ايمن كبوش يكتب : اليوم دعنا نتفق..

أفياء..
# رجل جميل.. من بقايا ذلك الزمان.. (زمان كُنّا بنَشيل الوُّد.. ونَدِّى الوُّد.. وفي عينينا كان يكْبَر حناناً زاد.. وفات الحدَ.. زمان ما عِشْنَا فى غُرْبَهْ.. ولا قاسينا نِتْوحّد..)، أو كما قال الشاعر الاجمل (عمر الطيب الدوش).. طالبني هذا الرجل بأن نواصل حملتنا ضد شعارات (ليس.. ليس يطلع كويس) التي تريد بها الحكومة السودانية أن تعيد الوضع إلى ما قبل ١٥ ابريل لدواعي (الود القديم والبحر القديم والحزن النبيل).. مع أن القطار المنطلق نحو الغد الأرحب بأدوات المستقبل، لا يمكن ان يسير ابدا.. ابدا على (الفلنكات الخشبية) في زمن (الجديد شديد) وحرب المسيّرات والصواريخ الفرط صوتية.
# نعم.. من حق الشعب السوداني ان يعيش سنوات صفاء ورخاء تعوضه عن تلك السنوات العجاف التي عاشها منذ فترة ما بعد الاستقلال.. هذا الشعب العظيم، ظُلم مناخيا بخط الاستواء الذي مازال يعكر مزاجه.. وظلم بثقافاته المتعددة التي قالوا لنا كذبا انها (إشعار إضافة).. فلم نر منها غير (إشعار الخصم) الذي قتل حلم الوحدة الجاذبة واغتال امنيات السلام المستدام.
# نعم.. ايها السادة.. من حق الشعب السوداني ان يُحكم وتدار شئونه وشجونه بحكام صادقين.. يخافون الله.. ويخافون السؤال عند السؤال.. حكام لا يعرفون (درب الفساد) ولا ينسجم مزاجهم الخاص مع الفعل الحرام.. فهل هذه مطالب صعبة ؟ هي مطالب ميسورة والصفات النبيلة لا ترتبط بالدين في كل الأحوال لذلك هي موجودة في هذا الكوكب.. ولكن لن تتحقق ما لم ينسحب ذلك الجيل القديم الذي فقد الطموح وتعطلت عنده حاسة تذوق رائحة المستقبل.. لم يعد البقاء في محطة الشعارات مجديا.. الهتافات اليباب.. وقبضات الايادي التي ترفع في الهواء على الخواء.. لا بد من المضي قدما إلى محطة الجرافة وود البخيت وجبال كرري التي تحدث عن رجال كالاسود الضارية.. تصلها ب“مترو الانفاق” مثل خلائق الله في كل بقاع الدنيا.. وأن تتحول مساحات غرب ام درمان والولاية الشمالية الخالية من السكان إلى حدائق وميادين وغناء.. او يمضي العمار كذلك إلى جبل أولياء.. من محطة قطار الداون تاون.. سندة في العزوزاب.. سندة في الكلاكلات.. وقدلة في الجبل والخزان.. الا يستحق هذا الشعب حياة مريحة.. تغيب عنها صفوف المواصلات.. وصفوف الرغيف.. وصفوف الوقود والمحروقات.. آن لنا أن نحلم احلاما سعيدة فيما تبقى لنا من العمر.. لذلك سدوا فرقة الحرب اللعينة بالابتكار والعمار.. تذكروا بأن الشعب السوداني الذي يغني الان (جيش واحد.. شعب واحد) يعشق هذه المؤسسة لانه مازال يرى فيها ذلك الإلهام الحقيقي الذي تمثل في شخصية الفريق عبود والمشير جعفر النميري وحكاياتنا مايو.. والسودان غاب عنه أهل الإلهام الذين يقبضون على الجمر مثل قبضهم على مشرط الجراح الذي يجعلنا نلتقي في محبة هذا الوطن من الرياح إلى الرياح.. مثل أجزاء الجراح.
# (اليوم دعنا نتفق)، هي دعوة لاي صاحب فكرة، يتمتع بحق المواطنة، ندعوه للاتفاق مع الرؤى الرامية لاعتماد بدايات جديدة… ولكن هذه الرؤى لن تصبح صائبة الا من خلال مشروع متكامل يّقتل بحثا وتمحيصا ثم نبدأ تطبيقه بالتدريج دون إغفالنا لذكريات الماضي والحنين اليه… لان القديم.. كل القديم في وطن الاجداد و(انا يا سعاد).. وتعليم البنات وجامعة الاحفاد ونشرة الأرصاد.. لا يمكن ان يُرمى كله هكذا في حضرة البوار والعطالة لان «النسى قديمو تاه».. لذلك علينا ان تبني ونعيد الاعمار، بداية من أنفع القديم.. لم يعد الركون لوهم الغد حصاناً او فارساً يأتي من العدم القصي.. ولا عاد اعتقادنا الازلي بأن «بكرة» تصلح للانجاز ينفع.. فلابد ان يتم الانجاز اليوم بشحذ الهمم واستعجال الآليات ووضع الماكيت ومراقبة التنفيذ مع ضبط الجودة… ولكننا للأسف الشديد ننتظر كثيرا وطويلا لكي تأتي (بكرة او بعد بكرة) لنجد ان (الغشاء بحاجة لترقيع مع أن الفحص المسبق احسن).. صحيح أن الإنسان لا يليق أن يدخل معملا للفحص مثل فئران التجارب.. ولكن نحن لن نربع اليدين لنرى المستقبل من زاوية (شختك بختك) او (يا صابت يا خابت).. كما يحدث الان في السودان الذي بات في كل جزء من جسده وجع.. فذلك محض استياء.. لم يعد هناك جديد مرتجى رغم ازدحام القديم المعاد.. نحن (نبشر ولا ننفر) ولكنها بشرى لمن يريد أن يقرأ ما بين السطور.



