*من الحرب على إيران إلى أزمة الخليج: كيف يُعاد ترتيب الشرق الأوسط؟*

*البعد الخامس*
*الجزء الأول: الحرب على إيران في سياق مشروع «إسرائيل الكبرى»*
*بقلم. صباح المكي*
*مقدمة: الحرب على إيران في سياق شرق أوسط يُعاد تشكيله*
لا تبدو الحرب على إيران، في سياقها الأوسع، مجرد جولة تصعيد عسكري بين خصمين إقليميين، بل جزءًا من مسار أشمل يُعاد فيه ترتيب البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط على نحو يتجاوز طرفي المواجهة المباشرين. فهذه الحرب لا تعيد فتح سؤال الردع بين طهران وتل أبيب فحسب، بل تكشف أيضًا طبيعة التوازنات التي يُراد فرضها في الإقليم، والجهات التي تدفع نحوها، والحدود التي يُراد رسمها بالقوة بين من يملك حق المبادرة ومن يُدفع إلى التكيف مع نتائجها. ومن هذه الزاوية، تصبح الحرب على إيران مدخلًا لقراءة أوسع: ليس فقط لمستقبل الجمهورية الإسلامية، بل لما قد تفضي إليه هذه المواجهة من إعادة تشكيل للشرق الأوسط، ولموقع القوى الإقليمية، وعلى رأسها الخليج، داخل هذا المشهد الجديد.
*أولًا: الإطار الاستراتيجي: إيران في قلب المشروع الإسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة*
لا يمكن فهم الحرب الحالية على إيران بمعزل عن السياق الاستراتيجي الأوسع الذي صاغته النخب الحاكمة في إسرائيل على مدى عقود. ويشير عدد من المحللين الاستراتيجيين إلى أن هذه الحرب تمثل الحلقة الأحدث في سلسلة من العمليات العسكرية وإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، بدأت بغزو العراق عام 2003، مرورًا بتفكيك المنظومة الأمنية السورية، وصولًا إلى إضعاف «محور المقاومة» في لبنان وغزة. وفي هذا السياق، يندرج مشروع «إسرائيل الكبرى» الذي تتبناه التيارات اليمينية المتطرفة في الائتلاف الحاكم، والقائم على تصور توسعي يتجاوز حدود فلسطين المحتلة إلى الأردن ومصر وسوريا والعراق والسعودية ولبنان، وهو ما يستلزم، بالضرورة، إزاحة العقبات الإقليمية الكبرى التي تحول دون ترسيخ هذا التمدد.
وتمثل إيران، وفق هذه الرؤية، الخطر الوجودي المتبقي الأهم، لأنها ما تزال تملك القدرة على تعطيل هذا المسار من خلال دعمها لشبكة من الفصائل والقوى الحليفة التي شكّلت، على مدى عقود، طوقًا ضاغطًا حول إسرائيل. ومن هنا، لا تبدو الحرب عليها مجرد محاولة لتدمير برنامجها النووي أو إضعاف قدراتها الصاروخية، بل محاولة لكسر قدرتها على الإسناد والردع، ودفعها إلى موقع إقليمي أقل تأثيرًا وأشد قابلية للاحتواء، بما يفتح المجال أمام اختلال أوسع في ميزان القوة لمصلحة إسرائيل.
*ثانيًا: بين واشنطن وتل أبيب: تحالف واحد وحسابان مختلفان*
تكشف الحرب على إيران عن فجوة استراتيجية حقيقية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم متانة التحالف بينهما. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى ذات التزامات عالمية، لا تنظر إلى الحرب من زاوية عسكرية مجردة، بل من زاوية أوسع تشمل أمن الطاقة، واستقرار الأسواق، وسلامة حلفائها في الخليج، وتداعيات أي انزلاق طويل الأمد على موقعها الدولي. ولهذا، لا تُقاس كلفة الحرب في واشنطن فقط بما تحققه من إضعاف لإيران، بل أيضًا بما قد تفتحه من فوضى إقليمية يصعب ضبطها، خصوصًا مع التوتر المتصاعد في مضيق هرمز وما يمثله من شريان حيوي للاقتصاد العالمي.
أما إسرائيل، فتتعامل مع الحرب بمنطق مختلف. فهي تنظر إليها بوصفها ضرورة استراتيجية لتفكيك التهديدات المحيطة بها، وفرض بيئة إقليمية أقل قدرة على إنتاج الردع أو رفع كلفة استخدام القوة ضدها. ومن هنا، يبدو سقف المخاطرة الإسرائيلي أعلى بكثير من السقف الأمريكي؛ إذ إن تل أبيب أكثر استعدادًا لتحمل احتمالات الفوضى الإقليمية ما دامت الحرب قد تفضي إلى إضعاف إيران وتجريدها من قدرتها على الإسناد والردع. كما أن اعتماد إسرائيل بدرجة أقل على مضيق هرمز، بفضل مواردها الخاصة من الغاز والطاقة، يجعلها أقل حساسية تجاه كلفة التصعيد في الخليج، ويمنحها مساحة أكبر لتبني سياسة أكثر عدوانية تجاه المنشآت النفطية الإيرانية.
لكن هذا التباين لا يبقى خلافًا داخل التحالف، بل ينعكس مباشرة على الإقليم، وخصوصًا على الخليج، الذي يجد نفسه أقرب الأطراف إلى تحمّل النتائج الأمنية والاقتصادية من دون أن يكون شريكًا فعليًا في صياغة القرار. وهنا يبدأ السؤال الأهم: إذا كانت الحرب تُدار داخل تحالف واحد، لكن وفق حسابات غير متطابقة، فمن الذي يحدد لحظة الانفجار؟ وبأي معيار؟ ولحساب من؟ ومن يملك، بعد ذلك، قرار إيقاف الحرب أو ضبط مداها وشروط نهايتها؟
ولا تقف خطورة هذا التباين عند إدارة الحرب نفسها، بل تمتد أيضًا إلى شكل التوازن الإقليمي الذي قد يخرج منها.
*ثالثًا: ما بعد إضعاف إيران: أي توازن سيبقى في الإقليم؟*
السؤال الأهم الذي تطرحه الحرب ليس فقط ما إذا كانت إيران ستخرج منها أضعف، بل أي نوع من التوازن الإقليمي سيبقى بعدها. فالمخاوف الإقليمية لا تتعلق فقط بإضعاف إيران عسكريًا، بل بإعادة تعريف دورها على نحو يخرجها من موقع الخصم الاستراتيجي لإسرائيل إلى موقع الدولة المُحتواة أو المُعاد ضبط أولوياتها تحت ضغط الحرب والعزلة وإعادة التموضع. وبكلمات أخرى، لا يكمن القلق فقط في خسارة إيران لجزء من قدرتها، بل في أن يفضي ذلك إلى فراغ استراتيجي يوسع هامش التفوق الإسرائيلي من دون أن يقوم في مواجهته توازن بديل.
ولهذا، لا يبدو التقارب الظرفي أو التوازي في المصالح بين قوى إقليمية مختلفة تجاه منع الانهيار الكامل لإيران مجرد تفصيل جانبي، بل تعبيرًا عن إدراك أوسع بأن نتائج الحرب قد تتجاوز طرفيها المباشرين وتمتد إلى شكل المنطقة كلها. فبعض العواصم الإقليمية لا تنظر إلى بقاء إيران قوية بوصفه هدفًا في ذاته، لكنها في المقابل لا ترى في انهيارها الكامل مصلحة لها، لأن ذلك قد يفتح الباب أمام شرق أوسط أكثر اختلالًا، تتراجع فيه قدرة أي طرف على كبح الانفراد الإسرائيلي بتحديد قواعد الاشتباك والردع.
فكلما انخفضت قدرة إيران على الردع من دون أن يظهر توازن بديل، اتسع هامش الحركة الإسرائيلية، لا بوصفها قوة متفوقة فحسب، بل بوصفها الطرف القادر على إعادة تعريف حدود القوة المشروعة، وشروط الحرب، وخرائط الردع في الإقليم كله. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بإيران وحدها، بل بالمنطقة التي ستنشأ بعدها: هل ستكون منطقة تعدد نسبي في موازين القوة، أم ساحة أكثر قابلية للانكشاف أمام نفوذ إسرائيلي متعاظم؟
*رابعًا: أزمة الثقة مع واشنطن: حين ينفصل التقدير عن القرار*
لم تكن صدمة دول الخليج مقتصرة على حدود العجز الأمريكي عن حماية الحلفاء، بل امتدت إلى ما هو أخطر: انكشاف الفجوة بين التقييم الاستخباري الرسمي في واشنطن، وبين القرار السياسي الذي دفع نحو الحرب. فالمسألة، من منظور خليجي، لم تعد تتعلق فقط بمدى فاعلية المظلة الأمريكية، بل بمنطق استخدامها أصلًا: هل تُفعّل لحماية الحلفاء، أم تُسخّر أحيانًا ضمن أجندات لا تجعل أمن الخليج أولوية، بل كلفة جانبية قابلة للتحمل؟
وقد كشفت الحرب عن واحدة من أكثر حالات الانفصال وضوحًا بين التقدير الاستخباري وصنع القرار السياسي في الولايات المتحدة. ففي شهادة علنية أمام مجلس الشيوخ، قالت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، وجون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، إن إيران كانت تحتاج إلى ما لا يقل عن عقد كامل لتطوير صواريخ قادرة على تهديد الولايات المتحدة، وإنه لم يطرأ أي تغير نوعي على قدراتها الصاروخية قبل شن الهجمات. وهذا يعني أن الذريعة التي سيقت لتبرير الاستعجال بالحرب لم تكن منسجمة، حتى وفق الشهادة الرسمية الأمريكية نفسها، مع معيار «الخطر الوشيك» الذي يُستخدم عادة لتسويغ الانخراط العسكري.
