البعد الخامس/ المسرح العبثي في جمهورية الأنا: ترامبستان

الجزء الأول: الحرب بالمونتاج: ترامب وفقاعة القرار الناقص
بقلم.: صباح المكي

داخل غرفة القرار: حين تُدار الحرب بالصورة وتُترك الحقيقة خارج الإطار

في الحروب، لا تكمن الخطورة فقط في السلاح، بل في الصورة التي تصل إلى صاحب القرار. هذا ما يكشفه تحقيق حصري نشرته شبكة NBC News، أفاد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يتلقى يوميًا مونتاجًا مصورًا قصيرًا، مدته دقيقتان، تعدّه القيادة العسكرية الأمريكية، ويعرض مشاهد منتقاة لضربات أمريكية على أهداف إيرانية خلال الساعات الثماني والأربعين السابقة، في قالب بصري أقرب إلى الأسلوب الهوليوودي الذي يحتفي بصورة الجيش الأمريكي المنتصر أكثر مما يقدّم صورة متوازنة للحرب.

في الظاهر، قد يبدو ذلك مجرد وسيلة مبسطة لرئيس يفضّل الإيقاع السريع. لكن في العمق، يطرح سؤالًا أكثر خطورة: ماذا يحدث عندما تُختزل حرب معقدة في شريط نجاحات؟

بحسب التقرير، لم تكن هذه المقاطع وسيلة الإحاطة الوحيدة للرئيس، إذ تؤكد الإدارة أنه يتلقى أيضًا إحاطات من كبار المستشارين وقادة أجانب. لكن أربعة مسؤولين حاليين وسابقين أعربوا عن قلقهم من أن هذه الفيديوهات، بما تحمله من مشاهد مكثفة للضربات والانفجارات، قد لا تمنح ترامب الصورة الكاملة لحرب دخلت أسبوعها الرابع. فهي، وفقًا لما ورد، لا تعرض إلا جانبًا واحدًا من المشهد: النجاح العسكري كما تريد المؤسسة أن يراه الرئيس، من دون أن تنقل إليه بالقدر نفسه الخسائر، وردود الفعل، ونقاط الضعف.

ويورد التقرير مثالًا لافتًا: استهداف إيران خمس طائرات أمريكية لتزويد الوقود في قاعدة بالسعودية، وهي واقعة لم يُبلَّغ بها ترامب، بل علم بها من الإعلام. وهنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في أسلوب العرض، بل يصبح مؤشرًا على خلل في تدفق الحقيقة إلى أعلى هرم القرار.
ورغم نفي البيت الأبيض هذه المخاوف، فإن السؤال يبقى قائمًا: ماذا يحدث حين تُدار الحرب من خلال صورة منقحة للنجاح، لا من خلال واقعها الكامل؟

*أولًا: كيف تُصنع صورة الحرب*

المشكلة هنا لا تكمن في وجود مقاطع مصورة بحد ذاتها، بل في الوظيفة التي تؤديها. فإذا صحت المعلومات الواردة في التقرير، فإن اعتماد الرئيس على شريط منقح يبرز النجاحات العسكرية وحدها لا يبدو مجرد أسلوب حديث في الإحاطة، بل مؤشرًا على خلل حقيقي في آلية صنع القرار.

فالقائد الأعلى في الحروب لا يحتاج إلى مشهد بصري جذاب، بل إلى صورة عملياتية متكاملة تشمل النجاحات والإخفاقات، والخسائر والتهديدات، ومسارات التصعيد وفرص الاحتواء. أما حين تتحول الإحاطة إلى مونتاج للضربات الناجحة، فإن ما يصل إليه لا يعود الحرب كما هي، بل نسخة منتقاة منها. وعندها يصبح أسير ما يعزز انطباعه، لا ما يصحح فهمه.

وهذا ليس خللًا تقنيًا عابرًا، بل خللًا في جوهر القيادة والسيطرة. فالحرب ليست مادة دعائية ولا مشهدًا تلفزيونيًا، بل شبكة معقدة من التفاعلات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وأي قرار يُبنى على صورة منقوصة منها يظل معرضًا للانحراف.

