حالة غِش..بأمر الحكومة..

هل السودان غير صالح للعودة ؟!

الضرائب.. الجمارك ومَِعبر أرقين.. انكروا علاقتهم بالفوضى.. فمن هو الفاعل؟

الحكومة للمواطن: (بلادك حلوة ارجع ليها).. فعاد ليكتشف المفاجأة

دعم المواطن الحكومة في محنة الحرب.. فكافأته بالمعاناة

تقرير: معاوية الجاك 

لم تفتر هِمة الحكومة السودانية من دعوة المواطن السوداني بالخارج للعودة إلى أرض الوطن، وظلت تدغدغ مشاعره وتردد على مسامعه قول اسحق الحلنقي: (بلادك حلوة ارجع ليها.. دار الغربة ما بترحم) ..

هكذا خاطبت الحكومة السودانية مواطنها اللاجئ في دول الجوار لاستدارار رغبته وحنينه بالعودة للسودان، فكانت مشاريع العودة الطوعية (المجانية) من خلال عمل مكثف ابتدرته منظومة الصناعات الدفاعية، وقدمت عملاً منظماً بتنفيذ رحلات عديدة عبر القطارات والبصات، وهناك المبادرات الخاصة من بعض الأفراد وكل ذلك في سبيل الترغيب في العودة.

ومعروف أن عودة المواطنين تعني تأكيد الاستقرار واستتباب الأمن وعودة الأوضاع لحالها الطبيعي، وبالتالي يسهم ذلك في عودة الحياة للبلاد والتي تعني أن هناك (بلد) بدأ يتخلق ويتشكل في نسخته الجديدة بعد ثلاث سنوات من الحرب، وما احدثته من دمار وخراب وقضت على الروح والمعاني قبل المباني ونهب المملتكات، عانى المواطنون بسبب الحرب التي فرضت عليهم نزوح ولجوء ملايين السودانيين مرغمين غير راغبين، وفي بلاد الغربة عانوا ويلات تشابه ويلات الحرب، وفاقت معاناة البعض ما عانوه بسبب الحرب داخل السودان.

صدمة العائدين

عقب دحر التمرد من ولايتي الخرطوم والجزيرة وبعض من ولايات سنار والنيل الأزرق والنيل الأبيض، بدأ عدد من السودانيين بحزم حقائبهم وعقدوا العزم على العودة وهم يمتلئون فرحاً وتفاؤلاً بعهد جديد مع الحياة وسماحتها في السودان ويرددون فرحاً وشوقاً للسودان: (جينا ليك والشوق دفرنا يا نشوق روحنا ودمرنا.. يا المحطات الحنينة القصرت مشوار سفرنا)، حزموا امرهم يسبقهم الحنين لاستنشاق عبير تراب السودان وتدفعهم محفزات الحكومة بعودة الأمور لنصابها خاصة على مستوى الأوضاع الأمنية التي تشكل رأس الرمح في العودة واستقرار الحياة

زيف ووعود بيضاء

معروف أنه لا حياة بلا أمام وهذه قاعدة بديهية ثابتة، اندفع السودانيون وهم يستمعون لبريق وعود الحكومة وجملة التسهيلات المطروحة خاصة على مستوى ما سيحملونه من مستلزمات لتأسيس بيوتهم بعد فقدانها بأمر (شفشافة) الجنجويد وضعاف النفوس من بعض سكان أحياء الخرطوم، فرح العائدون بما ذكره وزير المالية جبريل إبراهيم ب(مجانية) دخول كل ما يحملونه من أثاثات للاستعمال الخاص، وليس بغرض التجارة، ولكن ما وجده العائدون بمعبر أرقين شكل لهم صدمة قاسية ومحبطة حينما وجدوا في انتظارهم (الصدمة)، وبطريقة مكلفة كشفت زيف الوعود البيضاء من الحكومة السودانية.

غول الضرائب

وصل العائدون من مصر معبر ارقين، فأحسنت الحكومة السودانية استقبالهم أسوأ ما يكون الاستقبال، فقدمت لهم (الضرائب) القاسية بدلاً من الترحيب بالعودة دون تقدير لظرفهم المالية السيئة، وتعاملت معهم الحكومة وكأنهم مغتربون عائدون من غربة حصاد بدول (البترودولار)، وليس من مصر حيث كانوا لاجئين عانوا حياة المعاناة، فشاهد الناس الحرائر من السودانيات يتسولن في طرقات القاهرة وبقية المدن المصرية ليسددن رمق صغارهن ويواجهن ظروف العيش الصعبة، فشوارع القاهرة ستظل شاهدةً على تسول الفتيات في مقتبل العمر ومن بينهن القُصّر وبطريقة تستدعي كل الأحزان على معاناتهن وهن بلا عائل، لم تقدر الحكومة السودانية كل هذه المعاناة ففاجأت هذا الشعب المنهك من رهق اللجوء بمزيد من المعاناة وهي تفرض عليه ضرائباً قاسية عبر ادارة ضرائب وادي حلفا والتي لم تستحِ ان تفرض على كل مواطن (قيمة مضافة) و(دمغة تذاكر) و(أرباح أعمال)، و(دمغة أخرى)، وبلغت القيمة الإجمالية للضرائب من مدينة حلفا إلى العاصمة الخرطوم في ترحيل كل مواطن (34) ألفاً من الجنيهات، وإلى مدينة عطبرة (22) ألفاً من الجنيهات، وإلى مدينة دنقلا (15.5) ألفاً من الجنيهات، مع ملاحظة أن العائدين لا يملكون المال من الأساس، وزائداً لذلك فاجأت الحكومة المواطن بدفع ضريبة على الأثاث الخاص به الذي يحمله بغرض الاستعمال الشخصي وليس بغرض التجارة.