وقد تعزز هذا التناقض في مداخلات عدد من المحللين والمسؤولين السابقين. فقد أكد جيفري ساكس، أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا، أن «التهديد لم يكن وشيكًا على الإطلاق»، وذهب أبعد من ذلك بوصف المبررات الرسمية للحرب بأنها «كذب». لكن الأكثر دلالة ربما كان ما أشار إليه جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب والرئيس السابق للعمليات الخاصة في وكالة الاستخبارات المركزية، والذي استقال احتجاجًا على الحرب، حين تحدث صراحة عن ضغوط إسرائيلية هائلة مورست لدفع الولايات المتحدة إلى هذه المواجهة. وبحسب هذا الطرح، لم تكن الحرب استجابة أمريكية مستقلة لتهديد مؤكد، بقدر ما كانت نتيجة تلاقي ضغط إسرائيلي مكثف مع قابلية سياسية داخل البيت الأبيض للانخراط في التصعيد، رغم هشاشة الأساس الاستخباري الذي استند إليه.
ومن هنا، لا تبدو الأزمة الخليجية مع واشنطن أزمة حماية فقط، بل أزمة قرار أيضًا. فحين يتبين أن الحرب قد تُشن في لحظة لا يفرضها التقييم الاستخباري الأمريكي بقدر ما تدفع إليها أولويات إسرائيلية ورهانات سياسية داخلية، فإن الثقة لا تهتز في القدرة الأمريكية وحدها، بل في استقلالية القرار الأمريكي نفسه. وهذا ما جعل عواصم الخليج تقرأ الحرب لا بوصفها ردًا دفاعيًا منضبطًا، بل بوصفها مواجهة فُرض توقيتها ومنطقها خارج حساباتها الأساسية.
*خامسًا: الحرب كأداة تشتيت: حين تتقاطع مع أزمات الداخل الأمريكي*
وفي سياق أكثر تعقيدًا، ظهرت داخل الولايات المتحدة نفسها قراءة لا يجوز التعامل معها بوصفها مجرد هامش إعلامي، لأنها تكشف شيئًا من مناخ القرار الذي أُنتجت فيه الحرب. فقد برزت فرضية تقول إن توقيت التصعيد لم يكن منفصلًا تمامًا عن الضغوط السياسية الداخلية التي كان يواجهها الرئيس ترامب. وقبل أربعة أيام فقط من انطلاق عملية «الغضب الملحمي» في 28 فبراير، ظهرت تقارير عن وجود صفحات من ملفات جيفري إبستين تتعلق بترامب وكانت وزارة العدل قد امتنعت عن نشرها. ثم تصاعد الجدل داخل الكونغرس، حين انضم رئيس لجنة الرقابة في مجلس النواب، النائب الجمهوري جيمس كومر، إلى مطالبات التحقيق في هذه الملفات، بينما اتهم النائب الجمهوري توماس ماسي ترامب علنًا بمحاولة دفن فضيحة إبستين عبر الحرب، قائلًا إن «قصف دولة على الجانب الآخر من الكرة الأرضية لن يجعل ملفات إبستين تختفي».
وليس المقصود هنا اختزال الحرب كلها في تفسير واحد أو في قراءة اختزالية، لأن ذلك يخل ببنية أكثر تعقيدًا. لكن تزامن التصعيد العسكري مع ذروة الضغوط الداخلية، ومع اتساع التوتر داخل الإدارة نفسها، يكشف أن القرار لم يكن محكومًا فقط بمنطق الأمن القومي كما قُدّم للرأي العام، بل كان مفتوحًا أيضًا على تأثيرات الداخل الأمريكي وتجاذباته وأزماته السياسية. وبالنسبة إلى الخليج، فإن هذا المعنى بالغ الخطورة: أن يجد نفسه مرة أخرى في موقع المتلقي لكلفة حرب لم تحددها مصالحه، ولا صاغ توقيتها، ولا كانت حساباته في مركزها، بل دُفع إليها ضمن توازن معقد من الضغوط الإسرائيلية والتجاذبات الأمريكية الداخلية. ومن هنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل سيظل الخليج، كلما اندفعت واشنطن إلى حرب لا تجعل مصالحه في مركز القرار، محكومًا بأن يكون مجرد ساحة جانبية لارتداد الكلفة، لا طرفًا مؤثرًا في منعها أو ضبطها؟
*ما بعد طهران: الخليج في مرمى النتائج*
في المحصلة، لا تقف آثار هذه الحرب عند إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل تكشف أيضًا كيف يُنتج القرار، ومن يدفع إليه، وكيف يُعاد ترتيب الإقليم على نحو يتجاوز أطراف الاشتباك المباشرين. غير أن الأثر الأبعد لهذه الحرب لا يتوقف عند طهران وواشنطن وتل أبيب، بل يمتد إلى الخليج، الذي وجد نفسه أمام صراع لم يصنع قراره، لكنه بات معنيًا بتحمل كلفته الأمنية والاقتصادية والسياسية. ومن هنا، لا يبدأ السؤال التالي من طهران، بل من الخليج نفسه. ومن هذه النقطة يبدأ الجزء الثاني.
bitalmakki@gmail.com



