د. أسامة محمد عبدالرحيم يكتب : البرهان وتوقيت السادس من أبريل… ملامح إعادة تأسيس المشهد السياسي

موطئ قلم..

القرارات الكبرى في السياسة، كما في الحروب، لا تكون معزولة عن سياقها الزمني أو دلالاتها الرمزية. فالتوقيت أحيانًا يسبق النص، والدلالة تسبق الإعلان، والإشارة تُمهّد للقرار قبل صدوره. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة خطاب الفريق اول الركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العام، في السادس من أبريل بمعزل عن سلسلة القرارات التي صدرت في الفترة الأخيرة ، ولا بمعزل عن البيئة السياسية والعسكرية التي تتشكل في السودان منذ اندلاع الحرب. فالمشهد لا يبدو مجرد خطاب مناسبات، بل هو أقرب إلى تمهيد سياسي مدروس لمرحلة جديدة يُعاد فيها ترتيب الشرعية، وإعادة تعريف العلاقة بين الجيش والدولة، وبين الحرب والتحول السياسي.

لقد سبقت الخطاب أو تبعته جملة قرارات لافتة في بنيتها وتوقيتها؛ من تعيين رئيس جديد لهيئة الأركان، إلى إعادة تشكيل هيئة الأركان، إلى إلغاء منصب نائب القائد العام ومساعديه. وهذه ليست قرارات إدارية تقليدية، بل تحمل في جوهرها إعادة مركزية القرار العسكري، وتوحيد القيادة، وتقليص البنية القيادية متعددة المستويات التي نشأت في سياقات سياسية سابقة. وهي خطوة تُفهم عادةً في لحظات الانتقال الكبرى، حين تستعد الدولة لتغييرات أوسع تتجاوز المؤسسة العسكرية إلى المجال السياسي والدستوري. وقد عزز هذا الاتجاه صدور قرارات جديدة قضت بتعيين الفريق أول ركن شمس الدين كباشي مساعدًا للقائد العام لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي، والفريق ركن بحري إبراهيم جابر مساعدًا لشؤون العلاقات الدولية والتعاون العسكري، والفريق أول ميرغني إدريس مساعدًا لشؤون الصناعات الدفاعية، واللواء حقوقي إيهاب محمد حسين مديرًا للقضاء العسكري، بما يعكس استمرار إعادة ترتيب هرم القيادة وتوزيع المهام وفق رؤية أكثر تركيزًا للمرحلة القادمة.

وجاء خطاب السادس من أبريل ليضيف بعدًا رمزيًا بالغ الدلالة. فالتاريخ نفسه يحمل في الذاكرة السودانية معاني الانحياز العسكري للإرادة الشعبية، سواء في انتفاضة أبريل 1985م أو في أحداث أبريل 2019م. واستدعاء هذه المحطات في خطاب رسمي، مع التأكيد على شعار “جيش واحد شعب واحد”، لا يبدو مجرد استحضار تاريخي، بل محاولة لإعادة بناء سردية سياسية جديدة، قوامها أن الجيش ليس فقط مؤسسة تقاتل في الحرب، بل حامل لمرحلة انتقالية جديدة تنبع من “شرعية ميدانية” تشكلت خلال الحرب.

وهنا تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ”الشرعية الحربية”، والتي نشأت بسبب الحرب على حساب “الشرعية الثورية”، وهي شرعية تنشأ عندما تتحول المؤسسة العسكرية إلى مركز ثقل الدولة خلال الصراع، وتصبح حامية للكيان الوطني في مواجهة تهديد وجودي. وفي مثل هذه الحالات، تتراجع المرجعيات السياسية السابقة، وتُطرح الحاجة إلى إعادة صياغة الإطار الدستوري بما يتناسب مع الواقع الجديد. وهذا ما يجعل التكهن بإمكانية إلغاء الوثيقة الدستورية أو تعديلها جذريًا احتمالًا منطقيًا، خاصة في ظل تغيّر الأطراف التي صاغتها، وتبدّل موازين القوة، وتحول البيئة السياسية بالكامل منذ اندلاع الحرب. إن ما يجري ليس مجرد تعديل في بنية القيادة العسكرية، بل يبدو كمحاولة لإعادة صياغة لمصدر الشرعية السياسية نفسها، من شرعية الاتفاقات إلى شرعية الواقع الذي فرضته الحرب.

