منصات “المتفلتين”.. تخريب خطاب الدولة

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وفي الأثناء التي كانت فيها الدولة تحاول استعادة توازنها المفقود بسبب اندلاع الحرب، كان الباب مفتوحاً أمام كثيرين لاستلاف لسان الدولة واختطافه باسم دعم الدولة والوقوف إلى جانب مؤسساتها. ومن هذا الباب غاب خطاب الدولة الرسمي، وحلّت في مكانه خطابات الأجندة السياسية وتخريب الفضاء العام بكل ما من شأنه التأكيد على أن هنالك فراغاً سُدّ بخفة اليد واللسان لإدارة معارك لا تخص الدولة في شيء بقدر ما أنها لا تتعدى الرغائب الذاتية لمنصات باتت تشكل الرأي العام، وصوتها أعلى بكثير من الصوت الرسمي، وأصبح دعم مؤسسات الدولة صكاً مبرئاً للذمة في سوق المنصات الإعلامية، وصارت سرقة لسان الدولة الرسمي ليست جريمة يُحاسب عليها القانون.
(*) سرعة الصوت تسبق الصفة ..
في وقت ما لم يكن العقل الرسمي مشغولاً بأكثر من صوت الرصاص باعتبار أنها اللغة الوحيدة التي تفهمها الحرب، لتدور في الفضاء التفاعلي خطابات يتزيّا مطلقوها بالزي الرسمي للمؤسسة العسكرية، وكانت الجرأة التي تخرج بها لمخاطبة الرأي العام تزيح قوة الخطاب الرسمي إن لم تكن في أحيان تكذّبه، لتضع في المشهد العام للحرب “سرديات” تخاطب الداخل في معارك قديمة جدّدتها الحرب، والخارج بلغة لم تعد مقبولة، ولها دلالات جعلت حتى المجتمع الدولي يقدم رجلاً ويؤخر الأخرى كلما فكر في التعامل مع الحرب الدائرة في السودان.
ما كان في خانة “الشبهات” بخصوص توجهات الحكومة ومؤسساتها في نظر دول الإقليم والعالم ومنظمات المجتمع الدولي، وكان في قائمة التهم الموجهة صراحة وتلميحاً لها، ظل “متفلتو” المنصات التفاعلية يسعون بلا هوادة لتأكيده، واستغلال ظرف الحرب وترتيب أحوال الميدان لظهوره كخطاب الدولة الرسمي الذي توجهه، وهي تمد لسانها لتغيظ به كل الخطابات التي تدعو لضبط الخطاب الرسمي ومنصاته، والقول بأن ما يحدث من انفلات لا يعدو كونه “مراهقة” ناشطين لا يدركون كلفة هذه الممارسة المتفلتة التي تدفعها الدولة.
السكوت الطويل على هذه الممارسات “الصبيانية” بدواعي تقديرات تماسك الجبهة الداخلية، وخدمة هذا التفلت الخطابي في أوقات لمشاعر التعبئة العامة، ظهر وكأنه الضوء الأخضر لقطع إشارات المرور الحمراء في أحيان كثيرة، للحد الذي مسّ هيبة مؤسسات الدولة، وتقاطع حد الاصطدام مع خطابها الرسمي، وأدخلها في “زقاق” الحرج الدبلوماسي.
يخرج الخطاب والرسائل “المتفلتة” وتفعل فعلها، ثم يأتي من بعد ذلك السؤال عن ماهية “الصفة” التي تخوّل للمتفلتين كل هذه “البجاحة” وقوة العين في علو صوتهم على صوت الدولة وصفاتها الرسمية التي تخوّل الحديث بسياساتها ومواقفها للرأي المحلي والدولي.
خطورة الخطاب “المتفلت” وغير المنضبط بالموقف والسياسة الرسمية للدولة تأتي من أنه في العادة كان يصدر من أشخاص بطاقة تعريفهم أنهم داعمون لمؤسسات الدولة، ويتبنون الخطاب الداعم لها، دون وجود أي نقاط تفتيش لهذا الخطاب أو ارتكازات يتم فيها طلب إثبات الهوية للمتحدث حتى يُسمح له بعد ذلك بالمرور للإدلاء بتصريحات ولغة صارت في وقت لاحق عبارة عن بينات إثبات لشكوك باتت تتعاظم يوماً بعد يوم.
الخطاب المتفلت لا يلجمه لجام، فالمادة التي توفرها الحرب، ومهما كانت خطورتها العسكرية والأمنية، هي معروضة في سوق المنصات الخاصة بأسعار مجانية، وبقلة وعي وإدراك لآثارها الثقيلة على مجهود الدولة في استعادة تماسكها في مقابل مطلوبات حرب تدور في الداخل، ومتطلبات مجتمع إقليمي ودولي لا يريد أن يكلّف نفسه جهد الفصل بين خطاب الدولة الرسمي وخطاب المتفلتين، وهو في الأصل تملؤه الهواجس والظنون بأن ما يحدث ليس إلا حالة استعادة لحياة لسان الدولة الرسمي الذي سقط مع النظام في ديسمبر 2018م.
(*) شيكات واجبة التحصيل ..
مجموعات بخلفيات “سياسية” وعقائدية ظلت ترى بأنها قدمت “سُلفة” الدعم العسكري الميداني لمؤسسات الدولة العسكرية، وأن هذا “الشيك” قد حل أجله بالسداد عبر استلاف لسان الدولة، أو قل وللتحديد بشكل أدق “اختطافه”، لتأكيد الوجود و”فش الغبينة” السياسية مع الخصوم بقوة عتاد الخطاب العسكري الذي لا يعرف الفواصل بين خطاب الدولة الرسمي المحتاج لضوابط السلوك الدبلوماسي ويراعي البروتوكول، ويحسب حساباً دقيقاً لخطاب الدولة وهي تمشي في حقل ألغام علاقاتها الخارجية، وتهور الخطاب المتفلت الذي يخرج ومن بعد ذلك يبحث عن تدارك التكاليف.
في أحيان كثيرة ظهر هذا الخطاب بمظهر “الابتزاز” القائم على فكرة أن الدولة ومؤسساتها في توقيت الحرب مضطرة حالياً لتفادي معركة الخطاب الرسمي وخطاب المتفلتين، لأن عليها “شيكات” لا تملك الرصيد الذي يغطيها للصرف.
شهوات “السبق الإعلامي” وادعاءات السيطرة والتأثير على الموقف والخطاب الرسمي، وبطولات المشهد الافتراضي، التي صنعت “فقاعات” غطّت كثيراً على الخطاب الرسمي.
(*) قلم تصحيح ..
في أوقات كثيرة لم تكن الدولة ترى الضرورة في تصحيح هذه الممارسة المتفلتة، إن لم تكن بأنها في أوقات يمكنها تمرير ما لا يمكن تمريره عبر الخطاب الرسمي، لاختبار ردة فعل الرأي العام أو موقف الإقليم والمجتمع الدولي، باعتبار أن الخطاب المتفلت عبارة عن أنبوب اختبار لا يحتاج لقلم التصحيح والمحاسبة.
عفت الدولة نفسها من جهد التصحيح وملاحقة إطفاء الحرائق التي تشتعل خلف تفلتات هذا الخطاب، وتحملت في أوقات كثيرة أيضاً وزر هذا النوع من الخطابات ووضعته على أكتافها.
في أوقات كثيرة ظلّت الدولة بالها موزعاً بين الاهتمام بصناعة خطاب رسمي يخفف عليها الوزن الثقيل للخطاب المتفلت، وبين الوقوف لتصحيح ومحاسبة المتفلتين الذين بات من الواضح بأنهم لا يقيمون وزناً لقلم التصحيح الرسمي.
الدولة تعلم بأنها، وفي هذا المنعطف الحرج من تاريخ الدولة السودانية، وهي تخوض معركة الوجود، بأن غالبية “الحرج الدبلوماسي” مصدره يأتي من الخطابات المحسوبة عليها وعدم قدرتها على الإقناع بفصلها عن الموقف الرسمي. وهذه القضية تكاد بأنها لم تغب عن أي مداولات دارت بين ممثلي الدولة بكل مستوياتهم والمبعوثين الرسميين للدول والمنظمات، وكثيراً ما تم استخدام محتوى هذه الخطابات المتفلتة كمفتاح لخارطة التعامل مع الدولة، وكمحدد للتعاطي مع سلوكها وموقفها الرسمي. وفي أعراف العلاقات الدولية كل شيء محسوب وله وزن، وأن هذا النوع من الخطابات المتفلتة، إن لم تكن مؤسسات الدولة راضية عنها، كان بمقدورها أن تلجمها وتصحح مسار مصدريها.
استمرار هذا الخطاب المتفلت وتطاول بقائه كخطاب متجاوز للخطاب الرسمي للدولة، ظهرت آثاره على شاشات “رادار” الرأي العام الداخلي، والذي هو بالضرورة البعض منه متفق مع الموقف الداعم لمؤسسات الدولة ممثلة في الجيش، ولكنه بالضرورة محتفظ بموقف القطيعة مع استدعاء خطاب “الهوس” وسيطرة تيار النظام السابق على لغة الدولة ولسانها لتصفية الحسابات القديمة، وبالتالي ظهر الانقسام حول هذا الخلط بين ما هو رسمي ويمثل الدولة، وبين ما هو متفلت ويبحث عن رصيد سياسي وانتصارات لا علاقة لها ببقاء الدولة.
في أوقات كثيرة لم تقم الدولة بتصحيح حالة البطء الملازمة لقرارها وموقفها الرسمي، وبالتالي صار الخطاب المتفلت يسبق الخطاب الرسمي بأكثر من ركعة في صلاة الفرض الوطني دون الوضوء من نواقضها.
(*) تحليل حالة الخطاب المتفلت ..
ظاهرة الخطاب المتفلت، والذي بات ظاهراً للعيان بأنه صار عبئاً يثقل كتف الموقف الرسمي للدولة، لدرجة دفعت في أكثر من موضع القائد العام للقوات المسلحة لإظهار غضبته، قاصداً زجر خطابات المتفلتين، ورفع الإصبع السبابة في وجه كوارثه التي يجرها على موقف الدولة، تحتاج لمنهج تحليل يقرأ كيف يمكن تفكيكها ودراستها.
تكاثر هذا الخطاب بالدرجة التي ظهر معها الظن بأنه خطاب دولة موازٍ للدولة، وأننا لسنا في مواجهة أفراد متفلتين لا يملكون الوعي والإدراك الكافي بتكلفة هذا الاندفاع غير المنضبط على الدولة ومساعيها لضبط مسار الميدان بالمسار الإعلامي والدبلوماسي لخلق موقف متوازن وقوي، بل إننا أمام حالة سيولة تسمح بهذا التفلت وتستخدمه، كما ذكرنا آنفاً، لإيصال رسائل في بريد الداخل والخارج.
بحسب المعرفة المسبقة بمتصدري مشهد الخطاب المتفلت، والمحتوى الذي لا تغيب عنه العقيدة السياسية للمتحدث، فإن التقييم الصحيح لا يأتي فقط من الناحية الشخصية للمتحدثين، بل من ناحية السياق والبيئة التي يعيشها السودان في زمن الحرب، وصارت هي البيئة الصالحة لنمو وتكاثر المتفلتين.
قد يكون مفهوماً المحاولات الفردية التي صدرت من رسميين لزجر وإصلاح هذا النوع من الممارسة، إلا أن أي مواجهة صريحة بين الخطاب الرسمي والخطاب المتفلت كانت الجولة فيها من نصيب الأخير بالقاضية الفنية، إلا أن المجهود المبذول رسمياً لضبط الخطاب المتفلت ليس كافياً ولا بقدر حجم تأثيراته، وهذا بالضرورة تظهر نتائجه في ازدواجية الرسائل السياسية التي يتلقاها الداخل والخارج، وبالتالي اضطراب ردات الفعل حيال الحالة السودانية.
الدولة نفسها، وبسبب هذا الخطاب الموتور، ستجد نفسها أمام تكاليف تخلق أعداء جدداً هي لا تحتاجهم الآن في معركتها، إضافة لزعزعة علاقتها مع حلفاء هي في غنى عن إرباك تواصلها معهم بلغة الخطاب المتفلت.
أقوى خطاب يمكن أن يكون سلاح الدولة الماضي في معركتها هو تماسك الرأي العام الداخلي ووحدته، وهذا هو التخريب الأول الذي تقوم عليه منصات الخطاب المتفلت ومحدود الوعي والتفكير، والذي يعتبر بأن الأجندة السياسية وخطاب التحشيد ضد الآخر هو وقود الانتصار في معارك قد لا تخص الدولة نفسها في هذا التوقيت.
(*) ما هو المطلوب ..
وهنا، وحتى لا يحدث الالتباس والخلط بين ما هو موضوع في خانة حرية الرأي والتعبير وكفالته للكل، وبين اختطاف لسان الدولة وموقف مؤسساتها الرسمية، لا بد من بوصلة تضبط اتجاهات ما هو يمثل الصوت الرسمي وما هو يخص الرأي الشخصي الذي لا تتحمله الدولة ولا يعبر عنها، بتحديد من يتحدث باسم الدولة وقنوات واضحة هي المسار المعروف للخطاب الرسمي للدولة في التوقيت والقضايا، دون أي فراغ لا تصبر عليه منصات التفلت.
كما أنه من الواجب التعريف بأن القرب من الدولة ومؤسساتها، أو حتى الاتفاق مع مواقفها المعلنة، لا يمنح تفويضاً بالحديث بلسانها، وأن الخطاب المتفلت هو عبارة عن تكلفة سياسية مؤجلة تدفعها الدولة من رصيدها الدبلوماسي، وأن الصمت المؤسسي الذي تمارسه الدولة في مقابل هذا الضجيج في الخطاب المتفلت قد يُفسَّر تفسيرات لا ترغب الدولة ومؤسساتها فيها، وهي المحتاجة لصوت واحد متسق ومنضبط تتحمل مسؤوليته.
/////////////////