خطورة الأوضاع الأمنية

في يوم 2025/7/18 أصدر رئيس المجلس السيادي سعادة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان قرارا يقضي بتفريغ العاصمة الخرطوم من (جميع) التشكيلات العسكرية والكيانات المسلحة خلال أسبوعين من تاريخ توقيع القرار، وللأسف مرت (تسعة) أشهر دون أن يتم تنفيذ ذلك القرار، وكانت نتيجة التساهل في وجود قوات عسكرية داخل العاصمة، أن اقتحمت قوة عسكرية تنتمي لإحدى الحركات المسلحة، قسم شرطة الخرطوم شمال قبل شهر من الآن وكانت تتكون من ثلاثة عشر عربة ذات قوة دفع رباعي مدججة باسلحة الدوشكا واطلقت سراح ثلاثة من منسوبيها كانوا متهمين بالإتجار بالمخدرات، ومثل هذه المظاهر الخطيرة ما كان لها أن تحدث لو تم تنفيذ قرار رئيس المجلس السيادي، وحتى عدم تنفيذ قرار البرهان يعتبر أمراً خطيراً للغاية لأنه يمثل رأس الدولة وعدم تنفيذ قراراته يعني أن الدولة بلا هيبة، ولنا أن نتخيل ما سيفعله المجرمون، ما دام قوات مسلحة مساندة للقوات المسلحة السودانية وتدعي أنها تأتمر بأمر قادتها، تمارس كل هذه الفوضى والتفلتات، فما يحدث يعتبر إشارة خضراء للجميع باستباحة كل مدن ومناطق السودان وهذا ما حدث فعلاً ومن قبل تابع الجميع التفلتات التي حدثت بمدينة دنقلا من إحدى الحركات المسلحة.. والغريب أن الجماعات المسلحة التي ظهرت مؤخراً لا تنتمي لمؤسسة القوات المسلحة السودانية، وقد تكاثرت وتناسلت وتكررت تجاوزاتها، ففي شهر مارس من العام 2023 اقتحمت مجموعة مسلحة قسم شرطة الخرطوم شمال واخرجت احد منسوبيها برتبة لواء.

إنكار حكومي

المضحك أن الضرائب والجمارك ومعبر ارقين، نفوا جميعهم أي علاقة لهم بقرار فرض الضرائب على المواطنين القادمين براً من مصر، وبالتأكيد هذا السلوك أسوأ وأخطر وأكثر فداحة من الرسوم نفسها لأنه يكشف (حالة السيولة والفوضى) التي تُدار بها دواوين الحكومة ويؤكد أنها حكومة ضعيفة وفاشلة وبلا هيبة ويمكن لأصغر موظف أن يفرض أي قرار دون خوف من المركز.

حالة غش

وهكذا كانت مأساة المواطن المنكوب المغلوب على أمره وقد سمع نداء حكومته والتي هي (راعيته وولي أمره) وهي تخاطبه: (ديارك حلوة ارجع ليها)، فحزم ويمم وجهته صوب السودان، فلم يجد (دياراً حلوة ولا حنية) بل وجد في انتظاره المفاجأة الصادمة، فغدرت به حكومته فكانت فجيعته مزدوجة بمعاناته التي ظل يعيشها متذ إندلاع الحرب، ثم خذلانه القاسي في حكومته، واحس بالغدر والظلم، واكتشف أنه قد تعرض لحالة غش، وخلّف هذا السلوك الغريب أثراً مؤلماً بين دواخله.

فقد كان المواطن يتوقع اكتمال الخدمات من استقرار للكهرباء والمياه وانتشار الأمن والطمأنينة وتقديم كافة التسهيلات والإغراءات للعودة.

وبالطبع حال توفر كل ذلك فهو يعني إغراء الجميع بالعودة لكن البداية كانت غلط) من الحكومة ولا نستبعد أم يتسبب ما حدث بمعبر أرقين في نفور الكثيرين وتغيير رغبتهم في العودة، واتخاذ قرار البقاء في الغربة رغم معاناتها لكنها تعتبر خيراً افضل لهم من (خداع واستغلال) حكومتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى