإستراتيجية، عبد العزيز الزبير باشا، من التعامل مع تعديل قانون البنك الزراعي السوداني كمسألة إجرائية بسيطة. وأكد على ضرورة اتباع نهج تشريعي ومؤسسي متدرج ومحسوب بدقة، لتجنب أي اضطرابات في منظومة التمويل الزراعي أو خلق “فراغ تشريعي” قد يضر بالمزارعين والقطاع المصرفي على حد سواء.
ويرى باشا أن المسار الصحيح لتعديل القانون يمر بعدة مراحل مترابطة وواضحة، تبدأ بإجراء مراجعة قانونية ومؤسسية شاملة.
وشدد الخبير على أهمية تكليف لجنة فنية وقانونية متخصصة بمراجعة دقيقة للقانون الحالي للبنك الزراعي. وتشمل هذه المراجعة:تحليل المواد القانونية التي أصبحت غير ملائمة للواقع الاقتصادي الحالي. مراجعة صلاحيات البنك وحدود اختصاصاته.مقارنة القانون بتجارب بنوك التنمية الزراعية في دول أخرى.
تقييم العلاقة بين البنك الزراعي وبقية مؤسسات الدولة المالية.
وأكد باشا على أن هذه المراجعة يجب أن تكون فنية بحتة، بعيدة عن التأثيرات السياسية، مشيراً إلى أن التشريع الجيد يبدأ بتشخيص دقيق للمشكلة..
حول الخطوات المطلوبة لتعديل القانون قال الزبير إن المشروع يمر حاليًا بمراحله النهائية بعد استكمال سلسلة من المراجعات والمشاورات المكثفة. ويهدف التعديل إلى إعادة هيكلة البنك وتحديث آلياته ليتماشى مع المتطلبات التنموية المتزايدة للقطاع الزراعي.
“المسودة النهائية لمشروع التعديل تهدف إلى تحويل البنك الزراعي إلى مؤسسة تمويل تنموي رائدة، قادرة على تلبية احتياجات المزارعين وتوفير الدعم اللازم لتعزيز الإنتاجية الزراعية”، يوضح الزبير.
محاور رئيسية للتعديل:تحديد واضح لطبيعة البنك: يعيد المشروع تحديد طبيعة البنك الزراعي كمؤسسة تمويل تنموي متخصصة.
تحديث أدوات التمويل: يتضمن التعديل تحديثًا شاملًا لأدوات التمويل الزراعي، بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية.
تعزيز الحوكمة والشفافية: يهدف المشروع إلى تحسين قواعد الحوكمة والشفافية في إدارة البنك، لضمان الكفاءة والمساءلة تنظيم العلاقة مع الدولة والقطاع الخاص: يحدد المشروع بوضوح العلاقة بين البنك والدولة والقطاع الخاص، لضمان التنسيق الفعال وتحقيق الأهداف التنموية.
مراجعة دقيقة
وأشار الزبير إلى أهمية الدقة المتناهية في صياغة مشروع التعديل، مؤكدًا على أن القانون الجديد سيحدد مسار البنك الزراعي لسنوات طويلة قادمة.
مراحل الإقرار:
وأوضح الزبير أن مشروع التعديل سيخضع لمراجعة مكثفة من قبل الجهات الحكومية المختصة، وعلى رأسها وزارة العدل، ووزارة المالية، والبنك المركزي. وتهدف هذه المراجعة إلى التأكد من توافق التعديل مع القوانين المصرفية والمالية الأخرى في البلاد، وفي المرحلة النهائية، سيتم عرض المشروع على الجهة التشريعية المختصة لإجازته وفق الإجراءات الدستورية المتبعة. ومن المتوقع أن يشهد المشروع نقاشات تفصيلية وتعديلات إضافية خلال هذه المرحلة، وذلك لضمان تحقيق الأهداف المرجوة من التعديل.
أهمية اللوائح التنفيذية:
يؤكد الزبير على أن إجازة القانون مجرد خطوة أولى، وأن الفعالية الكاملة لتعديل قانون البنك الزراعي تعتمد بشكل كبير على إصدار اللوائح التنفيذية التفصيلية. هذه اللوائح تمثل “الترجمة العملية” للنص القانوني، حيث تحدد:آليات التمويل الجديدة: تحديد البرامج التمويلية المتنوعة التي تلبي احتياجات المزارعين المختلفة (قروض قصيرة الأجل، متوسطة الأجل، طويلة الأجل)، وشروط وأسس منح هذه القروض، وأسعار الفائدة. معايير الحوكمة والإدارة: وضع آليات واضحة لضمان الشفافية والمساءلة في إدارة البنك، وتحديد الهيكل التنظيمي الفعال، وتوزيع المسؤوليات والصلاحيات، نظم الرقابة والمتابعة: إنشاء آليات رقابة داخلية وخارجية لتقييم أداء البنك، ومتابعة استخدام التمويل، وضمان تحقيق الأهداف التنموية.