وتتضاعف خطورة ذلك حين يقترن، كما ورد، بعدم إبلاغ الرئيس ببعض الهجمات الإيرانية المؤثرة، واكتشافه لها عبر الإعلام، الذي لا يراه مصدرًا مشروعًا إلا حين يمدحه أو يعكس له صورة انتصاراته المتوهمة؛ أما إذا خالف هذه الصورة، فيغدو في نظره مجرد “أخبار زائفة”. وهنا لا نكون أمام تبسيط للمعلومات فقط، بل أمام مرشّح داخلي يعيد تحديد ما يستحق أن يصل إلى الرئيس وما لا يستحق، بما يجعل القرار مبنيًا على ما اختير بعناية، لا على ما حدث كاملًا.

صحيح أن توتر الرؤساء الأمريكيين مع الإعلام ليس جديدًا، لكن الجديد هنا أن الخلل لا يبدو في الإعلام وحده، بل في آلية الإحاطة نفسها. فبدل أن تؤسس التقارير المركبة القرار، يعلو أثر المشهد السريع. وبدل أن تُعرض الحرب بوصفها تركيبًا معقدًا من المعطيات، تُقدَّم كإيقاع بصري مكثف، شديد الانتقائية، وقابل لإرضاء من يشاهده.

وهذا يعيدنا إلى منطق غرف الصدى داخل السلطة: حين لا يتردد داخل المؤسسة إلا ما ينسجم مع مزاج القائد، أو ما يظن المحيطون به أنه ينسجم معه. وعندها لا يكون الخلل فقط في تفضيل الرئيس للصورة، بل في أن الجهاز المحيط به يتعلم كيف يعيد تشكيل الواقع ليلائم هذا التفضيل.

*ثانيًا: من النرجسية إلى فقاعة المعلومات*

السؤال هنا لا يتعلق بتشخيص نفسي مباشر، بل بالعلاقة بين شخصية القائد والبيئة المؤسسية التي تتشكل حوله. فالمؤسسات لا تعمل في فراغ، بل تتكيف مع مزاج من يقودها: مع ما يحب أن يسمعه، وما يضيق به، وما يراه نجاحًا أو تهديدًا.

في حالة ترامب، كما توحي بذلك تقارير سابقة إلى جانب التقرير الحالي، يبدو أن المحيطين به تعلموا أن التأثير عليه لا يمر عبر التحليل المركب، بل عبر الصورة الواضحة، والرسالة السريعة، والمشهد القابل للاستهلاك الفوري. ومن هنا تظهر ظاهرة المرآة: إذ لا يُنقل الواقع إلى القائد كما هو، بل كما ينسجم مع طريقته في التلقي.

فإذا كان الرئيس يكره سماع الأخبار السيئة، ويهاجم من يحملها، ويربط الأداء بصورة النصر الظاهر، فإن كثيرًا ممن يعملون حوله سيتعلمون، بوعي أو من دون وعي، أن يحجبوا عنه الوقائع المؤلمة، وأن يقدّموا له ما ينسجم مع رغبته في رؤية الانتصار، لا ما يكشف له الحقيقة كما هي، سواء كان هذا الانتصار قائمًا في الواقع أم لا. وهكذا لا تعود المؤسسة ناقلة للمعلومات، بل أداة في تنقيحها وصياغتها بما يلائم مزاج القائد.

وهنا يبرز أثر السمات النرجسية في القيادة، لا بوصفها تشخيصًا طبيًا، بل باعتبارها نمطًا سلوكيًا يؤثر مباشرة في تدفق المعلومات. ففي مثل هذه البيئات، لا يُستقبل الخبر السيئ كمعطى يجب التعامل معه، بل كعبء أو انتقاص من صورة القائد. وتصبح الضربة المصورة أكثر تأثيرًا من الحصيلة الاستراتيجية، لا لأنها أهم في الواقع، بل لأنها أكثر انسجامًا مع منطق الصورة والسيطرة.

والأرجح أن ما يحدث ليس مؤامرة منظمة لإخفاء الفشل، بل تكيّف مؤسسي متراكم. أي إن العسكريين والمدنيين تعلموا أن الرئيس يستجيب أكثر للفيديو من النص، وللإنجاز المرئي من التحليل المركب، فصاروا يصوغون المعلومة في القالب الذي يتقبله. وهذه ليست مجرد تقنية عرض، بل آلية تؤثر في بنية الإحاطة نفسها.

وتزداد حساسية هذه الحالة لأن الرئيس، بحسب ما نُقل، لا يكتفي بما تصله به مؤسساته، بل يتابع أيضًا مقاطع من الإعلام ووسائل التواصل، ويتصل للاستفسار عما يراه. وهذا يعني أن الفريق المحيط به لا ينقل المعلومات فقط، بل ينافس الإعلام أيضًا في تشكيل تصور الرئيس للواقع. وهنا تتحول الإحاطة من أداة لفهم الحرب إلى أداة لإدارة انطباعه عنها.

ولهذا فإن أخطر ما في هذه البيئة ليس فقط أنها تنتج فقاعة معلوماتية، بل أنها تغيّر وظيفة المستشار نفسه. فبدلًا من أن يقدم تقديرًا استراتيجيًا صريحًا، يصبح أقرب إلى حارس للمزاج الرئاسي، يختار ما يقال، وكيف يقال، ومتى يقال، بما ينسجم مع شخصية القائد، لا مع مقتضيات القرار الرشيد.

وفي هذا السياق، لا يبدو ترامب مجرد سياسي ذي نزعة نرجسية تقليدية، بل شخصية يختلط فيها التعطش الدائم للإعجاب بتضخم حاد في صورة الذات. فهو لا يتصرف كرئيس داخل مؤسسة، بل كما لو أنه المؤسسة نفسها، ومصدر الشرعية، ومعيار الصواب، ومركز المشهد. وهنا يبدأ الخلل الأعمق: حين تصبح الصورة أهم من الواقع، يبدأ الجهاز المحيط بالرئيس في حماية الانطباع بدل كشف الحقيقة.

*ثالثًا: حين تصبح الحرب إشارة مالية*

لكن أثر هذه البيئة لا يبقى محصورًا في الجانب العسكري. فحين يصبح الرئيس مصدرًا مباشرًا لتقلبات كبرى في الحرب والسوق معًا، تتحول فقاعة المعلومات من خلل إداري إلى بيئة مثالية لتسريب المنافع.

تشير تقارير متعددة إلى أن الأسواق شهدت تحركات غير اعتيادية قبل دقائق من إعلان لترامب على منصة “تروث سوشال” تحدث فيه عن “محادثات مثمرة” مع إيران وتأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام. فقبل الإعلان بنحو خمس عشرة دقيقة، نُفذت صفقة استثنائية على عقود “إس آند بي 500” الآجلة قُدّرت بنحو 1.5 مليار دولار، وحققت، بحسب تقديرات متداولة، أرباحًا فورية تجاوزت 60 مليون دولار خلال دقائق من منشور ترامب. وبالتزامن مع ذلك، ظهرت رهانات كبيرة على هبوط أسعار النفط، تراوحت التقديرات بشأنها بين 192 مليونًا و580 مليون دولار. ولا تزال هوية منفّذ هذه الصفقة الضخمة غير معروفة حتى الآن.

والشبهة هنا لا تثيرها قيمة الصفقة وحدها، بل توقيتها أيضًا: من عرف؟ من استفاد؟ وهل كان بعض الفاعلين على علم مسبق بأن الرئيس سيتراجع أو يهدئ أو يؤجل؟ عند هذه النقطة، لا تعود قرارات الحرب والسياسة الخارجية مجرد قرارات سيادية، بل تصبح أيضًا إشارات مالية عالية القيمة.

ولهذا لم يظهر مصطلح “تاكو” (TACO)، اختصارًا لعبارة Trump Always Chickens Out، من فراغ. فالمهم ليس طرافة المصطلح، بل دلالته: حين يصبح التراجع الرئاسي نمطًا تتوقعه الأسواق وتتربح منه، يتحول القرار السياسي نفسه إلى إشارة مالية. وهنا لا تبدو القضية مجرد شبهة تداول بمعلومات داخلية، بل جزءًا من بنية أوسع: رئيس متقلب، ومحيط ضيق يعرف إيقاع قراراته، وسوق يتعلم كيف يقرأ هذا الإيقاع ويربح منه.

