قانون الإعلام.. اتساع النص وضيق التطبيق ..

ملح الأرض..
بقلم/ خالد ماسا
“البيان” الأخير الصادر عن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين وردت فيه فقرة تتحدث عن توصله، كما أشار البيان، إلى ما سماه بالمراحل المتقدمة لإعداد مشروع قانون لتنظيم مهنة الإعلام، واصفاً نفسه بالشريك الفاعل مع الجهات العدلية، وأعطى البيان بعضاً من ملامح هذا القانون قائلاً بأنه يسعى لمواءمة الممارسة المهنية مع المعايير الدستورية وحماية الحريات الصحفية وصون المجتمع من النشر الضار.
ويأتي هذا البيان بعد مضي نحو عام كامل على ورشة عقدتها وزارة الثقافة والإعلام في مايو 2025م، ناقشت مقترحات تعديلات قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009م تحت شعار “حرية إعلامية بمعايير مهنية”، وانفضّ السامر بتسليم التوصيات للسيد/ خالد الإعيسر وزير الإعلام، والذي كان قد أطنب في مدح الأوراق التي قُدمت خلال الورشة دون أن يتحرك ذلك خطوة أخرى باتجاه ما تمت مناقشته على مدار أيام الورشة والتوصية به.
(*) قانون جديد في مقابل واقع قديم ..
والسؤال الذي لم تُجب عليه الورشة هو: هل نحن بصدد محاولات لتنظيم مهنة الإعلام أم في محاولة لإعادة ضبطها سياسياً، خاصة وأن السياق الذي انعقدت فيه الورشة هو سياق الحرب، بحضور أمني لا تخطئه العين؟
في العادة، للقوانين دورة حياة تتطور فيها بتطور الممارسة والتجربة والمستجدات التي طرأت على مستوى الممارسة الإعلامية، وظهور قوالب وأنماط جديدة للإعلام، بالضرورة يستدعي تطور التشريعات المنظمة للعمل الإعلامي. إلا أننا يجب أن ننبه إلى حقيقة ينبغي الانتباه لها، وهي أنه وعلى الدوام لم تكن مشكلة الإعلام والممارسين له كمهنة في “النص” القانوني المذكور في التشريعات بقدر ما أن المشكلة ظلت على الدوام في التطبيق، والذي عادة ما كان يأتي غير متسق مع روح القانون، بل وفي العادة مفارقاً له في كل شيء.
الإعلام وقضاياه لا تصلح أن تكون حدثاً “موسمياً” ومناقشات طارئة متى ما أحست الوزارة بحاجتها لتنبيه المتابعين لوجودها، أو أرادت جهة ما ادعاء تمثيلها للمشتغلين في هذا المجال وتريد أن تزيد من رصيدها في معركة الشرعية وولاية أمر الصحافة والصحفيين. فسياق ورشة الوزارة المحضورة بوزن سيادي وبيان الاتحاد يجيئان في ظرف يعيش فيه الصحفيون والإعلاميون ظروفاً بالغة التعقيد بسبب الحرب التي أطلقت رصاصة الرحمة على الصحافة في السودان بإغلاق الدور الصحفية، وشرّدت الآلاف من المشتغلين فيها، وتقطعت بهم سبل العيش الكريم بعد أن تخلت عنهم مؤسساتهم. والأرقام التي ترصد عدد الصحفيين في سجلات اللاجئين توضح إلى أي مدى وصل الحال بمهنة المتاعب. ويبقى السؤال هنا موضوعياً: عن أي إعلام تريد الدولة أن تكتب له القانون في ظل دولة تعيش حالة الحرب وتعاني مشكلات على مستوى البناء الدستوري للدولة نفسها بغياب مؤسسة التشريع التي يمكنها صياغة النص وضمان تطبيقه واحترامه واحترام القيم المطلوبة عند ممارسة مهنة الصحافة والإعلام؟
وفي زمن الحرب هذا، يأتي السؤال عن ما إذا كانت الوزارة ستحل محل مؤسسة التشريع الغائبة، وأنها ستقف إلى جانب مساحات حرية الرأي والتعبير، أم أنها ستصيغ النص القانوني بما يضمن لها صلاحيات أوسع؟ وكذا الحال بالنسبة لاتحاد الصحفيين، وهل يسعى من خلال المبادرة لإنتاج قانون لاحتكار الشرعية والتمثيل؟ وهل تقوم مبادرته على أساس الشراكة في التشريع أم أداة لتمرير ما تود السلطة أن تفرضه على الصحفيين؟
(*) هل التوقيت مناسب؟
لا يغيب عن ذهن أي متابع بأن الحرب قد فرضت أجواء “عسكرة” الفضاء العام، واستدعت لغة التعبئة والتحشيد والاستقطاب، وشرعنة “الكراهية” حتى في الخطاب الرسمي تحت غطاء الوطنية، هذا في ظل غياب أو ضعف المؤسسات وغياب البيئة الديمقراطية المستقرة.
