علم الدين عمر يكتب: السفير علي بن حسن جعفر..كلمة حق..ومودة شعب

وجدت أنه يتحتم علي في هذه اللحظة التي تختبر فيها الذاكرة السودانية والصحفية قدرتها على الإنصاف حين يترجل من المشهد رجل لم يكن مجرد سفير عابر علي هوامش الدبلوماسية وعلاقات الشعوب والدول في السودان بل شاهد أصيل على تقلبات السودان وتعقيداته… السفير علي بن حسن جعفر.. سفير خادم الحرمين الشريفين الذي أسدل بالأمس ستار مهمته في الخرطوم بعد سنوات طويلة.. جعلت أسمه يتصدر قائمة أقدم السفراء وربما لا يسبقه في طول البقاء سوى السفير المغربي محمد ماء العينين..
لم يكن الرجل مجرد ممثلٍ دبلوماسي تقليدي لبلده ..بل كان—بالمعنى العميق—جزءاً من نسيج العلاقة الخاصة بين السودان والمملكة العربية السعودية..وهي علاقة لا تُقاس بميزان المصالح الواضحة المجردة فحسب.. بل تُقرأ في وجدان الشعوب.. حيث تتداخل الروابط التاريخية بالدين.. والجغرافيا والمصير.. ولهذا.. لم يكن مستغرباً أن يتحرك السفير في مساحاتٍ واسعة من القبول.. لا يدانيه فيها إلا سفير جمهورية مصر العربية.. في معادلة تعكس وزن الدولتين في الوعي السوداني..
عرفتُ الرجل عن قرب لسنوات فبدا لي نموذجاً مختلفاً لما يجب أن يكون عليه الدبلوماسي حين يلتقي الواجب بالوجدان..شهدت ورتبت معه مرة جلسة لوزير الشؤون الدينية والأوقاف أيام حكومة عبدالله حمدوك سيئة السيرة والمسيرة ورأيت كيف أدار الرجل ملف السعي بذمة الشعب السوداني بجدارة وأقتدار ..لم يكن صاخباً..لكنه كان حاضراً.. لم يكن غائباً ولا متدخلاً..تحرك وفق أصول العمل الدبلوماسي.. لكنه أضاف إليها ملمحاً إنسانياً نادراً..جعل حضوره مقبولاً حتى في أكثر اللحظات تعقيداً..
شهد السفير علي بن حسن جعفر كل المشاهد… من لحظات الإستقرار النسبي..إلى عواصف التحولات السياسية.. ثم انزلاقات الفوضى والحرب..والمؤامرة علي السودان..لم يكن مراقباً محايداً بالمعنى السالب..بل كان متابعاً حريصاً يحمل هم العلاقة بين البلدين ويقرأ ما يجري بعين الدولة..وفي هذا السياق..تعرض لحملات تشويه.. واتهامات تخوين..وتضارب مصالح.. ومحاولات لتأطير دوره خارج سياقه الطبيعي..
لكن اللافت أنه لم ينجر للمعارك الجانبية..ولم يرد على الضجيج بالصراخ..كما هي العادة.. بل اختار الصبر سبيلاً..والعمل طريقاً..ظل يمارس مهامه بثبات.. ممثلاً لدولته ومليكها وشعبها..دون أن يفقد خيط الود مع المجتمع السوداني.. الذي فتح له أبوابه.. كما فتح هو أبواب سكنه وعمله للناس.. بلا حواجز مصطنعة.. ولا غرف مغلقة تُدار فيها الظلال..
في عهده..تحولت سفارة المملكة العربية السعودية لمساحة تلاق ومنصة تنسيق فعال..لعبت فيها المملكة دورها كما ينبغي..خاصة في أوقات الأزمات الكبري.. حيث ظهرت قيمة الدبلوماسية الهادئة..التي تعمل دون استعراض وتنجز دون ضجيج..
لقد كان الرجل من “صقور” الدبلوماسية السعودية لكنه لم يكن حاداً أو صدامياً ..عرف متى يتقدم ومتى يتراجع.. ومتى يصمت ومتى يتكلم.. وهذا التوازن هو ما جعله يستعصي على التغيير لسنوات.. في بيئة دبلوماسية تتبدل فيها المواقع سريعاً..ولا يقطع نهرها مرتين من مياهه الجارية..
رحيل السفير علي بن حسن جعفر عن الخرطوم لا يعني نهاية دور..بقدر ما هو نهاية فصلٍ مكتمل الملامح… فصل كُتب بالصبر..وخُتم بالإحترام.. وهو—في تقديري—واحد من أولئك الذين مروا على جغرافية وتاريخ السودان تاركاً أثراً يستعصي علي التكرار..
وهذا..في ميزان الدبلوماسية يعرف بالمجد الصامت الذي تحدث عنه النتائج..



