منى ابوزيد تكتب :النِدِّية الخاطئة والتوازن المفقود..!

هناك فرق..
“أخطر ما يمكن أن تفعله المرأة بنفسها هو أن تعيش وعيها بدور النوع وطبائع الجندر كقلق دائم”.. الكاتبة..!
بشأن بعض ما اختلط علينا ونحن – معشر النساء – نظن أننا نرتّب الأشياء، سأقول برأيي وأتوكل على الله. لم يكن خروج المرأة إلى فضاءات التعليم والعمل حدثاً مدهشاً، ولا كان في جوهره محل نزاعٍ حقيقي، بل كان امتداداً طبيعياً لتحولات اجتماعية وثقافية أوسع، أعادت تعريف الأدوار، وفتحت مساحات جديدة للحضور والتأثير..!
غير أن ما جرى في الطريق لم يكن كله بهذا الوضوح، إذ تسللت إلى هذا المسار فكرة ملتبسة، بدت في ظاهرها منصفة، لكنها في عمقها كانت كافية لإرباك التوازن كله “ذلك الخلط بين الندية بوصفها حقاً معرفياً ومهنياً، وبين الندية بوصفها موقفاً اجتماعياً وجندرياً يعاد به تعريف العلاقة ذاتها”..!
فلم يعد الأمر – عند بعض النساء – متعلقاً بتحقيق الذات في مسارها الطبيعي، بقدر ما أصبح مشروطاً بإثبات موقعٍ مقابل، وكأن القيمة لا تكتمل إلا إذا وُضعت في مواجهة، ولا تُعترف بها إلا إذا قورنت بغيرها. وهنا تحديداً تحوّل الوعي من كونه أداة فهم واتساع، إلى حالة استنفار دائم، وصار النجاح – الذي يفترض أن يكون حالة داخلية هادئة – عبئاً يحتاج إلى إعلان متكرر، وتأكيد لا ينقطع..!
وفي هذا السياق، لم تخسر المرأة مكانتها، لكنها – في كثير من الأحيان – فقدت شيئاً آخر أكثر خفاءً، لأن الأنوثة لا تتعارض مع العلم، ولا تنتقص منها المكانة، لكنها لا تعيش جيداً في مناخ مشحون بمنطق المنافسة المستمرة، ولا تزدهر في علاقات تُدار باعتبارها ساحة اختبارٍ متواصل للقوة، فهي ليست موقفاً يُدافع عنه، ولا فكرةً تحتاج إلى برهان، بل حالة حضور متوازن، تكتمل دون ضجيج، وتُفهم دون إصرار على التعسف في شرح ماهيتها..!
ولهذا، حين تتحول العلاقة – أي علاقة – إلى مساحة إثبات، تتآكل منها تلك الطبقات الناعمة التي لا تُرى بسهولة، لكنها تصنع الفارق كله. إذ لا تعود المسألة متعلقة بمن يملك الحق، بقدر ما تصبح رهينةً لكيفية ممارسته، ولا يعود السؤال “من الأجدر؟”. بل “بأي روحٍ نعيش ما نحن عليه؟”..!
لقد أفرز هذا الخلط نموذجاً مرهقاً للمرأة كما للرجل، نموذجاً يقوم على يقظةٍ لا تهدأ، وعلى شعورٍ خفي بأن كل مساحة تستدعي موقفاً، وكل تفاعل يحتمل تأويلاً، وهو ما أفقد العلاقات النسائية الرجالية بساطتها الأولى، وحمَّلها ما لا تحتمل من حساباتٍ دقيقة، لا رابح فيها بالمعنى الحقيقي..!
وليس المقصود هنا الدعوة إلى التراجع، ولا الحنين إلى صورٍ قديمة لم تعد صالحة، بل الإشارة إلى أن التقدم ذاته يحتاج إلى وعيٍ يضبط إيقاعه، وأن الفارق كبير بين أن تمتلك المرأة أدواتها الفكرية والمهنية بثقةٍ هادئة، وبين أن تحملها بوصفها عبئاً يفرض عليها أن تكون في حالة تعريفٍ دائم لنفسها..!
فالندية في مجالها المعرفي والمهني حقٌ لا يُجادل فيه، بل هو شرطٌ من شروط العدالة، أما تحويلها إلى قاعدةٍ اجتماعية مطلقة، تُعاد بها صياغة العلاقات الإنسانية على نحوٍ صراعي، فهو ما يبدد المعنى بدل أن يثبّته، ويخلق توتراً حيث كان يمكن أن يكون اتساع..!
لأن بعض الفروق لا تُلغي التوازن، بل تصنعه، وبعض المسافات لا تعني التفاوت، بل تحفظ لكل طرفٍ طبيعته، والقدرة على إدراك هذا الفرق الدقيق، هي ما يعيد للأشياء معناها، دون أن يسلبها ما حققته من مكاسب..!
ربما لهذا لا تحتاج المرأة اليوم إلى أن تغيِّر موقعها، بقدر ما تحتاج إلى أن تعيد فهمه، لا بوصفه موقعاً في مواجهة أحد، بل باعتباره امتداداً طبيعياً لذاتها التي لا تُقاس بغيرها، ولا تحتاج إلى أن تثبت حضورها بنفي سواها، لأن ما يُعاش بطمأنينة، يثبت نفسه دون عناء، وما يُثقل بالقلق، يفقد شيئاً منه، حتى وهو في ذروة اكتماله!.
munaabuzaid2@gmail.com