قوانين الطوارئ وسيادة التقديرات السياسية وعلوها على النص القانوني هي الحاكمة، وظلت الحقوق الصحفية في حدودها الدنيا غائبة ومنتهكة، وأصبح حق أصيل كحق الحصول على المعلومات غير مكفول بادعاءات غير قادرة على الإقناع، وصار الخبر موجهاً والتحقيق ممنوعاً، وممارسة المهنة في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها القانون.
وفي هذا التوقيت يجب أن نطرح السؤال: هل المشكلة في غياب النص القانوني أم في غياب مستويات الحريات وضعف مؤسسات الدولة وتدخل بعضها سلطوياً؟ فتاريخياً عُرف السودان بالمسافة الواسعة بين النص التشريعي وتطبيقه.
(*) تطوير الأدوات القمعية ..
ترد عبارات الحريات الصحفية في مثل هذه الفعاليات لتجميل واجهة اللافتات التي تتحدث عن تعديل النص القانوني، ولكن الدولة ظلت وعلى الدوام تتحسس مسدسها كلما اقتربت الصحافة من الحقيقة، وظل القانون ما هو إلا عملية تطوير لأدوات الدولة القمعية في مواجهة المشتغلين بمهنة الصحافة والإعلام.
ظل النص القانوني نفسه عاجزاً عن حماية الحق الصحفي في حرية التعبير، وحماية الصحفيين، والحفاظ على استقلالية المؤسسات الصحفية، بما فيها مؤسسات الدولة الملتزمة بخطاب الحكومة أكثر مما هي ملتزمة بالشروط المهنية، والترسيم الواضح لحدود العلاقة بين الإعلام والسلطة.
السلطة التي لا تريد أن تسمع غير صوتها، بالضرورة لن يثير اهتمامها وضع الصحفيين الحالي، والذين فقدوا بسبب الحرب وظائفهم ومصادر دخلهم، وانهارت مؤسساتهم، وفوق ذلك تشهد البلاد تضييقاً غير مبرر على الممارسة الصحفية وشحاً في المعلومات التي تحتاج الصحافة أن تخاطب بها الرأي العام والمواطنين.
ممارسة المهنة في هذه الظروف ظلت تشكل خطراً على حياة الصحفيين، وما رصدته التقارير الصادرة من جهات محلية أو دولية لحجم الانتهاكات والاعتقالات والتقييد الذي تعرض له الصحفيون يرسم صورة مخيفة لأوضاع الصحفيين وحرياتهم وتمكنهم من أداء الواجب المهني بعيداً عن القمع والتقييد.
ولن نحتاج لأن نبذل كثير عناء لنتبين بأن توقيت الحرب هو التوقيت المثالي لفرض رواية وسردية من يملك السلطة، فهي أجواء في العادة لا تحتمل فيها تعدد وجهات النظر والآراء، وبالتالي هل من المتوقع أن يُصاغ قانون في هذه الأجواء يضمن ما تم ذكره عن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، أم أن النص سيُضاف كقيد جديد يفرض تقييداً على أداء الصحافة والصحفيين ويفرض سيادة رواية السلطة على أي رواية أخرى يراها المشتغلون بالمهنة؟
والسؤال المهم هنا أيضاً عن من المسؤول عن صياغة النص القانوني في هذا التوقيت؟ هل هم رموز السلطة المحتشدون في الصفوف الأمامية لورشة الوزارة، والتي حرصت على مشاركتهم فيها، وكأنها تقول بأنهم أول المصطدمين بالأقلام والمحتاجين لقوة النص وتضييقه لتقليم أظافر الصحافة التي “تنكش” في ملفات الحقيقة؟
وسؤال آخر يطل: عندما تقوم مؤسسات السلطة والوزارة بالاهتمام بأمر قانون الصحافة، وتقيم له الورش وتصدر له البيانات، هل يأتي هذا من قبيل قناعة السلطة بدور الإعلام في بناء الدولة وتماسكها، وأن حرية الرأي والتعبير حق أصيل وليس منحة تمنّ بها السلطة للصحفيين، تفتح بابه وتغلقه بحسب تقديراتها وتقدير مؤسساتها؟
تلك مشكلات لا يعالجها النص القانوني بقدر ما يعالجها الوعي لدى الطرفين، السلطة والإعلام، بأهمية تطور النص ليتناسب ومطلوبات ممارسة المهنة، وبالحدود القيمية التي من الواجب أن يلتزم بها الصحفيون أثناء أداء واجباتهم، وذلك لأن الفرق شاسع بين الفكرة التي تقوم على بناء إعلام حر وبين صياغته بما يتوافق واللحظة السياسية المضطربة في السودان.