وبهذا المعنى، فإن البيئة التي تنتج تصفية المعلومات قد تكون هي نفسها التي تنتج تصفية المنافع. فمن يملك وصولًا مبكرًا إلى قرار متقلب قادر على تحريك الأسواق، يملك أيضًا فرصة استثنائية للاستفادة منه. ولهذا لم يكن غريبًا أن يطالب بعض السياسيين والمحللين بفتح تحقيق لمعرفة من كان على علم مسبق بهذه التحولات.

لكن المسألة لا تقف عند حدود التسريب المالي المحتمل، بل تمس جوهر القرار نفسه. فحين نفت إيران، بحسب ما ورد، وجود المحادثات التي تحدث عنها ترامب، أصبح الاحتمالان كلاهما مقلقًا: إما أن التصريح استُخدم للتأثير في الأسواق، وإما أن الرئيس تحرك استنادًا إلى صورة غير دقيقة داخل فقاعة معلوماتية تحجب عنه الواقع. وفي الحالتين، لا يبدو الخلل ماليًا فقط، بل خللًا في بنية الحكم ذاتها: في طريقة اتخاذ القرار، وحدود المساءلة، والفصل بين المصلحة الوطنية والمكسب السياسي أو المالي.

وقد عبّر بعض المنتقدين عن ذلك بوضوح. فقد وصف السيناتور كريس ميرفي ما حدث بأنه “فساد مذهل”، بينما اتهم آخرون ترامب بإعطاء المقربين منه معلومات داخلية تتيح لهم الثراء. وقد زادت هذه الشبهات حدةً مع تقارير أشارت إلى أن عائلة ترامب حققت أكثر من مليار دولار من مشروعات التشفير خلال عامه الأول في المنصب، بما في ذلك صفقات واستثمارات ارتبط بعضها بأطراف مدعومة من أبوظبي، فيما عدّه منتقدون قرينة إضافية على هشاشة الحدود بين السلطة والمنفعة الخاصة. وفي المقابل، نفى البيت الأبيض هذه الاتهامات نفيًا قاطعًا. لكن حتى مع غياب دليل حاسم حتى الآن، فإن ما يظل قائمًا هو أن البيئة المحيطة بالرئيس، كما ترسمها هذه الوقائع، تبدو بيئة ضعيفة الضوابط، عالية التقلب، وقابلة لإنتاج التباس خطير بين القرار السيادي والإشارة السوقية.

*الخلاصة: حين تُدار الإمبراطورية بالمونتاج*

المسألة في النهاية ليست أن ترامب يشاهد فيديوهات قصيرة، بل أيّ نوع من الحقيقة يُسمح له بأن يبلغ أعلى هرم القرار. فإذا صحت هذه الوقائع، فنحن لا نكون أمام رئيس يتلقى صورة ناقصة عن الحرب فحسب، بل أمام بنية حكم يختلط فيها الانطباع بالحقيقة، والمزاج بالتقدير، والقرار بالمنفعة. وعندها لا يعود السؤال: هل كان يرى الصورة الكاملة؟ بل: من الذي كان يصوغ له هذه الصورة، ومن الذي كان يستفيد من عرضها أو تعديلها؟
فالخطورة لا تكمن في الفيديوهات وحدها، ولا في شخصية الرئيس وحدها، بل في اجتماع هذه العناصر داخل منظومة واحدة: رئيس شديد الحساسية للنقد، محاط بدائرة تتكيف مع مزاجه، وتعتمد في مخاطبته على ما يرضيه أكثر مما تكاشفه بما ينبغي أن يعرفه. وهكذا لا تعود الحرب مجرد ملف أمني يُدار بمعايير الدولة، بل يمكن أن تنزلق إلى شيء آخر: عرضًا بصريًا، وإشارة سوقية، ومجالًا مفتوحًا للمنافع في آن واحد.

وفي مثل هذه البيئة، لا يعود الفساد شبهة مالية معزولة، بل نتيجة تكاد تكون طبيعية لبنية مضطربة، يختلط فيها الانطباع بالمعطى، والمصلحة العامة بالمنافع الخاصة. وهنا يبدأ الوجه الآخر للمسألة، الذي يتوسع فيه الجزء الثاني: حين لا تبقى الصورة المنقوصة مجرد أداة حكم، بل تغدو جزءًا من منطق سياسي أوسع، تختلط فيه الأنا بالقرار، والاستعراض بالقوة، والتحالف بمنطق الإذلال والهيمنة.
bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى