“مستوى الجريمة مع حرب أفرغت السجون..”

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وبمزجٍ احترافي بين الطريقة الروائية في الكتابة، والمعتمدة على التشويق وسلاسة الانتقال في القصص، والكتابة الأكاديمية، يقوم الدكتور في الاقتصاد والضابط الرفيع في الشرطة/ أسامة سعيد الحسن بتقديم كتاب تجربته عن السجون، وهي في طريق تطوير فكرتها من أماكن للاحتجاز إلى دور “إصلاح”، وإلى أن تكون مؤسسات تُدار فيها حياة البشر بدقة الزمن. وكما يروي الضابط أسامة سعيد في أحد فصول الكتاب، فإن خللًا تقنيًا بسيطًا في تسعينيات القرن الماضي—مرتبطًا بما عُرف بمشكلة الألفية (Y2K)—كشف مبكرًا كيف يمكن لخطأ في قراءة الزمن أن يتحول إلى ظلمٍ حقيقي، يُبقي سجينًا خلف القضبان أكثر مما ينبغي أو يطلق سراحه قبل أوانه.
اليوم، وفي سياق الحرب، لا يبدو الخلل تقنيًا هذه المرة، بل مؤسسيًا بالكامل؛ إذ لم تعد المشكلة في حساب الزمن داخل السجون، بل في غياب السيطرة عليها أصلًا، بعد أن خرج آلاف السجناء إلى واقعٍ بلا ضبطٍ ولا إحصاء بسبب الحرب.
(*) على من تقع المسؤولية ..
مناشدةٌ للسلطات الأمنية والشرطية أطلقها سكان أحياء مدينة أم درمان القديمة، عبّروا فيها عن شكواهم المستمرة من استمرار حالة السيولة الأمنية والسرقات والاعتداءات من متفلتين وخارجين على القانون في الأحياء بجرأة شديدة جدًا، وأصبحت هذه الظاهرة تشكل تهديدًا كبيرًا على حياة وممتلكات المواطنين بهذه الأحياء، مما اضطرهم لتشكيل مجموعات من شباب هذه الأحياء للقيام بعمل “دوريات” تتبادل العمل في حراسة الأحياء والتصدي للمجرمين، بعد أن شكوا، بحسب البيان، من بطء الاستجابة لشكواهم في هذا الموضوع.
ونعود هنا لقراءة تصريح كان قد قدمه قبل نحو عام من الآن “مايو 2025م” الفريق شمس الدين كباشي، عضو مجلس السيادة، قال فيه: “إن المسلحين مكانهم مناطق القتال، وإن المناطق التي استعادتها القوات المسلحة تُركت مسؤولية إدارتها لقوات الشرطة”، وهو هنا أراد أن يقول بأن مهام الحرب هي مسؤولية الجيش، ومهام مكافحة الجريمة والضبط المجتمعي هي مسؤولية الشرطة. وبالرجوع لإفادات الدكتور أسامة سعيد، فإن الحرب لم تكن “توقيتًا” ملتزمًا بالأحكام الصادرة بحق المسجونين حتى تاريخ 15 أبريل 2023م، بل إن ما تم يستحق أن يتم رصده إلى جانب الجرائم والانتهاكات التي عاشها الشعب السوداني بسبب الحرب.
طاردت الشرطة، في ذات التوقيت، وعلى لسان رئاسة قوات السجون ممثلة في اللواء/ الطيب أحمد عمر، مدير السجن القومي “كوبر”، شائعة خبر توجيه الشرطة “دعوة” للمساجين الفارين من السجون بسبب الحرب بتسليم أنفسهم، وقدمت نفيًا قاطعًا للخبر. ومنذ ذلك التوقيت لم نسمع عن أي مستجدات متعلقة بكيفية استعادة الضبط الجنائي للمحكومين في قضايا مختلفة، يصل عدد كبير منها لأحكام بالإعدام، وهم الآن خارج أسوار مؤسسات الإصلاح والسجون، وتشكل بيئة ما بعد الحرب هذه بيئة مناسبة جدًا لاستعادة نشاطهم الإجرامي، على النحو الذي اشتكى منه سكان أحياء أم درمان القديمة، ولم يصل صوت سكان أحياء أخرى في الولاية تعاني ذات المعاناة.
بطبيعة الحال فإننا نستطيع أن نشير بأصابع الاتهام للحرب كحالة أثرت على كل مناحي الحياة السودانية، والسجون ليست استثناءً من ذلك، إن لم نقل بأن اقتحامها وإطلاق المحكومين بداخلها كان جزءًا من تكتيكات الحرب التي انتهجها التمرد لتنفيذ مخطط “الرعب” في المدينة، وكذلك النفي الذي جاء ردًا على شائعة خبر في أصله أراد “السخرية” على حالة خلو السجون من المجرمين وطريقة استعادتهم.
وهنا من واجبنا أن نسأل: بعد استعادة جزء كبير من الحياة المدنية وعودة المؤسسات ذات العلاقة بالضبط الجنائي للعمل تدريجيًا، أليس من الواجب أن يشعر المواطن بعودة هيبة الدولة، وأن هنالك خطة واضحة المعالم لكيفية استعادة هؤلاء المجرمين وإلحاقهم بدور الإصلاح والرعاية، بخلاف توجيه “الدعوات” التي تم نفيها قبل عام؟
“نظام” السجون، كجزء من النظام الكامل للضبط الجنائي، عُرف عنه المستوى العالي من “الضبط والربط”، وأنه، وبالخبرات التي تلقتها الدفعات المتخرجة من كلية السجون والشرطة، وبالممارسة الطويلة، صارت تحتكم إلى مصفوفة إجراءات تُبنى على معلومات كاملة ودقيقة، نعتقد بأنها الأساس الذي يجب أن تقوم عليه خطة استرداد المحكومين والمجرمين الذين يشكل وجودهم خارج أسوار السجون الخطر الكبير على المواطنين وعلى استراتيجية استعادة الحياة لطبيعتها.
أكثر من “النفي”، كانت رئاسة قوات السجون محتاجة لإثبات أنها تملك “قاعدة بيانات” سليمة ومضبوطة، وأنها في مأمن من التلف أو الضياع، ويمكن استخدامها عند الحاجة إليها في تنفيذ خطة استعادة الضبط الجنائي.
إحساس المواطنين بهذه الخطة لاستعادة الضبط الجنائي، ورؤيتهم لتفاصيل تنفيذها، يرفع من مستوى الطمأنينة لديهم، بل ويجعلهم شركاء مع كل مؤسسات الضبط الجنائي لاستعادة السيطرة على المجرمين. وهنا يأتي السؤال: هل هنالك تنسيق على مستوى “الإنتربول” والمؤسسات النظيرة في دول الجوار في هذا الاتجاه؟ وهل من نتائج ملموسة لذلك؟
الخطر الكبير الذي يشعر به المواطنون الآن، وعبر عنه نداء سكان أحياء أم درمان القديمة، ليس في هروب المحكومين من السجون مستغلين حالة الحرب، بل في التعايش مع هذه الحالة من الدولة مع حالة هروبهم. وهنا يستوجب علينا أن نقول بأنه من الصحيح أن الأضرار التي لحقت بإمكانيات وقدرات أجهزة ومؤسسات الضبط الجنائي بسبب الحرب هي أضرار كبيرة جدًا، وأنه تم استهدافها بشكل ممنهج، وأنها تحتاج للكثير حتى تستطيع أن تعود لأوضاعها قبل أبريل الحرب. والمعلوم بالضرورة بأنها وقتها لم تكن في أحسن أحوالها، إلا أن تطاول الزمن دون الوصول لنقطة حسم السيطرة على الهاربين من السجون يعقد الأزمة أكثر، ويجعل مهمة استعادة السيطرة عليهم وإعادتهم للسجون تبدو مهمة صعبة، إن لم تكن مستحيلة.
(*) تقديرات حجم المشكلة ..
