د. مزمل أبو القاسم يكتب : الوقود.. وخطر انهيار الدولة! (2)

للعطر افتضاح..
* كثيرون سألوني عن آفاق الحل، كيفية كبح جماح الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، لتخفف من وطأة الغلاء الفاحش الذي يتحمل كلفته مواطن طحنته الحرب وأفقرته المليشيا المجرمة.
* بدءاً نذكر حقيقة مهمة، مفادها أن النظام المتبع في استيراد الوقود لم يضعه وزير الطاقة الحالي، بل أقرَّه الوزير السابق د. محي الدين نعيم، وهو نظام هجين، لا يحرر استيراد الوقود ولا يخصصه للشركات الحكومية لتحتكره بالإنابة عن الدولة.
* بموجب النظام الهجين يتم تقسيم كعكة الاستيراد مناصفةً بين الشركات الحكومية والقطاع الخاص، لتحصل كل مجموعة عن 50%!
* النصف المخصص لشركات القطاع الخاص تم توزيعه على مجموعات، ليتم الاستيراد توالياً بواسطة عدد من الشركات كل مرة، وبلغ عدد تلك الشركات أكثر من ثلاثين، معظمها عبارة عن ورق، لشركات لا تمتلك أي بنيات أساسية لتجارة البترول!
* لا مستودعات للتخزين ولا شاحنات للنقل ولا محطات للخدمة.. مجرد ورق ليس إلا، بقسمةٍ ضيزى توقع ظلماً كبيراً على شركات حقيقية كبيرة ومؤهلة أنفقت عشرات الملايين من الدولارات لتشييد بنيات إساسية متكاملة للوقود، وكلفت نفسها عناء تشييد المستودعات وتوريد الشاحنات لنقل الوقود وبناء المئات من محطات الخدمة في كل ولايات البلاد، وكانت المحصلة مساواتها بشركات لا تمتلك محطة واحدة، ولا حتى مسدساً للوقود!
* من يصرون على استمرار هذا النظام المشوه هم بعض الموظفين المنحازين بشدة لشركات القطاع العام، ممن يرون ضرورة التدخل لحماية الشركات الحكومية لأنها لن تستطيع منافسة شركات القطاع الخاص حال تحرير السلعة، علاوةً على توفير فرص مهولة للربح السهل والسريع لشركات (الورق) المستفيدة بشدة من النظام الهجين والحريصة على تحقيق هوامش ربح هائلة على حساب المواطن المطحون، برغم انخفاض كلفة التشغيل لديها، أو عدم وجودها أساساً، لأن تلك الشركات لا تمتلك مستودعات ولا شاحنات ولا طلمبات ولا موظفين ولا عمال ولا يحزنون!
* الحل يمكن أن يتم بأحد ثلاثة مقترحات، أولهما خروج الدولة من سوق الوقود بالكامل وتركها لآلية السوق، بتنافس مفتوح يستفيد منه المواطن بعد تنظيمه بضوابط مشددة تطبق بحزمٍ وعدالة وشفافية عالية، وتلك تجربة ناجحة حدثت في العام 2021 واستمرت حتى 2024، عندما أدت الوفرة في السلعة إلى انخفاض سعرها إلى الحد الأدنى، ووقتها كانت الشركات المؤهلة وصاحبة البنيات الأساسية المتكاملة تبيع الوقود في مستودعاتها ببورتسودان بسعر الكلفة أحياناً أو تكتفي بهامش ربح طفيف يقل عن 4%، وينخفض الربح ليصل صفر في المائة أحياناً لتكتفي تلك الشركات بالهامش الطفيف الذي تحصده من محطات الخدمة.
* المقترح الثاني أن تشهر الدولة عطاءات عالمية لشراء الوقود لتحصل عليه بسعره الحقيقي، وتطرحه على الشركات المحلية (حكوميةً كانت أو خاصة) وتفرض عليها أن تبيعه بهامش ربح طفيف لتضمن الوفرة واستقرار الأسعار على حد السواء، بتحرير متحكم فيه، وهذا المقترح سيؤدي إلى تخفيف العبء على المواطن وسيخرج شركات الورق من السوق على الفور، سيما وأن بعضها يحصل على أرباح فاحشةً تصل إلى 30 أو 40% أحياناً!
* المقترح الثالث تم تطبيقه في بعض دول المنطقة مثل كينيا وتنزانيا بتخصيص 50% من الوقود المستورد عبر القطاع الخاص للحكومة بسعر التكلفة لتبيعه عبر شركاتها، وتحديد هامش أرباح معقولة للنصف الآخر عبر القطاع الخاص، لتضمن الحكومة بذلك النظام الحصول على الوقود لشركاتها ومؤسساتها وقواتها النظامية بسعر الكلفة، وتضمن توافر السلعة للمواطنين بسعر منخفض.
* يمكن للدولة أن تنتقي أي مقترح من المذكورة أعلاه، بدلاً من الإصرار على تطبيق نظام مشوه وفاسد، تسبب في ندرة شديدة للوقود على مدار العام، ورفع أسعاره بطريقة تهدد بقاء الدولة وتطحن المواطن المكتوي بنيران الحرب والغلاء الفاحش!
* بقاء الوضع على ما هو عليه سيشكل خطراً داهماً على بنية الدولة السودانية، وسيضاعف السخط عليها في نفوس المواطنين، علاوةً على تأثيراته الجانبية الخطيرة على سعر صرف الجنيه المنهار.. فهلا اهتمت حكومة (الألم) النائمة على العسل بهذا الملف الاستراتيجي الخطير قبل أن يكسر ظهرها ويقصم عنقها ويتسبب في المزيد من الدمار للدولة.. والمزيد من القسوة والعذاب على المواطن الغلبان؟



