ترجُّل الفارس.. حينما يكون الثبات تهمة في زمن الانبطاح

بقلم المهندس: محمد عبد اللطيف هارون
حينما تضلُّ بوصلة البعض، وتتحول ‘الشماتة’ إلى سلاح في وجه الشرفاء، يصبح الصمت تواطؤاً، أقف اليوم عند محطة ترجّل الفارس العميد د. طارق كجاب.. ليس دفاعاً عن شخص، بل إنصافاً لمواقف صمدت يوم انحنت الرؤوس، ورداً على محاولات الشيطنة التي تستهدف كل صوت وطني حر.
مؤلمٌ هو حالنا حين تضلُّ البوصلة، وأشد إيلاماً أن تطلَّ “الشماتة” برأسها القبيح تجاه رجلٍ لم يعرف الانبطاح يوماً. إن إحالة الضباط للمعاش سنةٌ متبعة في النظم العسكرية لا اعتراض عليها ولا غبار، فهي دورة الحياة المهنية الطبيعية، لكن ما يستوجب الوقوف والرد هي تلك الموجة العاتية من ردود الأفعال الشامتة التي تطلبت منا أن ننصف الرجل، لا لشيء إلا لإعلاء كلمة الحق في وجه التزييف الممنهج.
لماذا يشمتون؟ وماذا فعل العميد الدكتور طارق كجاب غير أنه انحاز للإنسان وللأرض؟ منذ اليوم الأول للحرب، حين “لاجت” الخطى وحمي الوطيس واشتعلت النيران في كل زقاق، لم يحجز كجاب تذكرة سفر لبلاد الخليج أو أوروبا، ولم يبحث عن عقود بآلاف الدولارات وهو العالم الطبيب الماهر في تخصص نادٍر، بل اختار “السلاح الطبي” مستقراً، مرابطاً وسط الحصار وشح الإمدادات، يقدم علمه ودمه لخدمة الجرحى، ويطل عبر وسائطه ليبث الأمل في قلوب الشعب المكلوم، فكان صوتاً للناس وسوطاً مسلطاً على ظهر الجنجويد.
إن ما يُعتقد أنه سببٌ لهذه الإقالة المفاجئة، وهو ذلك الجزء “المجتزأ” من بثه المباشر الذي تناول فيه تداعيات قصف مواقع الطاقة في إيران وردود الفعل المحتملة على المنطقة والخليج، يضعنا أمام علامة استفهام كبرى. فالرجل لم يفعل أكثر من تكرار وقائع ومعادلات جيوسياسية معلنة، ولم يخفِ يوماً اصطفافه الفكري الواضح ضد العدوان الإسرائيلي الأمريكي. فإذا كانت هذه الآراء هي الدافع للإقالة، فإننا أمام عملية “تكميم أفواه” صريحة؛ إذ كيف يُحاسب اليوم على آرائه وهو الذي ظلَّ في بثٍ مباشر متواصل لثلاث سنوات كاملة، يحلل ويوجه ويطمئن الناس دون نكير؟ فإذا كانت الحجة هي “الانضباط العسكري” لضابط عظيم، فلماذا صمتت هذه المعايير طوال سنوات صموده وبثه؟
إننا نعاني اليوم من آفة “الإقصاء” ومن بعض المتحكمين في اتجاهات الرأي عبر الوسائط المتعددة، الذين يعملون بجهدٍ حثيث على “شيطنة” آراء الرجل ومواقفه، وينساق خلفهم “القطيع” دون دراية. إننا كسودانيين، ومهما كانت اختلافاتنا السياسية، يجب علينا أن نتراضى على “عقيدة الحد الأدنى” من الاحترام. يجب أن نعمل يداً واحدة فيما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف عليه، بدلاً من ذبح الكفاءات على مقصلة الخلاف الفكري أو الحسابات السياسية الضيقة.
بترجله اليوم، يكسب طارق كجاب نفسه ومستقبل أيامه ويتفرغ لأسرته الصابرة، لكن الجيش يفقد يداً حانية وعقلاً فذاً وقلباً جسوراً. سيبقى دكتور طارق صنديداً في ذاكرة الشرفاء، وستظل مواقفه في زمن الحرب وساماً لا تنال منه سهام الشامتين ولا ضجيج “الترندات” المصنوعة.
///////////////