التنفيذ التدريجي والمتابعة:
يشدد الزبير على ضرورة تطبيق التعديلات القانونية بشكل تدريجي، مع تخصيص فترة انتقالية كافية لإنجاز المهام التالية:تدريب الكوادر المصرفية: تأهيل العاملين في البنك على النظام الجديد، وتزويدهم بالمهارات اللازمة للتعامل مع آليات التمويل الجديدة، وإدارة المخاطر. تحديث النظم الإدارية والمالية: تطوير الأنظمة الآلية، وتحديث الإجراءات لضمان الكفاءة والسرعة في تقديم الخدمات للمزارعين تقييم الأثر بشكل دوري: إجراء دراسات دورية لتقييم أثر التعديلات على القطاع الزراعي، ومراجعة اللوائح والإجراءات حسب الحاجة.
المسار السليم لتعديل القانون:
اعتبر الزبير أن تعديل قانون البنك الزراعي عملية معقدة تتطلب اتباع مسار سليم لضمان النجاح. هذا المسار يقوم على ثلاثة ركائز أساسية: التشخيص الفني الدقيق: إجراء دراسات معمقة لتحديد المشكلات الحقيقية التي تواجه البنك والقطاع الزراعي، وتحديد التحديات والفرص، وتقديم الحلول المقترحة بناءً على أدلة علمية. المشاركة الحقيقية لأصحاب المصلحة: إشراك جميع الأطراف المعنية في عملية التعديل، وعلى رأسهم المزارعون، من خلال تنظيم ورش عمل، واستطلاعات رأي، ومناقشات مفتوحة، لضمان أن تعكس التعديلات احتياجاتهم وتطلعاتهم. التشريع المدروس: صياغة قانون متوازن يراعي تحقيق الكفاءة الاقتصادية للبنك، وفي الوقت نفسه يضمن دوره التنموي في دعم المزارعين، وتوفير التمويل اللازم للمشروعات الزراعية، وتعزيز الأمن الغذائي.
ويري الزبير أن تعديل قانون البنك الزراعي السوداني يمثل فرصة تاريخية لإعادة هيكلة هذه المؤسسة وتعزيز دورها في دعم القطاع الزراعي. من خلال الالتزام بالمسار السليم الموضح في هذه الصحيفة، وإصدار اللوائح التنفيذية التفصيلية، والتنفيذ التدريجي والمتابعة المستمرة، يمكن تحقيق الأهداف المنشودة، والمساهمة في بناء اقتصاد زراعي قوي ومستدام.
ويأمل الخبير عبد العزيز الزبير أن يساهم هذا التعديل في دعم القطاع الزراعي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة في البلاد.
تغيير جذري
بالمقابل أكد الخبير المصرفي الدكتور لؤي عبد المنعم لـ “العودة”، أن الأزمة التي يمر بها البنك الزراعي السوداني تتطلب تغييراً جذرياً في الإدارة، مشدداً على الحاجة إلى إدارة جديدة تتسم بالشفافية والمساءلة، وتتمتع بفهم عميق للدور التنموي للبنك في نهضة السودان.
وأوضح الدكتور عبد المنعم في تصريح لصحيفة العودة أن الوضع الحالي في البنك، والذي يشهد بعض التحديات، يكشف بوضوح الحاجة الملحة إلى إدارة تتمتع بقدر أكبر من العزم والقدرة على مواجهة التحديات. وشدد على أهمية تعزيز الرقابة على أداء المؤسسة، مشيراً إلى أن ذلك يتطلب إعادة تشكيل مجلس الإدارة من الجهات ذات الصلة، ليضطلع بدوره الرقابي على الوجه الأمثل.
وفي سياق متصل، أشار الدكتور عبد المنعم إلى قلق متزايد يبديه عدد من العاملين في البنك الزراعي، إزاء السياسات الإدارية المتبعة حالياً برئاسة المدير صلاح عبد الرحيم واللجنة الإدارية المرافقة له. ويرى العاملون أن هذه السياسات قد تضعف البنية المؤسسية للبنك، وتنعكس سلباً على استقرار الكفاءات والموظفين.
ولفت الدكتور عبد المنعم إلى أهمية دور نقابة العاملين في هذه المرحلة، مؤكداً على ضرورة أن تضطلع النقابة بدور فاعل في حماية الحقوق المهنية للعاملين، والحفاظ على بيئة عمل مستقرة، والحد من أي ممارسات قد تؤدي إلى مزيد من الاحتقان داخل المؤسسة.
واختتم عبد المنعم تصريحه بالتأكيد على أن إصلاح البنك الزراعي، وتعزيز دوره التنموي، يمثلان ضرورة حتمية لتحقيق التنمية المستدامة في السودان.