وبحسب قراءتنا لتزايد الجريمة ما بعد الحرب للأسباب المرتبطة بها، فإننا نعود لقراءة الأرقام من تقارير رسمية ما قبل الحرب، والتي كانت تشير إلى أن عدد المساجين في السودان كان في حدود 14 ألف سجين، وأن “سجن الهدى” وحده كان قد صُمم لاستيعاب 10 آلاف سجين، وكان ممتلئًا عن آخره حتى لحظة اقتحامه في أبريل الحرب. وهذا أيضًا يفسر حالة الضرر الجنائي الكبير الذي حاق بالعاصمة وسكانها من انتقال هذا العدد الكبير من المجرمين، من بينهم من هو على مستوى عالٍ من الخطورة “تجار مخدرات وسلاح ومحكومون بالإعدام”، إلى خارج أسوار مؤسسات الإصلاح.
وكان السيد وزير الداخلية آنذاك، في مايو 2025م، خليل باشا سايرين، قد خرج بتصريح ذكر فيه بأن عدد المساجين الذين أطلقت سراحهم قوات الدعم السريع من السجون فاق 19 ألف سجين. وهنا تبدأ الأرقام والمعلومات في تأثيرها حول هذه القضية، باعتبار أن التضارب في الأرقام بين ما هو مرصود في التقارير الرسمية قبل الحرب وتلك المذكورة في التصريح يثير المخاوف من عدم وجود قاعدة بيانات تشبه ما هو معروف عن إدارة السجون في السودان.
الإجراء الاحترازي الأول والمهم الذي أعلنت عنه الداخلية بأنها وضعت أسماءهم في قوائم الحظر من السفر عبر كل مخارج الدولة الرسمية، وإن كنا نعلم بأن منافذ التهريب بعد الحرب صارت هي الأكثر استخدامًا من المنافذ الرسمية للدولة، وأن بعضها لا يزال خارج سيطرة الدولة، ولا تتعاون فيها بعض دول الجوار مع مؤسسات الدولة. ومع ذلك لا يوجد تحديث للبيانات والمعلومات حول الرقم الذي تم استعادته من هؤلاء الفارين حتى الآن، لتقدير حالة الخطر الجنائي بحسب تصنيف الحالة الجنائية للمجرمين الذين لم تتم استعادتهم.
“الدعوة” للمجرمين لإعادة تسليم أنفسهم لا أعتقد بأن التعامل معها كتهمة يجب أن تنفيها الإدارة العامة لقوات السجون كان منطقيًا بالكامل، بل يجب أن تكون جزءًا من خطة متكاملة لاستعادة المحكومين، وهي دعوة منطقية جدًا، خاصة بالنسبة للمحكومين في أحكام شارفت على الانتهاء أو المدانين في قضايا أحكام مدنية. فالعودة لقضاء “المحكومية” أفضل بكثير من إضافة جريمة الهروب من العدالة إلى السجل الجنائي، لأنه في هذه النقطة فإن غياب الأرقام يعني مباشرة غياب السيطرة، وبالتالي فإن المجتمع السوداني، بعد أهوال الحرب، هو الآن في مواجهة مع “كتلة إجرامية” غير محصاة في المجتمع، والمنطق يقول بأن امتلاك المعلومات يتوقع أن تقابله نتائج محسوسة في هذا السياق المهدد لاستقرار المجتمع. وما بين الادعاء بامتلاك المعلومات والبيانات والواقع الذي عبّر عنه بيان ومناشدة سكان أحياء أم درمان القديمة، نجد أنفسنا أمام حقائق محيرة، والسجين الذي تعرف الدولة اسمه الآن ولكنها لا تعرف مكانه الآن، هو يمثل خطرًا مباشرًا على سلامة المجتمع والمواطنين.
لا تخلو الصحف والمواقع التفاعلية، وبشكل يومي، من أخبار “الضبطيات” وحملات الدهم لأوكار الجريمة والمجرمين، وهي تعكس المجهود المقدر لأجهزة ومنسوبي مؤسسات الضبط الجنائي في استعادة استقرار وطمأنينة المجتمع، إلا أننا ما زلنا محتاجين لتقديرات أكبر للنتائج التي أفرزتها الحرب وأثرت بها على الحالة الأمنية والجنائية في سودان لم ينتشر فيه فقط الفارون الخطرون من السجون، بل انتشرت بمرافقتهم الأسلحة والمخدرات.