فالوثيقة الدستورية، في سياقها الأصلي، قامت على توازنات سياسية لم تعد قائمة اليوم. إذ إن أحد طرفيها، ممثلًا في قوات الدعم السريع وبعض الحركات العسكرية المتحالفة معها، دخل في صراع مباشر مع الدولة. كما أن بعض مكونات قوى الحرية والتغيير، بما شهدته من تمحورات لاحقة مثل تقدم وصمود وتأسيس، انخرطت في مواقف سياسية أصبحت في نظر قطاع واسع من الشارع مرتبطة بالتمرد أو متماهية معه. كما أن الحرب أعادت تشكيل المجتمع نفسه، وأنتجت اصطفافًا شعبيًا جديدًا حول الجيش، وهو ما يخلق أرضية مختلفة تمامًا للحديث عن شرعية انتقالية جديدة.

ولا يقتصر الأمر على الداخل السوداني فقط، بل يرتبط أيضًا بالسياق الإقليمي. فالمنطقة تمر بتحولات كبيرة، من إعادة ترتيب موازين القوى في البحر الأحمر، إلى صعود مقاربات الاستقرار أولًا بدل الانتقال السياسي الفوري، إلى تنامي دور الجيوش الوطنية في إدارة مراحل ما بعد النزاعات. وفي مثل هذا السياق، تبدو إعادة صياغة الإطار السياسي في السودان جزءًا من موجة إقليمية أوسع تبحث عن “استقرار مؤسس” قبل العودة إلى المسار الديمقراطي الكامل.

ومن اللافت أيضًا أن خطاب البرهان لم يكتفِ بالإشارة إلى الحرب، بل ربط بين “معركة الكرامة” و”مسيرة التحول الديمقراطي”. وهذا الربط يحمل دلالة مهمة؛ إذ يشير إلى أن المرحلة القادمة قد تُطرح بوصفها انتقالًا سياسيًا جديدًا يبدأ من نتائج الحرب، لا من ترتيبات ما قبلها. بمعنى آخر، أن التحول الديمقراطي القادم – إن تم – سيكون مبنيًا على واقع ما بعد الحرب، وليس على اتفاقات ما قبلها.

كما أن الإخراج الفني للخطاب – من حيث تعدد مواقع التصوير، وزوايا الكاميرا، والموسيقى التصويرية، والخلفيات الرمزية – يعزز فكرة أن الرسالة لم تكن خطابًا عاديًا، بل إعلانًا بصريًا لمرحلة جديدة. فالخطابات السياسية الكبرى في لحظات التحول تُبنى بعناية، لأن الصورة تصبح جزءًا من الرسالة، لا مجرد إطار لها.

كل هذه المؤشرات، مجتمعة، توحي بأن السودان قد يكون على أعتاب تغييرات جوهرية، تشمل إعادة تعريف الشرعية السياسية، وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، وربما إطلاق مسار انتقالي جديد يستند إلى الواقع الذي فرضته الحرب. وقد يتضمن ذلك إعادة تشكيل الحكومة، أو إصدار إعلان دستوري جديد، أو الدعوة إلى عملية سياسية مختلفة في بنيتها وأطرافها.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اتخاذ القرارات، بل في كيفية إدارتها. فإعادة التأسيس السياسي تحتاج إلى توازن دقيق بين متطلبات الحرب وضرورات الدولة، وبين مركزية القرار وفتح المجال السياسي، وبين الاستقرار والتحول الديمقراطي. وأي اختلال في هذا التوازن قد يفتح الباب لمرحلة انتقالية طويلة ومربكة بدل أن يكون مدخلًا لإنقاذ البلاد.

ومع ذلك، فإن المؤكد أن خطاب السادس من أبريل لم يكن مجرد استذكار للتاريخ، بل يبدو أقرب إلى تمهيد لمستقبل مختلف. فحين تستدعي القيادة لحظات الانحياز الشعبي، وتعيد ترتيب المؤسسة العسكرية، وتؤكد على التحول الديمقراطي، فإنها ترسم – ولو ضمنيًا – ملامح مرحلة جديدة.

السؤال إذن لم يعد؛ هل ستحدث تغييرات؟

بل أصبح؛ ما حجم هذه التغييرات، وكيف ستُدار، وإلى أين ستقود السودان؟

لأن لحظات إعادة التأسيس لا تتكرر كثيرًا، فإذا أُحسن استثمارها تصبح بداية استقرار، أما إذا أُسيء إدارتها فقد تتحول إلى انتقالٍ جديد بلا أفق، وقد تدخل البلاد في دورة أخرى من الشرعيات المؤقتة التي لا تؤسس دولة ولا تنهي أزمة، مجرد مرحلة انتقالية جديدة بلا نهاية، تمضي بلا هدف أو نتائج.

الإثنين 6 ابريل 2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى